إسماعيل بن الصادق: بين الوصية والنص المتضارب في الإمامة الشيعية
تمثل قضية إسماعيل بن جعفر الصادق مثالًا صارخًا على الاضطراب والتناقض في الروايات الشيعية المتعلقة بالنص على الإمامة. إذ تزعم هذه الروايات أن الصادق كان يحب ابنه إسماعيل ويجله، ويستمر في الدعاء إلى الله بأن تكون الإمامة فيه، بينما يُظهر النص نفسه تفضيل موسى بن جعفر كخليفة شرعي. وتكشف هذه النصوص عن مدى التشويش الذي وقع فيه أصحاب الصادق بسبب تضارب الروايات حول إمامة إسماعيل، وما إذا كان حيًا أو ميتًا، وما إذا كانت الإمامة له أو انتقلت إلى أخيه موسى.
يعرض المقال هذه الروايات المتناقضة ويبين كيف استغل الشيعة هذا الالتباس لتوليد مذاهب فرعية، كالإسماعيلية، الذين اعتقدوا بإمامة إسماعيل، وكيف اضطر الصادق إلى إقناع أصحابه بموته لتصحيح مسار الإمامة. كما يكشف المقال عن أسلوب الخيال والتزييف الذي ظهر في بعض الروايات، مثل تمثل الشيطان في صورة إسماعيل لإيهام الناس بأنه حي، وكلها دلائل على هشاشة مزاعم النص الشيعي على الإمامة.
أما ابنه الآخر وهو إسماعيل فقضيته أطم وبليته أعم، ولعلَّ أغرب ما في قصة إسماعيل هذا، أن أباه الصادق كان يجله ويقدمه أكثر من غيره من إخوته، بل وتذكر لنا روايات القوم أنه استمات في الدعاء إلى الله عز وجل لأجل أن تكون الإمامة فيه، وهو اضطراب كبير، وتشويش خطير، لا أظن أن أحداً ممن يدعي النص يستطيع أن يوجهه، ولا بأس من ذكر مثال على ذلك.
يروي القوم أن الصادق قال: إني ناجيت الله ونازلته في إسماعيل ابني أن يكون من بعدي، فأبى ربي إلا أن يكون موسى ابني[1].
وفي رواية قال: سألته وطلبت وقضيت إليه أن يجعل هذا الأمر إلى إسماعيل، فأبى الله إلا أن يجعله لأبي الحسن موسى[2].
وسيأتيك مثال آخر قريباً، بل يبدو أن الأمر كان له من بعده فعلاً، لولا أنه توفي في عهد أبيه.
يروي القوم عن الصادق قولـه: ما بدا لله بداء أعظم من بداء بدا له في إسماعيل ابني[3].
وهذه النصوص من أعظم الدلائل التي يحتج بها الإسماعيلية، وهم يعدون بالملايين، ومنتشرون في أنحاء العالم، وقد أدت هذه التلبيسات إلى اعتقاد الكثير من أصحاب الصادق الإمامة فيه، وأن أباه قد أوصى إليه، كما ذكر ذلك الوليد بن صبيح، حيث قال: كان بيني وبين رجل يقال له: عبد الجليل صداقة في قدم، فقال لي: إن أبا عبدالله أوصى إلى إسماعيل في حياته قبل موته بثلاث سنين[4].
وعن مسمع كردين قال:
دخلت على أبي عبدالله وعنده إسماعيل، قال: ونحن إذ ذاك نأتم به بعد أبيه... الرواية[5].
وعن الفيض بن المختار قال:
قلت لأبي عبدالله: جعلت فداك، ما تقول في الأرض أتقبلها من السلطان ثم أؤجرها من الغير، على أن ما أخرج الله فيها من شيء كان لي من ذلك النصف أو الثلث أو أقل من ذلك أو أكثر، هل يصلح ذلك؟ قال: لا بأس به، فقال إسماعيل ابنه: يا أبتاه، لم تحفظ، قال: أو ليس كذلك أعامل أكرتي يا بني؟ أليس من أجل ذلك كثيراً ما أقول لك: الزمني فلا تفعل؟ فقام إسماعيل فخرج، فقلت: جعلت فداك، فما على إسماعيل ألاَّ يلزمك إذا كنت متى مضيت أفضت الأشياء إليه من بعدك كما أفضت الأشياء إليك من بعد أبيك؟ فقال: يا فيض، إن إسماعيل ليس مني كما أنا من أبي، قلت: جعلت فداك، فقد كان لا شك في أن الرحال تحط إليه من بعدك، فإن كان ما نخاف -ونسأل الله من ذلك العافية- فإلى من؟ وأمسك عني، فقبلت ركبتيه، وقلت: ارحم شيبتي فإنما هي النار، إني والله لو طمعت أن أموت قبلك ما باليت، ولكني أخاف أن أبقى بعدك، فذكر أبو عبدالله علامات الإمام الذي بعده والفيض يقول: زدني زدني.. إلى أن قال له: إن موسى هو الإمام، فقم فأقر له بحقه، قال: فقمت حتى قبَّلت يده ورأسه، ودعوت الله له، فقال أبو عبدالله: أما إنه لم يؤذن لي في المرة الأولى منك، فقلت: جعلت فداك، أخبر به عنك؟ قال: نعم، أهلك وولدك ورفقاءك، وكان معي أهلي وولدي، وكان معي يونس بن ظبيان من رفقائي، فلما أخبرتهم حمدوا الله على ذلك، وقال يونس: لا والله حتى أسمع ذلك منه -وكانت فيه عجلة- فخرج فاتبعته، فلما انتهيت إلى الباب سمعت أبا عبدالله يقول له -وقد سبقني يونس-: الأمر كما قال لك فيضٌ، اسكت واقبل، فقال: سمعت وأطعت[6].
ويبدو أن هذه الاستزادة والبيان لم تقنعه، فلا زال يلاحق أبا عبدالله بأسئلته: خذ بيدي من النار، من لنا بعدك؟ قال: فدخل أبو إبراهيم وهو يومئذٍ غلام، فقال: هذا صاحبك فتمسك به[7].
وعن إسحاق بن عمار قال:
وصف إسماعيل أخي لأبي عبدالله دينه واعتقاده، فقال: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأنكم.. ووصفهم -يعني: الأئمة- واحداً واحداً حتى انتهى إلى أبي عبدالله، قال: وإسماعيل من بعدك؟ قال: أما إسماعيل فلا[8].
وكما تلاحظ فالروايات مضطربة في شأن منزلة إسماعيل، فمن مُعظمة له كما رأيت، إلى ذامة له كما مرَّ بك بعض منها، وإليك المزيد.
فعن الصادق أنه سئل عنه؟ فقال: إنه عاص لا يشبهني ولا يشبه أحداً من آبائي[9].
وكان لا يتورع عن التطاول على أبيه، ووصمه بعدم الفهم لأسئلة الناس، كرواية الفيض بن المختار أنه سأل الصادق: جعلت فداك، نتقبل من هؤلاء الضياع فنقبلها بأكثر مما نتقبلها؟
فقال: لا بأس به، فقال لـه إسماعيل ابنه:
لم تفهم يا أبت، فقال أبو عبدالله: أنا لم أفهم، أقول لك: الزمني فلا تفعل، فقام إسماعيل مغضباً[10]. وكان يخالف أوامر أبيه في كثير من المسائل[11].
رغم هذا وبعد أسطر من هذه الروايات تجد القوم يروون عن عمار بن حيان أنه قال: أخبرني أبو عبدالله ببر ابنه إسماعيل له، وقال: لقد كنت أحبه وقد ازداد إليَّ حباً[12].
وعلى أي حال، لا شأن لنا بكل هذا الاضطراب، فهي سمة روايات القوم، ونعود إلى ما كُنَّا فيه.
ولما توفي إسماعيل في حياة أبيه، وكان الأمر قد استفحل باعتقاد الكثير من أصحابه أن الإمامة فيه -وقد ذكرنا أمثلة قليلة على ذلك- اجتهد في إقناعهم والتأكيد عليهم بموته.
يقول القوم:
إن الصادق دعا داود بن كثير الرقي، وحمران بن أعين، وأبا بصير، ودخل المفضل بن عمر وأتى بجماعة، حتى صاروا ثلاثين رجلاً، فقال: يا داود، اكشف عن وجه إسماعيل، فكشف عن وجهه، فقال: تأمله يا داود فانظره أحي هو أم ميت؟
فقال: بل هو ميت، فجعل يعرضه على رجلٍ رجل حتى أتى على آخرهم، فقال: اللهم فاشهد، ثم أمر بغسله وتجهيزه، ثم قال: يا مفضل، احسر عن وجهه، فحسر عن وجهه، فقال: حي هو أم ميت؟ انظروه أجمعكم.
فقالوا: بل هو يا سيدنا ميت، فقال: شهدتم بذلك وتحققتموه؟
قالوا: نعم، وقد تعجبوا من فعله، فقال: اللهم اشهد عليهم، ثم حمل إلى قبره، فلما وضع في لحده قال: يا مفضل، اكشف عن وجهه، فكشف، فقال للجماعة: انظروا أحي هو أم ميت؟
فقالوا: بل ميت يا ولي الله، فقال: اللهم اشهد[13].
ولشدة ما كان من اعتقاد الأصحاب في إمامته وكون هذا الأمر مسلماً به بينهم، كان الشيعة الذين يخالفونهم في تسلسل الإمامة يعيرونهم بوفاته وتركهم بلا إمام، فهذا هارون بن خارجة قال: قال لي هارون بن سعد العجلي: قد مات إسماعيل الذي كنتم تمدون إليه أعناقكم، وجعفر شيخ كبير يموت غداً أو بعد غد، فتبقون بلا إمام، فلم أدرِ ما أقول[14].
ولم يقتصر استغلال موته على شياطين الإنس فحسب، بل يبدو أن ذلك قد طال شياطين الجن أيضاً.
زعم القوم أن الصادق قال:
إن شيطاناً قد ولع بابني إسماعيل يتصور في صورته ليفتن به الناس، وإنه لا يتصور في صورة نبي ولا وصي نبي، فمن قال لك من الناس: إن إسماعيل ابني حي لم يمت، فإنما ذلك الشيطان تمثل له في صورة إسماعيل، مازلت أبتهل إلى الله عز وجل في إسماعيل ابني أن يحييه لي ويكون القيم من بعدي فأبى ربي ذلك[15].
[1] كتاب زيد النرسي: (49)، البحار: (47/269)، إثبات الهداة: (3/170).
[2] البصائر: (472)، البحار: (23/72) (48/25)، إثبات الهداة: (3/165).
[3] كتاب زيد النرسي: (49)، البحار: (4/108، 122) (37/13) (47/269)(102/9)، إثبات الهداة: (3/170)، كمال الدين: (75).
[4] غيبة النعماني: (178)، البحار: (48/22).
[5] الاختصاص: (290)، البصائر: (97)، البحار: (47/82) (48/25)، إثبات الهداة: (3/165).
[6] غيبة النعماني: (224)، البصائر: (96)، رجال الكشي: (226)، إعلام الورى: (289)، البحار: (47/83، 259) (48/14، 26)، الكافي: (1/309)، إثبات الهداة: (3/157، 164، 168).
[7] الإرشاد: (308)، إعلام الورى: (288)، البحار: (48/18)، الكافي: (1/307)، إثبات الهداة: (3/156).
[8] غيبة النعماني: (224)، البحار: (47/261).
[9] كمال الدين: (76)، البحار: (47/247).
[10] غيبة الطوسي: (33)، البحار: (47/259)، 48/26.
[11] انظر مثلاً: الكافي: (5/299)، البحار: (47/267).
[12] البحار: (47/268) (74/81).
[13] المناقب: (1/266)، غيبة النعماني: (227)، البحار:(47/242، 254)(48/21، 295)، وانظر أيضاً: الإرشاد: (304)، فرق الشيعة: (67) (الحاشية).
[14] غيبة الطوسي:(28)، معجم الخوئي:(19/227)، البحار:(49/26)، إثبات الهداة:(3/162،240).
[15] أصل زيد النرسي: (49) من الأصول الستة عشر، البحار: (47/269)، إثبات الهداة: (3/170)، كمال الدين: (76)، المناقب: (1/266).