الإمام زين العابدين وأصحابه: سرية النص وانقسام الشيعة بعد الكربلاء
يمثل الإمام الرابع علي بن الحسين زين العابدين رضي الله عنه مرحلة مفصلية في تاريخ الإمامة الشيعية، إذ بعد فاجعة كربلاء أصبح وضوح الإمامة والنص على الخلفاء من بعده قضية معقدة ومثيرة للجدل. تكشف الروايات عن تداخل السرية والكتمان مع دعوى النص الإلهي على الإمامة، حيث يظهر جليًا أن معرفة الإمام المفروض على طاعته كانت غائبة عن كثير من أصحابه، رغم قربهم الشديد منه وخدمتهم لأهل البيت سنوات طويلة.
يبيّن هذا المقال، اعتمادًا على نصوص شيعية صريحة، كيف اختلطت الأمور على أصحابه بين معرفة الإمام، وواجب الطاعة، وبين الوصايا الظاهرة والباطنة، ويظهر التناقض في كيفية التعامل مع النص الإلهي المزعوم، وكيف أن الخلاف بين الصحابة وأهل البيت أحيانًا سببه الغموض والسرية، وليس مجرد خلاف عقائدي. كما يسلط الضوء على مسألة الإمامة بعد زين العابدين، والادعاءات المختلفة من قبل أصحابه حول النص على الخلفاء، فيكشف عن مدى التشتت الذي سبق ولادة ما يعرف لاحقًا بالإمامية الاثني عشرية.
نبدأ حديثنا عن الإمام الرابع زين العابدين علي بن الحسين رحمه الله، وأصحابه وأهل بيته، وموقف هؤلاء من الإمامة والنص، بسرد هذه الرواية التي تعيد إلى أذهاننا مسألة السرية والكتمان في مسألة جاهلها لا يعذر، وأعمال منكرها لا تقبل، ولكن كما عودناكم سنقتصر على النصوص دون اللجوء إلى التفسيرات والتعليلات، حيث إن هذه النصوص في ذاتها تغني عن ذلك.
نشرع في المقصود فنقول:
روى القوم عن أحمد بن إبراهيم، قال: دخلت على حكيمة بنت محمد بن علي الرضا أخت أبي الحسن صاحب العسكر، فقلت: إلى من تفزع الشيعة؟ فقالت: إلى الجدة أم أبي محمد، فقلت: أقتدي بمن وصيته إلى امرأة؟ فقالت: اقتدِ بالحسين بن علي، والحسين بن علي أوصى إلى أخته زينب بنت علي في الظاهر، وكان ما يخرج عن علي بن الحسين من علم ينسب إلى زينب ستراً على علي بن الحسين.
وفي رواية عن الباقر:
إن الحسين لما حضره الذي حضره دعا ابنته فاطمة الكبرى، فدفع إليها كتاباً ملفوفاً ووصية ظاهرة، وكان علي بن الحسين مريضاً لا يرون أنه يبقى بعده، فلما قتل الحسين ورجع أهل بيته إلى المدينة، دفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين، ثم صار ذلك الكتاب والله إلينا[1].
أقول: إذاً أين تلك النصوص كلها التي تقول: إن الإمامة بعد الحسين تكون في زين العابدين، وتلك القائلة: إن معرفة ذلك ركن من أركان الدين ولا يتم إيمان المؤمن إلا بها؟ وأين هو محل هذه الوصية -ظاهرة كانت أم باطنة- من أمر قد عُلِمَ مسبقاً فيمن تكون؟ ولِم لَمْ ينكر أحد من الشيعة جعل الوصاية إلى امرأة، حتى لو كانت زينب رضي الله عنها، أم فاطمة الكبرى على الخلاف الذي مرَّ بك في الروايتين، وهم يعلمون سلفاً بأن الأئمة مسمَّون بأسمائهم، وبوصية نزلت من السماء، وعهدٍ من رسول الله رجل فرجل مسمَّى حتى تنتهي إلى صاحبها، وليس للإمام أن يزويها عمن يكون من بعده، كما مرَّ بك؟
وعلى ذكر ما جاء في الرواية بأنهم لا يرون أن زين العابدين يبقى بعده، فقد كان للحسين موقف شبيه بموقف جده من وصييه، وأبيه منه ومن أخيه صلوات الله عليهم أجمعين، هذا الموقف هو افتراض موت اللاحق قبل السابق.
ففي فاجعة كربلاء خرج زين العابدين وكان مريضاً لا يقدر أن يقل سيفه وأم كلثوم تنادي خلفه: يا بني، ارجع، فقال: يا عمتاه، ذريني أقاتل بين يدي ابن رسول الله، فقال الحسين رضي الله عنه: يا أم كلثوم، خذيه لئلا تبقى الأرض خالية من نسل آل رسول الله صلى الله عليه وسلم[2].
فهل غاب عنه رضي الله عنه أن زين العابدين سيكون الإمام من بعده نصاً من الله ورسوله، وأن الأرض لا تخلو من حجة من آل الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا لساخت.
والغريب أن زين العابدين كان جاهلاً بكل أحداث كربلاء، حتى بينت له ذلك زينب بنت علي رضي الله عنها، وعزَّته وسلَّته وبشرته بدرجات الشهداء[3].
وعلى أي حال، نشرع في بيان موقف الأصحاب من الإمامة والنص، فنقول: روى القوم عن الباقر أنه قال: كان أبو خالد الكابلي يخدم محمد بن الحنفية دهراً، وما كان يشك في أنه إمام حتى أتاه ذات يوم، فقال لـه: جعلت فداك، إن لي حرمة ومودة وانقطاعاً، فأسألك بحرمة رسول الله وأمير المؤمنين إلا أخبرتني، أأنت الإمام الذي فرض الله طاعته على الخلق؟
وفي موضع آخر: قال لعلي بن الحسين: الحمد لله الذي لم يمتني حتى عرفت إمامي، فقال له علي بن الحسين: وكيف عرفت إمامك يا أبا خالد؟ قال: إنك دعوتني باسمي الذي سمتني أمي التي ولدتني، وقد كنت في عمياء من أمري، ولقد خدمت محمد بن الحنفية دهراً من عمري، ولا أشك إلا وأنه إمام[4].
فاسأل نفسك: كيف خفي على رجل كهذا، وهو من الثلاثة الذين لم يرتدوا بعد قتل الحسين رضي الله عنه -بزعم القوم[5]- كيف خفي عليه أمر الإمام وهو يعرف أنه لابد من إمام مفروض الطاعة على الخلق، وكان لصيقاً بأهل البيت ومن شيعتهم؟
على أي حال، سنوقفك قريباً على علة جهله بهذا الأمر رغم خدمته دهراً من عمره لابن الحنفية، وهو عم زين العابدين، ولا شك أنه يعرف أن إيمان العبد ومدار قبول أعماله متوقف على القول بإمامة أبيه أمير المؤمنين رضي الله عنه، وأخويه: الحسن والحسين، وابن أخيه، وبقية الأئمة، وهو يعرف أن خادمه هذا ضال بجهله بالإمام، بل وكافر لتوليه إماماً ليس من الله، أي: ابن الحنفية.
ثم ها هو -أي: الكابلي- ينتقل إلى خدمة إمامه بعد أن عرفه وأنقذ نفسه من النار، وضمن قبول أعماله وطاعاته، نراه يلاحقه بتلك الأسئلة، فيقول: دخلت على سيدي علي بن الحسين زين العابدين، فقلت له: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخبرني بالذين فرض الله طاعتهم ومودتهم، وأوجب على خلقه الاقتداء بهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إلى تمام الرواية، وفيها ذكر زين العابدين للأئمة[6].
ويبدو الأمر طبيعياً حيث سؤاله، ولكن يبدو أنه نسي كل ذلك، فتراه يسأل زين العابدين: من الحجة والإمام بعدك؟ فقال: ابني محمد[7].
ولا أدري إن كان قد اقتنع بكل ما مر أو أنه نسي مرة أخرى، وذهب إلى إمامه وهو في محرابه، وانتظره حتى فرغ من صلاته ليكرر عليه السؤال، حيث يقول: دخلت على علي بن الحسين وهو جالس في محرابه، فجلست حتى انثنى وأقبل عليَّ بوجهه يمسح يده على لحيته، فقلت: يا مولاي، أخبرني كم يكون الأئمة بعدك؟ قال: ثمانية، قلت: وكيف ذاك؟ قال: لأن الأئمة بعد رسول الله اثنا عشر إماماً عدد الأسباط[8]. ولا أدري كيف صبر عليه الإمام إلى هذا الحد.
وآخر هو عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، قال:
كنت عند الحسين بن علي، إذ دخل علي بن الحسين الأصغر، فدعاه الحسين وضمه إليه ضماً، وقبَّل ما بين عينيه، ثم قال: بأبي أنت ما أطيب ريحك وأحسن خلقك!
فتداخلني من ذلك، فقلت:
بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله، إن كان ما نعوذ بالله أن نراه فيك فإلى من؟ قال: علي ابني، هذا هو الإمام أبو الأئمة، قلت: يا مولاي، هو صغير السن؟ قال: نعم، إن ابنه محمداً يؤتم به وهو ابن تسع سنين[9].
وفي الرواية إشكال آخر، وهو كون الإمام هو علي الأصغر، إذ المعروف أنه استشهد مع أبيه الحسين في كربلاء، وهكذا شأن الكثير من أصحابه، ولا بأس من ذكر أمثلة أخرى.
عن زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنه قال:
بينا أبي مع بعض أصحابه إذ قام إليه رجل، فقال: يا ابن رسول الله، هل عهد إليكم نبيكم كم يكون بعده أئمة؟[10]
ولا يفوتك أن تتأمل في قولـه: مع بعض أصحابه!
وعن أخيه الحسين بن علي بن الحسين رضي الله عنه:
سأل رجل أبي عن الأئمة؟ فقال: اثنا عشر، سبعة من صلب هذا، ووضع يده على كتف أخي محمد[11].
ومنهم من ظن أن أباه هو المهدي، فعن عيسى الخشاب قال: قلت للحسين بن علي: أنت صاحب هذا الأمر؟ قال: لا[12].
[1] كمال الدين: (275)، البحار: (36/20)(40/19)(51/363)، إثبات الهداة:(3/506)، غيبة الطوسي:(138)، إعلام الورى:(252)، المناقب:(4/172)، الكافي:(1/303)، البحار:(46/18) = = إثبات الهداة: (3/1)، البصائر: (168، 148، 163)، الإمامة والتبصرة: (197)، وانظر أيضاً: إثبات الهداة: (3/35).
[2] مقاتل الطالبيين: (64)، البحار: (45/46).
[3] كامل الزيارات: (257)، البحار: (45/179)، وقد اضطرب القوم في رد هذه الرواية، انظر: البحار:(45/179) (183) (الحاشية).
[4] رجال الكشي: (111)، البحار: (42/94) (45/348) (46/45)، معجم الخوئي: (14/131) (16/50)، إثبات الهداة: (3/23).
[5] معجم الخوئي: (14/133) (46/144) (20/34)، البحار:(74/220)، رجال الكشي:(113)، الاختصاص: (64).
[6] الاحتجاج:(173)، البحار: (36/386)، كمال الدين: (299)، إثبات الهداة: (1/515).
[7] الاحتجاج: (173)، الخرائج والجرائح: (195)، البحار: (46/230) (50/227).
[8] كفاية الأثر: (31)، البحار: (36/388)، إثبات الهداة: (1/600)، منتخب الأثر: (38).
[9] كفاية الأثر: (318)، البحار: (46/19)، إثبات الهداة: (3/3).
[10] كفاية الأثر: (30)، البحار: (36/389)، إثبات الهداة: (1/600).
[11] كفاية الأثر: (31)، البحار: (36/389).
[12] كمال الدين: (298)، البحار: (51/134)، إثبات الهداة: (3/466).