الزهراء والنص
يمثل موقف السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها محورًا بالغ الأهمية في دراسة نصوص الإمامة عند الشيعة، إذ تزعم هذه الروايات أن معرفتها بنص النبي صلى الله عليه وسلم على زوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كانت سببًا لسعادتها واستبشارها رغم ألم مرض النبي ووفاته الوشيكة. تكشف هذه الروايات عن التناقضات التي يعاني منها الموروث الشيعي، حيث يتم تضخيم أحداث الوصية على أئمة المستقبل وإضفاء صفة القدسية والسرية عليها، بينما النص القرآني والسنة النبوية الصحيحة يوضحان أن معرفة الوصي والمختار من قبل الله كانت معلومة للرسول وأهله منذ البداية، وليس سببًا لاستبشار بالغ كما تدعي بعض الروايات.
يستعرض هذا المقال روايات الشيعة التي تصف موقف الزهراء رضي الله عنها من وصية النبي، مع التركيز على التناقض بين الواقع وبين الادعاءات الشيعية حول النص على الإمامة، ويوضح كيف أن هذه الروايات تكشف عن نهج الفرقة في تضليل المسلمين وإيهامهم بوجود نصوص سرية وخفية لتثبيت الإمامة لأهل البيت دون دليل واضح، وهو ما يعكس هشاشة هذه الادعاءات.
ولم يكن شأن أمهما الزهراء رضي الله عنها أيضاً بأحسن حالاً منهما أو من بعلها وأبيها صلوات الله عليهم أجمعين، كما يتبين ذلك من روايات القوم، فموقفها من زوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكذا من الحسين رضي الله عنه لما علمت بمقتله غير خافٍ على ذي لب، وسوف نوقفك عليه في حينه، ولكن أورد هنا رواية تتصل بموضوعنا.
فقد ذكر القوم أنها بكت لما عادت أباها صلى الله عليه وسلم في مرض موته، حتى أرضاها بالبشرى بجعل بعلها وصياً له، فذكروا أنها أتته في مرضه تعوده، فلما رأت ما برسول الله من المرض والجهد استعبرت وبكت حتى سالت دموعها على خديها، فقال لها النبي: يا فاطمة، إني لكرامة الله إياك، زوّجتك أقدمهم سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً، إن الله تعالى اطلع إلى أهل الأرض اطلاعة فاختارني منها فبعثني نبياً، واطلع ثانية فاختار بعلك فجعله وصياً، فسرّت فاطمة رضي الله عنها واستبشرت[1].
فما الذي استوجب سرورها واستبشارها -وهي في هذا الموقف- سروراً طغى على ألم مصيبة فقدها أباها صلى الله عليه وسلم؟ هل أن أباها صلى الله عليه وسلم قد أتى بأمرٍ جديد كانت تجهله؟ أو أمر كانت تعلم أن مدار قبول الأعمال على الإيمان به، وأن الله قد افترضه قبل خلق الخلق بكذا وكذا سنة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال ينادي به منذ بدء الدعوة؟ ومن ثم لا نجد في ذكره أمراً ذا بالٍ يستوجب سرورها واستبشارها.
[1] أمالي الطوسي: (154، 618)، البحار: (22/497، 502) (37/41)، منتخب الأثر: (199)، تفسير فرات: (2/464)، وانظر رواية أخرى: كمال الدين: (250).