يمثّل افتراق الشيعة بعد وفاة موسى بن جعفر الكاظم واحدة من أخطر المحطات في تاريخ المذهب الإمامي، إذ ظهر فيها بوضوح أن دعوى “النص الإلهي” على الأئمة لم تكن حقيقة ثابتة، بل فكرة متناقضة تتبدل بتبدل الظروف السياسية والاجتماعية. فلو كان الكاظم منصوصًا عليه نصًا جليًا، ولو كان الإمام الذي بعده محددًا بإرادة إلهية لا لبس فيها، لما افترق أتباعه إلى هذا العدد الكبير من الفرق المتضادة، كل فرقة تنقض الأخرى في أصل الإمامة وحقيقتها.

لقد كشفت هذه المرحلة عن حجم التخبط الذي عاشته الشيعة بعد موت الكاظم، حيث تفرّقوا بين من قطع بموته ونصّب الرضا إمامًا، وبين من أنكر موته وجعله القائم المهدي، وبين من تردد فلم يجزم بحياته ولا موته، وبين من ادعى الوصية لأبنائه الآخرين، بل وبين من جعل الإمامة تنتقل بالنيابة والوكالة لا بالنص. وهذا الاضطراب لم يكن فرعيًا أو ثانويًا، بل مسّ أصل الدين عندهم، وهو ركن الإمامة الذي يجعلونه أعظم من أركان الإسلام.

ويهدف هذا المقال إلى بيان حقيقة افتراق الشيعة بعد وفاة الكاظم، وفضح التناقض الصريح بين دعوى النص والعصمة من جهة، وبين هذا الكم الهائل من الفرق والروايات المتعارضة من جهة أخرى، لإظهار أن المذهب الإمامي لم يقم على وحي محفوظ، بل على روايات موضوعة صيغت لاحقًا لتبرير الواقع بعد وقوعه.

موقف الشيعة بعد وفاة الكاظم، فقد ذكر القوم أن الشيعة افترقت بعد وفاته إلى عدة فرق:

فرقة منهم قالوا بوفاته في حبس السندي بن شاهك، وأن يحيى بن خالد البرمكي سمَّهُ في رطب وعنب بعثهما إليه، وأن الإمام بعده هو علي الرضا.

وهذه الفرقة سميت بالقطعية؛ لأنها قطعت على وفاته وعلى إمامة الرضا.

وفرقة قالت: إن الكاظم لم يمت وإنه حي ولا يموت حتى يملك شرق الأرض وغربها، ويملأها كلها عدلاً كما ملئت جوراً، وإنه القائم المهدي، وزعموا أنه خرج من الحبس ولم يره أحد نهاراً ولم يعلموا به، وأن السلطان وأصحابه ادعوا موته وموهوا على الناس وكذبوا، وأنه غاب عن الناس واختفى، ورووا في ذلك روايات عن أبيه الصادق أنه قال: هو القائم المهدي، فإن هدهد رأسه عليكم من جبل فلا تصدقوا، فإنه القائم.

وقال بعضهم: إنه القائم، وقد مات، ولا تكون الإمامة لغيره حتى يرجع، وزعموا أنه قد رجع بعد موته، إلا أنه مختفٍ في موضع من المواضع حيٌ يأمر وينهى، وأن أصحابه يلقونه ويرونه، واعتلوا في ذلك بروايات عن أبيه أنه قال: سمي القائم قائماً؛ لأنه يقوم بعدما يموت.

وقال بعضهم: إنه قد مات، وإنه القائم، وإن فيه شبهاً من نبي الله عيسى بن مريم عليه السلام، وإنه لم يرجع ولكنه يرجع في وقت قيامه فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وإن الله قال: إن فيه شبهاً من عيسى بن مريم، وإنه يقتل على يدي ولد العباس، فقد قتل، وأنكر بعضهم قتله، وقالوا: مات ورفعه الله إليه، وإنه يرده عند قيامه، فسموا هؤلاء جميعاً الواقفة؛ لوقوفهم على موسى بن جعفر أنه القائم، ولم يَأتَمُّوا بعده بإمام، ولم يتجاوزوه إلى غيره، وقد قال بعضهم ممن ذكر أنه حي: إن الرضا ومن قام بعده ليسوا بأئمة ولكنهم خلفاء، واحداً بعد واحد إلى أوان خروجه.

وفرقة قالت: لا ندري أهو حي أم ميت، لأنا قد روينا أخباراً كثيرة تدل على أنه القائم المهديَ، فلا يجوز تكذيبها، وقد ورد علينا من خبر وفاة أبيه وجده والماضين من آبائه في معنى صحة الخبر، فهذا أيضاً مما لا يجوز رده وإنكاره لوضوحه وشهرته وتواتره من حيث لا يكذب مثله ولا يجوز التواطؤ عليه، والموت حق، والله عز وجل يفعل ما يشاء، فوقفنا عند ذلك على إطلاق موته وعلى الإقرار بحياته، وقالوا: ونحن مقيمون على إمامته لا نتجاوزها حتى يصح لنا أمره وأمر هذا الذي نصب نفسه مكانه وادعى الإمامة -يعنون علي بن موسى الرضا- فإن صحت لنا إمامته كإمامة أبيه من قبله بالدلالات والعلامات الموجبة للإمامة بالإقرار منه على نفسه بإمامته وموت أبيه لا بأخبار أصحابه سلمنا له ذلك وصدقناه.

وفرقة قالت: إن موسى بن جعفر لم يمت ولم يحبس، وإنه حي غائب، وإنه المهدي، وإنه في وقت غيبته استخلف على الأمر محمد بن بشير وجعله وصيه وأعطاه خاتمه وعلمه جميع ما تحتاج إليه رعيته، ولما توفي أوصى إلى ابنه سميع بن محمد بن بشير، ومن أوصى إليه سميع فهو الإمام المفترض الطاعة، وهكذا.. إلى وقت خروج الكاظم[1].

وفرقة قالت بإمامة أحمد بن موسى الكاظم، وأن الكاظم أوصى إليه وإلى الرضا وأجازوها في أخوين، وجعله أبوه الوصي بعد علي بن موسى[2].

وكذا إبراهيم بن الكاظم الذي خرج باليمن ودعا الناس إلى بيعة محمد بن إبراهيم طباطبا، ثم دعا الناس إلى بيعة نفسه[3].

وإبراهيم هذا من الذين أنكروا موت أبيه، حيث يروي القوم عن بكر بن صالح قال: قلت لإبراهيم بن أبي الحسن موسى بن جعفر: ما قولك في أبيك؟ قال: هو حي، قلت: فما قولك في أخيك أبي الحسن؟ قال: ثقة صدوق، قلت: فإنه يقول: إن أباك قد مضى؟ قال: هو أعلم وما يقول، فأعدت عليه فأعاد علي، قلت: فأوصى أبوك؟ قال: نعم، قلت: إلى من أوصى؟ قال: إلى خمسة منا وجعل علياً علينا[4].

أما هذه الوصية التي أشار إليها فقد رواها القوم عن يزيد بن سليط الزيدي، أنه قال: لقيت موسى بن جعفر، فقلت: أخبرني عن الإمام بعدك بمثل ما أخبر به أبوك، قال: فقال: كان أبي في زمن ليس هذا مثله.

قال يزيد: فقلت: من يرضى منك بهذا فعليه لعنة الله، قال: فضحك، ثم قال: أخبرك يا أبا عمارة أني خرجت من منزلي فأوصيت في الظاهر إلى ابني، وأشركتهم مع علي ابني، وأفردته بوصيتي في الباطن، ولو كان الأمر إليّ لجعلته في القاسم ابني لحبي إياه ورأفتي عليه، ولكن ذلك إلى الله عز وجل يجعله حيث يشاء، وقد جاءني بخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدي علي حيث قال لي: الأمر قد خرج منك إلى غيرك، فقلت: يا رسول الله، أرنيه أيهم هو؟ فقال رسول الله: ما رأيت من الأئمة أحداً أجزع على فراق هذا الأمر منك، ولو كانت الإمامة بالمحبة لكان إسماعيل أحب إلى أبيك منك، ولكن من الله[5].

فأين القول بالنص مع كل هذا التمويه؟

 ولعل أمثال هذه الوصايا هي التي جرأت أبناء الأئمة للخروج وادعاء الإمامة كما مرَّ بك، وكما هو شأن صاحبينا إبراهيم وأخيه زيد ابني موسى الذي خرج بالبصرة ودعا إلى نفسه، وحرق دوراً وأعبث، ثم ظُفِرَ به وحُمِلَ إلى المأمون، وقد ذكرنا نبذة من ذلك عند كلامنا عن زيد بن علي.

 

[1] انظر تفصيل ذلك في: فرق الشيعة: (79-85)، الفصول المختارة: (254) وما بعدها.

[2] فرق الشيعة: (85، 87)، البحار: (48/279) (الحاشية) (308).

[3] البحار: (48/307).

[4] عيون أخبار الرضا: (1/46)، البحار: (48/282) (49/22)، إثبات الهداة: (3/239).

[5] عيون أخبار الرضا: (1/34)، الكافي: (1/313)، إعلام الورى: (306)، البحار: (49/11) (48/310)، إثبات الهداة: (3/230).