افتراق الشيعة بعد وفاة الباقر: البداء والتقية وصناعة الانقسام المبكر

يُعدّ افتراق الشيعة بعد وفاة محمد بن علي الباقر من أخطر المراحل التي كشفت الاضطراب الجذري في دعوى الإمامة، وأظهرت بوضوح أن هذا الأصل الذي يزعم الإمامية أنه ركن الدين الأعظم لم يكن يومًا مستقرًا ولا محفوظًا بنصٍ إلهي كما يدّعون. فلو كانت الإمامة حقًا منصوصًا عليها من عند الله، معصومة من الخطأ والاختلاف، لما تفرّق أتباع الإمام الواحد إلى فرق متناقضة، يتهم بعضها بعضًا بالكذب والضلال، ويكفّر بعضهم أئمة الأمس.

وتنقل لنا كتب الشيعة أنفسهم – وعلى رأسها كتاب فرق الشيعة للنوبختي – صورة صادمة عن حال أتباع الباقر بعد وفاته، حيث انقسموا بين من قال بالمهدي الغائب، ومن زعم بقاء من قُتل حيًا، ومن أنكر إمامة جعفر الصادق رأسًا، ومن تبنّى الغلو، ومن خرج إلى مقالات البترية والجارودية، بل ومن انتهى إلى تأليه الأشخاص أو ادعاء النبوة لهم.

ويكشف هذا المقال أن مفهومي البداء والتقية لم يكونا إلا أدوات أُدخلت لاحقًا لإنقاذ الإمامة من السقوط، وتبرير التناقض، وتغطية فشل الأئمة – بزعم القوم – في الإخبار بالغيب وضبط الأحكام الشرعية، حتى اعترف كبار علمائهم بأن أكثر الاختلاف في رواياتهم إنما نشأ من التقية، وأن كثيرًا من الشيعة تركوا المذهب بسبب هذا التخليط.

قبل أن أنتقل إلى الإمام التالي، أذكر هنا موقف الشيعة بعد الباقر.

كما ذكر ذلك القوم أنفسهم:

يقول النوبختي: فلما توفي أبو جعفر افترقت أصحابه فرقتين، فرقة منها قالت بإمامة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الخارج بالمدينة المقتول بها، وزعموا أنه القائم، وأنه الإمام المهدي، وأنه لم يقتل، وقالوا: إنه حي لم يمت، مقيم بجبل يقال له: العلمية، وهو الجبل الذي في طريق مكة ونجد الحاجز عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، وهو الجبل الكبير، وهو عنده مقيم فيه حتى يخرج، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: القائم المهدي اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، وكان أخوه إبراهيم بن عبدالله بن الحسن، خرج بالبصرة ودعا إلى إمامة أخيه محمد بن عبدالله، واشتدت شوكته، فبعث إليه المنصور بالخيل، فقُتل بعد حروب كانت بينهم، وكان المغيرة بن سعيد قال بهذا القول لما توفي أبو جعفر محمد بن علي وأظهر المقالة بذلك، فبرئت منه الشيعة أصحاب أبي عبدالله جعفر بن محمد عليهما السلام ورفضوه، فزعم أنهم رافضة، وأنه هو الذي سمَّاهم بهذا الاسم، ونصب بعض أصحاب المغيرة إماماً، وزعم أن الحسين بن علي أوصى إليه، ثم أوصى إليه علي بن الحسين، ثم زعم أن أبا جعفر محمد بن علي أوصى إليه، فهو الإمام إلى أن يخرج المهدي، وأنكروا إمامة أبي عبدالله جعفر بن محمد، وقالوا: لا إمامة في بني علي بن أبي طالب بعد أبي جعفر محمد بن علي، وأن الإمامة في المغيرة بن سعيد إلى خروج المهدي، وهو عندهم محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن وهو حي لم يمت ولم يقتل، فسموا هؤلاء المغيرية باسم المغيرة بن سعيد مولى خالد بن عبدالله القسري، ثم تراقى الأمر بالمغيرة إلى أن زعم أنه رسول نبي، وأن جبرئيل يأتيه بالوحي من عند الله، فأخذه خالد بن عبدالله القسري فسأله عن ذلك فأقر به ودعا خالداً إليه، فاستتابه خالد فأبى أن يرجع عن قولـه فقتله وصلبه، وكان يدَّعي أنه يحيي الموتى، وكان يقول بالتناسخ، وكذلك قول أصحابه إلى اليوم.

وأما الفرقة الأخرى من أصحاب أبي جعفر محمد بن علي فنزلت إلى القول بإمامة أبي عبدالله جعفر بن محمد، فلم تزل ثابتة على إمامته أيام حياته غير نفر يسير منهم، فإنهم لما أشار جعفر بن محمد إلى إمامة ابنه إسماعيل، ثم مات إسماعيل في حياة أبيه، رجعوا عن إمامة جعفر، وقالوا: كَذبنا ولم يكن إماماً؛ لأن الإمام لا يكذب ولا يقول ما لا يكون، وحكموا على جعفر أنه قال: إن الله عز وجل بدا له في إمامة إسماعيل، فأنكروا البداء والمشيئة من الله، وقالوا: هذا باطل لا يجوز، ومالوا إلى مقالة البترية ومقالة سليمان بن جرير، وهو الذي قال لأصحابه بهذا السبب: إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبداً.

وهما القول بالبداء، وإجازة التقية:

 فأما البداء:

 فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم فيما كان ويكون، والإخبار بما يكون في غد، وقالوا لشيعتهم: إنه سيكون في غد وفي غابر الأيام كذا وكذا، فإن جاء ذلك الشيء على ما قالوا، قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون فنحن نعلم من قبل الله عز وجل ما علمته الأنبياء، وبيننا وبين الله عز وجل مثل تلك الأسباب التي علمت بها الأنبياء عن الله ما علمت، وإن لم يكن ذلك الشيء الذي قالوا إنه يكون على ما قالوا، قالوا لشيعتهم: بدا لله في ذلك بكونه.

وأما التقية:

 فإنه لما كثرت على أئمتهم مسائل شيعتهم وحفظ عنهم شيعتهم جواب ما سألوهم وكتبوه ودونوه ولم يحفظ أئمتهم تلك الأجوبة لتقادم العهد وتفاوت الأوقات؛ لأن مسائلهم لم ترد في يوم واحد ولا في شهر واحد بل في سنين متباعدة، وأشهر متباينة، وأوقات متفرقة، فوقع في أيديهم في المسألة الواحدة عدة أجوبة مختلفة متضادة، وفي مسائل مختلفة أجوبة متفقة، فلما وقفوا على ذلك منهم ردوا إليهم هذا الاختلاف والتخليط في جواباتهم، وسألوهم عنه وأنكروه عليهم؛ فقالوا: من أين هذا الاختلاف، وكيف جاز ذلك؟ قالت أئمتهم: إنما أجبنا بهذا للتقية، ولنا أن نجيب بما أحببنا وكيف شئنا، لأن ذلك إلينا ونحن نعلم بما يصلحكم، وما فيه بقاؤنا وبقاؤكم، وكف عدوكم عنا وعنكم، فمتى يظهر من هؤلاء على كذب؟ ومتى يعرف لهم حق من باطل؟ فمال إلى سليمان بن جرير لهذا القول جماعة من أصحاب أبي جعفر، وتركوا القول بإمامة جعفر[1].

وذكر النوبختي قبل ذلك:

 أن من نزلوا على القول بإمامة أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين باقر العلم أقاموا على إمامته إلى أن توفي، غيرَ نفرٍ يسير منهم، فإنهم سمعوا رجلاً منهم يقال له: عمر بن رياح، زعم أنه سأل أبا جعفر عن مسألة فأجابه فيها بجواب، ثم عاد إليه في عام آخر فسأله عن تلك المسألة بعينها فأجابه فيها بخلاف الجواب الأول، فقال لأبي جعفر: هذا خلاف ما أجبتني في هذه المسألة العام الماضي، فقال له: إن جوابنا ربما خرج على وجه التقية، فشكك في أمره وإمامته، فلقي رجلاً من أصحاب أبي جعفر يقال له: محمد بن قيس، فقال له: إني سألت أبا جعفر عن مسألة فأجابني فيها بجواب، ثم سألته عنها في عام آخر فأجابني فيها بخلاف جوابه الأول، فقلت لـه: لم فعلت ذلك؟ فقال: فعلته للتقية، وقد علم الله أني ما سألته عنها إلا وأنا صحيح العزم على التدين بما يفتيني به وقبوله والعمل به، فلا وجه لاتقائه إياي، وهذه حالتي، فقال له محمد بن قيس: فلعله حضرك من اتقاه؟ فقال: ما حضر مجلسه في واحدة من المسألتين غيري، لا، ولكن جوابيه جميعاً خرجا على وجه التبخيت، ولم يحفظ ما أجاب به في العام الماضي فيجيبَ بمثله، فرجع عن إمامته، وقال: لا يكون إماماً من يفتي بالباطل على شيء بوجه من الوجوه، ولا في حال من الأحوال، ولا يكون إماماً من يفتي تقية بغير ما يجب عند الله، ولا من يرخي ستره ويغلق بابه، ولا يسع الإمام إلا الخروج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمال بسببه إلى قول البترية، ومال معه نفر يسير[2].

ويحضرني هنا قول صاحب الحدائق في التقية حيث ذكر:

 فلم يعلم من أحكام الدين على اليقين إلا القليل؛ لامتزاج أخباره بأخبار التقية[3].

وفي مكان آخر قال: فإن جُلَّ الاختلاف في أخبارنا بل كله عند التأمل والتحقيق إنما نشأ من التقية[4]، حتى قال الطوسي شيخ الطائفة: لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابله ما ينافيه.. إلى أن ذكر أنه وبسبب ذلك ترك الكثير من الشيعة مذهبهم[5].

 

 

[1] فرق الشيعة: (62-66).

[2] فرق الشيعة: (59).

[3] الحدائق الناضرة: (1/5).

[4] الحدائق الناضرة: (1/8).

[5] تهذيب الأحكام: (1/8).