تُعدّ مسألة الإمامة حجر الزاوية في العقيدة الشيعية الإمامية، إذ بُني عليها القول بعصمة الأئمة، ووجوب طاعتهم، والحكم بكفر أو ضلال من لم يعتقد بإمامتهم، بل واتهام جمهور الصحابة رضي الله عنهم بمخالفة النص الإلهي المزعوم. غير أن المتتبع للروايات الواردة في كتب الشيعة نفسها، والمنسوبة إلى كبار الصحابة وقرابة النبي صلى الله عليه وسلم وخاصته، يقف على حالة صارخة من الاضطراب والتناقض لا يمكن الجمع بينها بحال.
فهذا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حبر الأمة وقريب النبي صلى الله عليه وسلم، يُصوَّر في الروايات الشيعية جاهلاً بأسماء الأئمة الاثني عشر، متعجباً منها، رغم قربه وملازمته في آخر حياته. وهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، من أوائل من أسلم، يُقدَّم في الروايات وكإنه لا يعرف خليفة النبي صلى الله عليه وسلم، فيقترح أبا بكر ثم عمر ثم علياً! وهذا جابر وأبو ذر وسلمان وأنس رضي الله عنهم جميعاً، تتناقض الروايات المنسوبة إليهم في عدد الأئمة وأسمائهم وتوقيت معرفتهم بهم.
إن دعوى وجود نصٍ إلهيٍّ صريحٍ متكرر على إمامة علي وذريته، لو كانت حقاً، لما جاز أن تخفى على هؤلاء الصحابة، ولا أن تختلف ألفاظها ومعانيها، ولا أن تتأخر معرفتها إلى مرض الموت أو إلى ما بعد الهجرة بسنين طويلة. ولذلك يكشف هذا المقال – من داخل الموروث الشيعي نفسه – أن عقيدة الإمامة ليست امتداداً للوحي، بل بناءٌ متأخرٌ قائم على أخبار متناقضة وأحاديث موضوعة، أُريد بها تثبيت مذهب خاص ولو كان على حساب الطعن في الصحابة وتشويه تاريخ الإسلام.
وهذا ابن عمه عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، فقد روى القوم إنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم والحسن على عاتقه والحسين على فخذه يلثمهما ويقبلهما، ويقول: اللهم وال من والاهما وعاد من عاداهما، ثم قال: يا ابن عباس، كأني به وقد خضبت شيبته من دمه، يدعو فلا يجاب، ويستنصر فلا ينصر، قلت: فمن يفعل ذلك يا رسول الله؟ قال: شرار أمتي، لا أنالهم الله شفاعتي، ثم قال: يا ابن عباس، من زاره عارفاً بحقه كتب له ثواب ألف حجة وألف عمرة، إلا ومن زاره فكأنما قد زارني، ومن زارني فكأنما زار الله، وحق الزائر على الله أن لا يعذبه بالنار، وإن الإجابة تحت قبته، والشفاء في تربته، والأئمة من ولده. قلت: يا رسول الله، فكم الأئمة بعدك؟ قال: بعدد حواريي عيسى، وأسباط موسى، ونقباء بني إسرائيل، قلت: يا رسول الله، فكم كانوا؟ قال: كانوا اثني عشر، والأئمة بعدي اثنا عشر، أولهم: علي بن أبي طالب، وبعده سبطاي: الحسن والحسين، فإذا انقضى الحسين فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمد، فإذا انقضى محمد فابنه جعفر، فإذا انقضى جعفر فابنه موسى، فإذا انقضى موسى فابنه علي، فإذا انقضى علي فابنه محمد، فإذا انقضى محمد فابنه علي، فإذا انقضى علي فابنه الحسن، فإذا انقضى الحسن فابنه الحجة، قال ابن عباس: قلت: يا رسول الله، أسامي ما أسمع بهم قط، قال لي: يا ابن عباس، هم الأئمة بعدي[1].
فابن عباس رضي الله عنهما كان مولده بشعب بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين، وانتقل إلى دار الهجرة بعد فتح مكة الذي كان في رمضان من السنة الثامنة للهجرة، وهذا يعني إنه صحب النبي صلى الله عليه وسلم نحواً من ثلاثين شهراً، فلا شك إذاً في أن هذه الرواية يفترض حصولها في أحد أيام هذه الشهور الأخيرة.
رغم ذلك تأمل عدم علم ابن عباس رضي الله عنهما بمسألة الإمامة والأئمة، واستغرابه هذه الأسماء التي لم يسمع بها قط، وهو من هو من قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بل ونراه يسأل النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته بزعم القوم:
إذا كان ما نعوذ بالله منه فإلى من؟ فأشار إلى علي رضي الله عنه، فقال: إلى هذا فإنه مع الحق والحق معه، ثم يكون من بعده أحد عشر إماماً مفترضة طاعتهم كطاعتي[2].
وكتب القوم مليئة بالروايات الشبيهة عنه رضي الله عنه [3].
وكذا شأن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه وهو من السابقين الأولين، بل من أوائل الذين أسلموا؛ مما يستحيل أن يخفى عليه من شأن الإمامة شيء، نراه لا يختلف عن سابقيه في هذا الشأن.
فتأمل -مثلاً- رواية القوم هذه، وحصولها لا شك إنه بعد عشرين سنة من مبعثه صلى الله عليه وسلم، إذ توحي عباراتها بقرب أجله صلى الله عليه وسلم، تقول الرواية: أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله لما رجع من حجة الوداع: يا ابن مسعود، قد قرب الأجل ونعيت إليّ نفسي فمن لك بعدي؟ فأقبلت أعد عليه رجلاً رجلاً، فبكى ثم قال: ثكلتك الثواكل! فأين أنت من علي بن أبي طالب لم تقدمه على الخلق أجمعين[4].
ووفي رواية: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن مسعود، نُعيَتْ إلي نفسي، فقلت: استخلف يا رسول الله، قال: من؟ قلت: أبا بكر، فأعرض عني، ثم قال: يا ابن مسعود، نعيت إلي نفسي، فقلت: استخلف، قال: من؟ قلت: عمر، فأعرض عني، قال: يا ابن مسعود، نعيت إلي نفسي، قلت: استخلف، قال: من؟ قلت: علياً، قال: أما أن أطاعوه دخلوا الجنة أجمعون أكتعون[5].
وروى القوم عنه -أيضاً- رضي الله عنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، من يغسلك إذا مت؟ فقال: يغسل كل نبي وصيه، قلت: فمن وصيك يا رسول الله؟ قال: علي بن أبي طالب[6].
وهذا صحابي آخر وهو جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنه، وزيادةً عما أوردناه عنه في أول الباب نورد هنا رواية أخرى يرويها القوم عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه إنه قال: من لم يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي، أو شهد أن محمداً عبدي ورسولي، أو شهد بذلك ولم يشهد أن علي بن أبي طالب خليفتي، أو شهد بذلك ولم يشهد أن الأئمة من ولده حججي، فقد جحد نعمتي، وصغر عظمتي، وكفر بآياتي وكتبي، أن قصدني حجبته، وإن سألني حرمته، وإن ناداني لم أسمع نداءه، وإن دعاني لم أسمع دعاءه، وإن رجاني خيبته، وذلك جزاؤه مني، وما أنا بظلام للعبيد، فقام جابر بن عبدالله، فقال: يا رسول الله، ومَن الأئمة من ولد علي بن أبي طالب؟ والرواية طويلة أخذنا منها موضع الحاجة[7].
وهذا أبو ذر الغفاري رضي الله عنه يقول:
كنا ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد قباء ونحن نفر من أصحابه، إذ قال: معاشر أصحابي، إنه يطلع عليكم من هذا الباب رجل هو أمير المؤمنين وإمام المسلمين، قال: فنظروا وكنت فيمن نظر، فإذا نحن بعلي بن أبي طالب قد طلع، فقام النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا إمامكم من بعدي[8].
وذكر مسجد قباء يؤكد لك تاريخ الرواية، وأنها بعد الهجرة، وأبو ذر رضي الله عنه من أوائل من أسلموا، حتى روي عنه إنه قال: كنت ربع الإسلام، أسلم قبلي ثلاثة نفر وأنا الرابع، فاستمع إليه بعد ثلاثة عشر سنة من إسلامه وهو يقول: وكنت فيمن نظر، ليرى مع أصحابه من يكون أمير المؤمنين هذا.
وعن أنس رضي الله عنه قال:
صلى بنا رسول الله صلاة الفجر، ثم أقبل علينا، وقال: معاشر أصحابي، من أحب أهل بيتي حشر معنا، ومن استمسك بأوصيائي من بعدي فقد استمسك بالعروة الوثقى، فقام إليه أبو ذر الغفاري، فقال: يا رسول الله، كم الأئمة بعدك؟ قال: عدد نقباء بني إسرائيل، فقال: كلهم من أهل بيتك؟ قال: كلهم من أهل بيتي، تسعة من صلب الحسين والمهدي تاسعهم[9].
وفي رواية أخرى أوردها القوم عنه قال:
دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه -والرواية طويلة- وفيها أن أبا ذر رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، فكم الأئمة بعدك؟ قال: عدد نقباء بني إسرائيل[10].
وتذكرني هذه الرواية بالمثل القائل:
كلام الليل يمحوه النهار، حيث أظهر القوم صاحبنا كمن نسي أسئلة الفجر التي في الرواية السابقة، ولكن لا تنس -عزيزي القارئ- أن الرواية الأخيرة كانت في مرض موته صلى الله عليه وسلم، لتعرف مدى تأخرها.
وهذا سلمان الفارسي رضي الله عنه كما يروي القوم، إنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله، أن لكل نبي وصياً، فمن وصيك؟ قال: فسكت عني، فلمَّا كان بعدُ رآني من بعيد، فقال: يا سلمان، قلت: لبيك وأسرعت إليه، فقال: تعلم من كان وصي موسى؟ قلت: يوشع بن نون، فقال: ذاك لإنه يومئذٍ خيرهم وأعلمهم، ثم قال: وإني أشهد اليوم أن علياً خيرهم وأفضلهم، وهو وليي ووصيي ووارثي[11].
[1] كفاية الأثر: (3، 14)، البحار: (36/286، 321)، إثبات الهداة:(1/572)، منتخب الأثر:(99).
[2] منتخب الأثر: (36)، إعلام الورى: (365)، البحار: (36/300).
[3] انظر إن شئت: إثبات الهداة: (1/643، 647، 666)، منتخب الأثر:(48)، كمال الدين:(288).
[4] تفسير القمي: (1/182)، البحار: (37/345)، إثبات الهداة: (2/140)، نور الثقلين:(1/658).
[5] أمالي الطوسي: (313)، أمالي المفيد: (21، 22)، المناقب: (3/63) (وفي رواية: عثمان)، البحار: (38/117)، 128، إثبات الهداة: (2/41، 102).
[6] كمال الدين: (17)، البحار: (13/367) (22/512) (32/280)، إثبات الهداة: (1/270) (2/40).
[7] كمال الدين: (246)، اليقين: (60، 132)، الاستنصار للكراجكي:(20، 21)، كفاية الأثر:(19)، الاحتجاج: (42)، البحار: (36/252، 264) (27/119).
[8] إثبات الهداة: (2/67)، البحار: (38/106).
[9] كفاية الأثر: (10)، البحار: (36/310)، إثبات الهداة: (1/579)، منتخب الأثر: (47).
[10] كفاية الأثر: (5)، البحار: (36/288)، إثبات الهداة: (1/575، 576)، منتخب الأثر: (46).
[11] البحار: (38/18، 131)، إثبات الهداة: (2/83).