ولاية الفقيه بين الروايات المختلف فيها والواقع السياسي: نقد شيعي داخلي لنظرية السلطة الدينية
تُعدّ نظرية ولاية الفقيه من أكثر القضايا إثارة للجدل في الفكر الشيعي الإمامي، ليس فقط بسبب آثارها السياسية المعاصرة، بل بسبب الإشكاليات العميقة التي تحيط بأصولها الروائية والعقلية. فقد بُنيت هذه النظرية على مجموعة من الأخبار المنسوبة إلى الأئمة، جرى توظيفها وتوسيع دلالتها لتبرير انتقال سلطة الإمام المعصوم – بكل أبعادها – إلى فقيه غير معصوم في عصر الغيبة، وهو ما أثار اعتراضات واسعة داخل المدرسة الشيعية نفسها.
ويكشف التتبع التاريخي أن غالبية النصوص المعتمدة في هذا الباب لا تتجاوز إطار الفتوى والقضاء، وأن تعميمها لتأسيس سلطة سياسية مطلقة هو اجتهاد متأخر، لم يحظَ بإجماع شيعي، بل واجه رفضًا صريحًا من كبار مراجع الإمامية قديمًا وحديثًا. كما أن الاتكاء على روايات ضعيفة أو محتملة الدلالة، ثم تدعيمها بالعقل السياسي والضرورة الاجتماعية، أوقع النظرية في تناقض مباشر مع الأسس العقدية الإمامية التقليدية، وعلى رأسها نظرية الإمامة الإلهية والعصمة والانتظار.
ومن هنا يسعى هذا المقال إلى تفكيك نظرية ولاية الفقيه من داخل الفكر الشيعي نفسه، وبيان كيف تحولت من اجتهاد فقهي محدود إلى مشروع سياسي شمولي، مع عرض أبرز الاعتراضات العلمية التي قدمها علماء شيعة بارزون، والكشف عن البدائل التي طُرحت، مثل شورى الفقهاء أو المراجع، بوصفها محاولة للهروب من مأزق الولاية المطلقة.
تحدث الشيخ الطوسي والسيد المرتضى عن فرضية تفويض الأئمة العام للفقهاء في مجال الحدود والقضاء.
وبقية تطور النظرية مر ذكره.
وكانت المشكلة الرئيسة التي حالت دون قول بعض الفقهاء (كالشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر) بنظرية (الولاية العامة) هي فلسفتهم عن سر (غيبة الإمام المهدي) واعتقادهم بعدم توفر الظروف الموضوعية للخروج، ومن ثم اعتقادهم بعدم إمكانية إقامة الدولة في (عصر الغيبة) فضلا عن جوازها، وذلك لوجود الخوف والإرهاب الذي يمنع الإمام من الظهور، كما يقول النجفي (صاحب الجواهر)، الذي قال بنظرية (النيابة العامة) بشكل محدود، ولكنه لم يقل بنظرية (ولاية الفقيه العامة) بسبب إيمانه بعدم إمكانية تحقق ذلك · وإلا لظهرت دولة الحق.
وذلك إضافة إلى عدم قيام الأدلة العقلية لديهم بمقاومة أدلة نظرية (الإمامة الإلهية) ووليدتها نظرية (الانتظار).
وربما كان هذا هو السبب في إحجام عدد من العلماء الذين قالوا بنظرية: (ولاية الفقيه العامة) كضرورة لا بد منها في (عصر الغيبة) ولو من باب الحسبة، عن مد النظرية إلى بعض أبواب الفقه كالجهاد وصلاة الجمعة والحدود، التي اشترطوا فيها إذن الإمام المعصوم (المهدي المنتظر).
بينما كانت نظرية (ولاية الفقيه) تقوم على أساس منطق كلامي جديد يحتم قيام الدولة في عصر الغيبة كضرورة اجتماعية لا مفر منها، ولا يلتزم بشرط توفر (العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية) في (الإمام المعاصر) ويكتفي بتوفر شرط (العلم والعدالة والتصدي والكفاءة الإدارية).
وفي الحقيقة.. لم يدع أحد من أنصار ولاية الفقيه قوة سند تلك الروايات، وإنما حاولوا تعضيدها بالعقل وعدم إمكانية بقاء الحكومة بلا والٍ، وقالوا أن الفقيه هو القدر المتيقن المسموح به على قاعدة اختصاص الولاية بالله والرسول والأئمة الاثني عشر.
وقد قام النراقي في الاستدلال على ضرورة إقامة الدولة في عصر الغيبة بالأدلة العقلية ثم حصر الجواز في الفقهاء فقط، بناء على تلك الأخبار الضعيفة.
ونتيجة لضعف الأدلة النقلية وعجزها عن إثبات الولاية للفقيه بالنيابة العامة عن الإمام المهدي، فقد حاول الشيخ حسن الفريد (توفي سنة 1417 ه) أن يشيد نظرية (ولاية الفقيه) على أساس: (الحسبة) واعترف في (رسالة في الخمس) بعدم استفادة نظرية الولاية من الكتاب والسنة، بل من دليل الحسبة والضرورة.
واعتبر السيد البروجردي مقبولة عمر بن حنظلة · شاهدا على نظرية (النيابة العامة) بعد أن استدل عليها بالمنطق القياسي وقال:· أن الأئمة (ع) إما إنهم لم ينصبوا أحدا للأمور العامة وأهملوها، وإما إنهم نصبوا الفقيه لها، لكن الأول باطل فثبت الثاني، وهذا قياس استثنائي.
وكذلك فعل الإمام الخميني الذي نظر عقليا لوجوب إقامة الدولة في عصر الغيبة. وأكد في (الحكومة الإسلامية): عدم وجود النص على شخص من ينوب عن الإمام المهدي حال غيبته.
وقد رفض الإمام الخميني الأدلة العقلية والنقلية التي قدمها ويقدمها علماء الكلام الإماميون السابقون الذين كانوا يشترطون العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية في الإمام، واستخدم العقل في رفض نظرية الانتظار السلبية المخدرة التي تحرم إقامة الدولة في (عصر الغيبة) إلا للإمام المعصوم الغائب، وتساءل:· هل تبقى أحكام الإسلام معطلة حتى قدوم الإمام المنتظر؟.. إلا يلزم من ذلك الهرج والمرج؟ وهل ينبغي أن يخسر الإسلام من بعد (الغيبة الصغرى) كل شيء؟..
وضعّف عقليا الأحاديث · المتواترة والتي كان يجمع عليها الإمامية في السابق، والتي تقول:· أن كل راية ترفع قبل راية المهدي فهي راية ضلالة وصاحبها طاغوت يعبد من دون الله. وقد استخدم المقدمة الإمامية الأولى في (ضرورة وجود إمام في الأرض) لينطلق منها إلى إثبات (ضرورة الإمامة في هذا العصر).
وفي الحقيقة.. أن أساس المشكلة في هذه المسألة المهمة يعود إلى الدمج بين نظرية (النيابة العامة) المستنبطة من بعض الأدلة الروائية الضعيفة وبين نظرية (ولاية الفقيه) المعتمدة على العقل وعلى ضرورة تشكيل الحكومة في (عصر الغيبة) بعيدا عن شروط العصمة والنص الإلهي والسلالة العلوية الحسينية، وان الخلط بين هاتين النظريتين، أو تطوير نظرية (النيابة العامة) إلى مستوى إقامة الدولة أدى إلى جعل الفقيه بمثابة الإمام المعصوم أو النبي الأعظم وإعطائه كامل الصلاحيات المطلقة، وإلغاء الفوارق بين المعصوم وغير المعصوم، بالرغم من قابلية الأخير للجهل والخطأ والانحراف، وهو ما يتناقض مع أساس الفلسفة الإمامية القديمة حول اشتراط العصمة في الإمام.
وخلاصة القول:
بالرغم من أن الكثير من الفقهاء حديثا، قد قالوا بنظرية ولاية الفقيه إلا أن اغلبهم حذروا من ديكتاتورية الفقيه المطلقة ولم يعترفوا بسلطة أي فقيه على فقيه آخر ولا على مقلدي الفقهاء الآخرين كما أراد الخميني في نظريته بل الحقيقة أن اغلبهم رفض هذه النظرية كما أرادها الخميني وفضلوا عليها نظرية ولاية الفقيه بالمفهوم الأولي التي جاءت به والتي تجيز لكل فقيه من الفقهاء أن يتصدوا للحكم بأنفسهم أي لا تكون محصورة بفقيه وأحد؟!
يقول محمد حسن فضل الله:
ولاية الفقيه نظرية لا يراها أكثر فقهاء الشيعة، وأنا لا أراها. ولا يتحتّم أن تكون الولاية للفقيه بمعنى السلطة التنفيذية. السيد أبو القاسم الخوئي لا يرى ولاية الفقيه وكذلك السيد محسن الحكيم؛ لكن نفي ولاية الفقيه من ناحية النظريّة الاجتهادية تنطلق من عدم ضرورة أن يكون الولي فقيهاً، ولا يعني عدم إسلاميّة النظام. وبتعبير آخر: إنّنا نقول أن الفقه بما هو حالة ثقافية اجتهادية لا يلازم ناحية الولاية التي ترتبط بالجانب التنفيذي، ولكن قد يجتمعان في شخص. ولكن الأساس أمران: الأوّل الكفاءة القيادية والخبرة والفضيلة، والثاني هو أن يرتكز إلى الشرع الإسلامي في إدارة الحكم.
ويقول رئيس التيار الشيعي الحر في لبنان الشيخ محمد الحاج الحسن:
أن مشروع ولاية الفقيه: مشروع مؤأمرة، وتأمري كبير؛ فلا سلطة للولي الفقيه على أي من خارج حدود إيران. وأما في ما يتعلق بالشيعة العرب، فنحن ندعوهم، ونقول لهم: أن الأوان لنقول كلمتنا، إننا جزء لا يتجزأ من هذه المنطقة العربية، والأمة الإسلامية. وعلينا أن نتصدى لكل المؤأمرة، التي تأتينا تحت عنوان ولاية الفقيه[1].
وقال محمد جواد مغنيه في كتابه فقه الإمام الصادق:
ونحن نعتقد أن المعصوم وحده هو الذي يجب اتباعه في جميع أقواله وأفعاله سواء أكانت من الموضوعات أم من غيرها أما النائب والوكيل فلا، بداهة أن النائب غير المنوب عنه والوكيل غير الاصيل وليس من الضرورة أن يكون النائب في شيء نائبا في كل شيء، وأيضًا نعتقد أن من قال وادعى أن للمجتهد العادل كل ما للمعصوم هو وأحد من اثنين لا ثالث لهما اما ذاهل مغفل واما إنه يجر النار على قرصه ويزعم لنفسه ما خص الله به صفوة الصفوة من خلقه وهم النبي وأهل بيته (ع) وأعوذ بالله من هذه الدعوة وصاحبها.
وقال علي الأمين معقباً:
على هذا الاساس يقال بعدم ثبوت الطاعة التي كانت ثابتة للمعصوم وعدم انتقالها إلى الفقيه وإن صار حاكما بالمعنى السياسي لأن الطاعة حينئذ لا تكون لشخصه وإنما تكون طاعة الانظمة العامة والقوانين التي يتساوى فيها الحاكم والمحكوم وليست ولاية على النفس والأموال والآراء والافكار والمعتقدات فليس للحاكم أن يختزل آراء الناس برأيه وسلطته وإن كان معصوما كما كان يقول الإمام علي (ع) للذين ولّي عليهم: (فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ... فإن من استثقل الحق أن يقال له والعدل أن يعرض عليه كان العمل بهما عليه أثقل).
هذا إذا كان الحاكم معصوما! فكيف إذا لم يكن الحاكم معصوما فإن حق المعارضة والاختلاف يكون ثابتا بطريق أولى! لأن موقعه كحاكم سياسي لا يمنحه حق الطاعة الالهية خصوصا في عالم السياسة والادارة إذ لا يختلف اختصاص الفقهاء فيها عن اختصاص غيرهم من السياسيين حتى ينحصر الرجوع اليهم فيها كما هو الحال في الاحكام الشرعية التي يكون استنباطها من اختصاص الفقهاء وحدهم فينحصر التعرف عليها بمرجعيتهم الدينية ولذلك لم يعتبر الإمام علي انحصار الحاكمية السياسية بالإمام أو الفقيه كما جاء في رده على الخوارج قائلا: (وإنه لابد للناس من أمير برأو فاجر يعمل في أمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتأمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح برّ ويستراح من فاجر)، فهو لم يذكر الموقع الديني للحاكم السياسي وإنما ذكر الوظيفة المنوطة به في ادارة شئون البلاد والدفاع عنها والمحافظة على حقوق الناس وأمنهم.
وقد ذكر في مجال آخر جملة من الاوصاف التي يجب أن تتوافر في الوالي الحاكم ليس لها علاقة بالرتبة الدينية التي يحملها إذ قال: (وقد علمتم إنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والاحكام وإمامة المسلمين البخيل فتكون في اموالهم نهمته ولا الجاهل فيضلهم بجهله ولا الجافي فيقطعهم بجفائه ولا الحائف للدول فيتخذ قوما من دون قوم ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها من دون المقاطع ولا المعطل للسنة فيهلك الأمة).
والمراد من السنة هي طريقة الحكم التي كشفت التجارب صلاحها وانتفاع الناس بها كما جاء في قوله الآخر لمالك الأشتر عندما ولاه على مصر: (ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الامة واجتمعت بها الالفة وصلحت عليها الرعية...).
ومن خلال الاشكاليات الواردة والمناقشات المتقدمة يظهر منشأ القول في عدم انتقال ولاية الانبياء والاوصياء إلى الفقهاء ويظهر أيضًا عدم انحصار الولاية السياسية بهم فضلا عن الفقهاء الذين يعتبر شأنهم في عالم السياسة شأن كل الناس الذين يتصدون للقيام بهذه المهمة مع وجود تلك الاوصاف العامة حفظا للبلاد وصونا لحقوق العباد وفي طليعتها حرية الاعتقاد والآراء والافكار كما ظهر ذلك من الآيات والروايات والكلمات التي نقلناها عن بعض العلماء.
ولا تعني ولاية الفقهاء على تقدير التوسع فيها لتشمل عالم السياسة انحصار الولاية السياسية فيهم كما يريد أصحاب هذا الرأي وحملة هذا الشعار فإن ذلك قول بلا مستند ورأي بلا دليل. وإن كان من شيء يسمى دليلا فليس سوى الرغبة في تحويل هذه المسألة الفقهية إلى دعوة سياسية للشخص والنظام.
والشاهد على ذلك أن هذه الولاية حتى عند القائلين بها لم تثبت لاشخاص محدّدين وإنما هي جاءت بعنوان عام شامل لكل الفقهاء والمجتهدين فيكون تخصيص فقيه وأحد بالولاية من دون غيره من الفقهاء ترجيحا بلا مرجع لأن العنوان العام الوارد في الروايات والأحاديث التي استندوا إليها يستدعي إيجاد آلية تجمع كل الفقهاء من مختلف البلدان وإشراكهم في السلطة السياسية من دون النظر إلى جنسياتهم وانتماءاتهم وهذا ما يرفضه أصحاب هذه النظرية لاعتبارات كثيرة لا تقوم على الأسس الفقهية التي قامت عليها النظرية نفسها. - ثم وماذا عن الفقهاء القائلين بعدم ثبوت ولاية الفقيه؟ فهل تعطيهم هذه النظرية ولاية لا يؤمنون بها لأنفسهم؟! وإن سلبت عنهم هذه الولاية فهل تبقى لهم من فقاهة بعدها؟! وقد رأينا ما أصاب بعض الفقهاء المنكرين لولاية الفقيه من تشهير وإبعاد ومقاطعة وإقعاد!
[1] صحيفة عكاظ، العدد 16301