افتراق الشيعة بعد وفاة الصادق: تعدد الأئمة وانهيار دعوى النص والعصمة
يمثّل افتراق الشيعة بعد وفاة جعفر بن محمد الصادق أخطر المراحل في تاريخ المذهب الإمامي، إذ لم يكن الانقسام هذه المرة جزئيًا أو محدودًا، بل تحوّل إلى تشظٍّ واسع نتجت عنه فرق متباينة، لكل منها إمام مختلف، ودعوى متناقضة، وتأويل خاص للنص والعصمة والوصية. وقد كشفت هذه المرحلة، كما تقرّ بذلك كتب الشيعة أنفسهم، أن الإمامة لم تكن حقيقة مستقرة منصوصًا عليها نصًا قاطعًا كما يُدَّعى، وإنما كانت فكرة مضطربة تتشكل بعد وفاة كل إمام بحسب الظروف السياسية والمصالح الواقعية.
فلو كانت الإمامة نصًا إلهيًا معلومًا بالأسماء، كما تزعم الإمامية، لما احتاج جعفر الصادق إلى وصيةٍ ملتبسة تضم الخليفة العباسي نفسه، ولما جنّد المنصور الجواسيس لمعرفة الوصي، ولما بكى ثم هدّد بالقتل، ولما وقف أتباع الصادق حيارى في أزقة المدينة لا يدرون إلى من يتوجهون. إن هذه الوقائع، التي يرويها كبار رواة الشيعة، تفضح التناقض الجذري بين النظرية والواقع، وتكشف أن دعوى النص والعصمة لم تمنع الفتنة، بل كانت سببًا مباشرًا في تضاعفها.
ويأتي هذا المقال لعرض صورة دقيقة لافتراق الشيعة بعد الصادق، مبيّنًا كيف تفرّقوا إلى فرق شتى، كل فرقة تزعم امتلاك الحق، وتكفّر أو تخطّئ غيرها، في مشهد لا يمكن تفسيره إلا بسقوط فكرة الإمامة من أصلها.
عن أبي أيوب الخوزي قال:
بعث إليَّ أبو جعفر المنصور في جوف الليل، فدخلت عليه وهو جالس على كرسي، وبين يديه شمعة، وفي يده كتاب، فلما سلَّمت عليه رمى الكتاب إليَّ وهو يبكي، وقال: هذا كتاب محمد بن سليمان يخبرنا أن جعفر بن محمد قد مات، فإنا لله وإنا إليه راجعون -ثلاثاً- وأين مثل جعفر؟ ثم قال لي: اكتب، فكتبت صدر الكتاب، ثم قال: اكتب إن كان أوصى إلى رجلٍ بعينه فقدمه واضرب عنقه، قال: فرجع الجواب إليه أنه قد أوصى إلى خمسة: أبي جعفر المنصور، ومحمد بن سليمان، وعبدالله وموسى ابني جعفر، وحميدة، فقال المنصور: ليس إلى قتل هؤلاء سبيل[1].
وعن داود بن كثير الرقي قال:
أتى أعرابي إلى أبي حمزة الثمالي فسأله خبراً؟ فقال: توفي الصادق، فشهق شهقة وأغمي عليه، فلمَّا أفاق قال: هل أوصى إلى أحدٍ؟ قال: نعم، أوصى إلى ابنه عبدالله، وموسى، وأبي جعفر المنصور، فضحك أبو حمزة، وقال: الحمد لله الذي هدانا إلى الهدى، وبيَّن لنا الكبير، ودلنا على الصغير، وأخفى عن أمرٍ عظيم، فسئل عن قولـه فقال: بيَّن عيوب الكبير ودلَّ على الصغير لإضافته إياه، وكتم الوصية للمنصور؛ لأنه لو سأل المنصور عن الوصي لقيل: أنت[2].
وفي رواية هشام بن سالم التي مضت والتي قال فيها:
كنا بالمدينة بعد وفاة أبي عبدالله أنا ومحمد بن النعمان صاحب الطاق، والناس مجتمعون عند عبدالله بن جعفر أنه صاحب الأمر بعد أبيه، ذكر أنه بعد أن خرجا من عند عبدالله حائرين، فقعدا في بعض أزقة المدينة، قال: فنحن كذلك إذ رأيت رجلاً شيخاً لا أعرفه يومئ إليَّ بيده، فخفت أن يكون عيناً من عيون أبي جعفر المنصور؛ وذلك أنه كان له بالمدينة جواسيس على من تجتمع بعد جعفر الناس إليه فيؤخذ ويضرب عنقه[3].
فاسأل نفسك:
لِمَ كل هذا التمويه والتدليس ما دام الإمام معروفاً ومنصوصاً عليه؟ ألم يزعم القوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نصَّ على الأئمة من بعده بأسمائهم كما مرَّ بك في المقدمة؟ إذن فما الحاجة إلى هذه الوصية؟ وهل كان المنصور في حاجة إلى أن يعرف إلى من أوصى الصادق من بعده؟ وهل كان حاله إلا أحد أمرين: إما جهله بالنص وهذا يبرئه من مسئولية تولي أمر الأمة دون الإمام المنصوص، أو كان عالماً ومن ثمَّ لا أعرف للروايات توجيهاً.
والغريب قول القوم:
إن الحكام هم سبب خفاء النص على الأئمة عن الأمة[4]، بينما نرى أن حاكمنا هذا قد جنَّد الجند وأرسل الجواسيس فقط لمعرفة إلى من أوصى الصادق، وكذا لا أعرف ماذا كان للصادق رحمه الله من حول أو منصب حتى يوصي به إلى من يكون بعده، وكذا علة بكاء المنصور عليه وحماسه لقتل من أوصى إليه، وكذا شأن الصادق ووصيته، ولا أظن أنني بحاجة إلى الإسهاب في التعليق على كل هذا، فالقارئ الأريب لا شك أنه أدرك المقصود.
رجعنا إلى الكلام عن موقف الشيعة بعد الإمام الصادق، فقد ذكر القوم أنه لما توفي افترقت شيعته بعده عدة فرق:
ففرقة قالت: إن جعفر بن محمد حي لا يموت حتى يظهر ويلي أمر الناس، وإنه المهدي، وزعموا أنهم رووا عنه أنه قال: إن رأيتم رأسي قد أهوى عليكم من جبل فلا تصدقوه، فإني أنا صاحبكم، وإنه قال لهم: إن جاءكم من يخبركم عني أنه مرضني وغسلني وكفنني فلا تصدقوه، فإني صاحبكم صاحب السيف. وهذه الفرقة تسمى الناووسية.
وفرقة زعمت: أن الإمام بعد جعفر بن محمد ابنه إسماعيل بن جعفر، وأنكرت موت إسماعيل في حياة أبيه، وقالوا: كان ذلك على جهة التلبيس من أبيه؛ لأنه خاف فغيَّبه عنهم، وزعموا أن إسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض ويقوم بأمر الناس، وأنه هو القائم؛ لأن أباه أشار إليه بالإمامة بعده، وقلَّدهم ذلك له، وأخبرهم أنه صاحبهم، والإمام لايقول إلا الحق، فلما ظهر موته علمنا أنه صدق، وأنه القائم، وأنه لم يمت، وهذه الفرقة هي الإسماعيلية.
وفرقة زعمت: أن الإمام بعد الصادق محمد بن إسماعيل، وقالوا: إن الأمر كان لإسماعيل في حياة أبيه، فلما توفي قبل أبيه جعل الصادق الأمر لمحمد بن إسماعيل، وكان الحق له، ولا يجوز غير ذلك؛ لأنها لا تنتقل من أخٍ إلى أخ بعد الحسن والحسين، ولا تكون إلا في الأعقاب، ولم يكن لأخوي إسماعيل عبدالله وموسى في الإمامة حق، كما لم يكن لمحمد بن الحنفية حق مع علي بن الحسين، وهذه الفرقة تسمى المباركية.
وفرقة قالت: إن الإمام بعد الصادق محمد بن جعفر، وهي السمطية.
وفرقة قالت: إن الإمامة بعد جعفر في ابنه عبدالله بن جعفر الأفطح، وذلك أنه كان عند مضي الصادق أكبر ولده سناً، وجلس مجلس أبيه، وادعى الإمامة ووصية أبيه، وهذه الفرقة تسمى الفطحية.
وقد مال إلى هذه الفرقة جُلَّ مشايخ الشيعة وفقهائها، ولم يشكوا في كون الإمامة في عبدالله بن جعفر وفي ولده من بعده، فمات عبدالله ولم يخلف ذكراً، فرجع عامة الفطحية عن القول بإمامته.
وفرقة قالت: بإمامة موسى بن جعفر بعد أبيه، وأنكروا إمامة عبدالله وخطئُوه في فعله وجلوسه مجلس أبيه وادعائه الإمامة. وغيرها من الفرق، وقد انبثقت من هذه الفرق فرق أخرى يطول ذكرها[5].
[1] غيبة الطوسي: (119)، الكافي: (1/310)، إعلام الورى: (290)، المناقب: (3/434)، البحار: (47/3)، إثبات الهداة: (3/159)، مذهب أهل البيت: (54).
[2] المناقب: (3/434)، البحار: (47/4، 251)، إثبات الهداة: (3/166).
[3] الإرشاد: (310)، المناقب: (3/409)، البحار: (47/344).
[4] قال محقق البحار في معرض تعليقه على أسباب خفاء النص: وأهم الأسباب شدة إخفاء الخلفاء ومن بيدهم السلطة والقدرة على ذلك، وشدة النكير على من كان يظهره، وخوف الناقلين منهم، انظر: حاشية البحار: (10/409).
[5] انظر تفصيل ذلك إن شئت في: فرق الشيعة: (66-79)، الفصول المختارة: (247-253)، البحار: (47/258).