تزعم الشيعة الإمامية أن النبي صلى الله عليه وسلم نصّ على إمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم على اثني عشر إماماً من بعده، وجعل معرفتهم وطاعتهم شرط النجاة، حتى قرن الجهل بالإمام بالموتة الجاهلية. غير أن مراجعة الروايات الواردة في كتب القوم أنفسهم، والمنسوبة إلى الصحابة وأهل البيت، تكشف عن مشهدٍ شديد الاضطراب، لا يمكن أن يصدر عن تشريع إلهي ولا عن نبي بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة.

فها هم الصحابة رضي الله عنهم – بزعم هذه الروايات – يتساءلون مراراً عن الإمام، وعن عدد الأئمة، وعن أسمائهم، في مواطن مختلفة، وعلى امتداد سنوات طويلة من الهجرة، بل حتى في أواخر أيام النبي صلى الله عليه وسلم. وتُصوِّر هذه الأخبار أن أعظم أصول الدين عند الإمامية ظل مجهولاً، أو مبهماً، أو سرياً، أو مؤجلاً، أو متناقضاً في توقيته وطريقته، تارة يُعرف بالنجم، وتارة بالكتاب، وتارة في غدير خم، وتارة في مرض الموت، وتارة بعد سؤال الصحابة، وتارة دون جواب.

إن هذا المقال يقف وقفة تحليلية مع هذه الروايات نفسها، ليبيّن أن دعوى النص على الإمامة لا تنهار فقط إمام النقل الصحيح والعقل الصريح، بل تسقط من داخل التراث الشيعي ذاته، إذ تجعل الصحابة – وأهل البيت معهم – إما جاهلين بأهم أركان الدين، أو مترددين فيه، أو متسائلين عنه إلى آخر لحظة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما لا يستقيم مع مقام النبوة ولا مع حقيقة البلاغ المبين.

وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال:

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاشر أصحابي، أن مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح وباب حطة في بني إسرائيل، فتمسكوا بأهل بيتي والأئمة الراشدين من ذريتي، فإنكم لن تضلوا أبداً، فقيل: يا رسول الله، كم الأئمة بعدك؟[1]

وعنه -أيضاً- رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، قيل: يا رسول الله، فالأئمة بعدك من أهل بيتك؟[2]

وعنه أيضاً رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول للحسين: يا حسين، أنت الإمام، ابن الإمام، أخو الإمام، تسعة من ولدك أئمة أبرار، تاسعهم قائمهم، فقيل: يا رسول الله، كم الأئمة بعدك؟ قال: اثنا عشر، تسعة من صلب الحسين[3].

وأضف إلى جهلهم بالأئمة بعده حتى تاريخ هذه الرواية التي يخاطب فيها الرسول صلى الله عليه وسلم الحسين رضي الله عنه، الذي ولد في السنة الثالثة من الهجرة، والذي لاشك إنه بلغ مبلغ الإدراك، أي: سبع سنوات.

أقول: أضف إلى ذلك جهلهم بالحساب، فتأمل!

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه بزعم القوم:

 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى لمن تمسك بي والأئمة الأطهار من ذريتي، فقيل: يا رسول الله، فكم الأئمة بعدك؟[4]

وعنه -أيضاً- رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنزلوا أهل بيتي بمنزلة الرأس من الجسد، وبمنزلة العينين من الرأس، وإن الرأس لا يهتدي إلا بالعين، اقتدوا بهم من بعدي لن تضلوا، فسألنا عن الأئمة؟ فقال: الأئمة بعدي من عترتي -أو قال: من أهل بيتي- عدد نقباء بني إسرائيل[5].

وتأمل تاريخ هاتين الروايتين، فراويهما هو ابن الأسقع الذي أسلم في السنة التاسعة من الهجرة.

وذكر القوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف أصحابه أمير المؤمنين مرتين، وذلك إنه قال لهم: أتدرون من وليكم بعدي؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن الله تبارك وتعالى قد قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ [التحريم:4] -يعني: أمير المؤمنين- وهو وليكم بعدي؟ والمرة الثانية في غدير خم حين قال: من كنت مولاه فعلي مولاه[6].

فالرواية فيها أن تعريف الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بأمير المؤمنين مرتين:

الأولى: بعد نزول سورة التحريم، التي نزلت -كما في بعض الروايات- في شأن عائشة وحفصة ومارية القبطية رضي الله عنهن، ومارية أهداها المقوقس لرسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة الثامنة من الهجرة، فانظر متى تكون الرواية، وموقف جميع الروايات الآنفة الذكر والقادمة من غير هاتين المرتين، إلا إنه يسقط بها جميع ما أوردناه وما سنورده من روايات كانت أحداثها سابقة لروايتنا هذه.

كما لا يفوتك أن قول الصحابة رضي الله عنهم: الله ورسوله أعلم، ينسجم تماماً ويتفق مع ما قلناه، فتأمل!

أما المرة الأخرى -يوم غدير خم- فلنا معها شأن آخر في كتابنا هذا تجده في محله أن شاء الله.

نبقى معك عزيزي القارئ في السنة نفسها -أي: الثامنة من الهجرة- فاقرأ معي رواية القوم هذه، وهي سواء كانت قبل سابقتها أو بعدها؛ فإحداهما تسقط الأخرى وما قبلها.

تقول الرواية: قال بعض الثقات: اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام فتح مكة، فقالوا: يا رسول الله، أن من شأن الأنبياء إذا استقام أمرهم أن يدلوا على وصي من بعدهم يقوم بأمرهم، فقال: أن الله تعالى قد وعدني أن يبين لي هذه الليلة الوصي من بعدي والخليفة الذي يقوم بأمري بآية تنزل من السماء، فلمَّا فرغ الناس من صلاة العشاء الآخرة من تلك الليلة، ودخلوا البيوت، وكانت ليلة ظلماء لا قمر فيها، فإذا نجم قد نزل من السماء بدوي عظيم، وشعاع هائل، حتى وقف على ذروة حجرة علي بن أبي طالب، وصارت الحجرة كالنهار، أضاءت الدور بشعاعه، ففزع الناس وجاءوا يهرعون إلى رسول الله، ويقولون: أن الآية التي وعدتنا بها قد نزلت، وهو نجم، وقد نزل على ذروة دار علي بن أبي طالب، فقال النبي: فهو الخليفة من بعدي، والقائم من بعدي، والوصي من بعدي، والولي بأمر الله تعالى[7].

ولا أظن أن القارئ يحتاج مني إلى تعليق، ولكن أُذكره أن تاريخ رواية بعض الثقات هو عشرون عاماً بعد البعثة.

وعلى أي حال، نترك مكة وقد فتحت، ونجمة الخليفة وقد نزلت، ونعود مع العائدين إلى المدينة لنكمل مشوارنا، ونقترب هذه المرة من أواخر أيامه صلى الله عليه وسلم خشية الإطالة ووفاءً بعهد الإيجاز الذي التزمنا به في المقدمة، يقول القوم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه حين دنا موته: هذا وليكم من بعدي، فإن أطعتموه رشدتم[8].

ويقولون: إنه حذَّر أمته بقولـه -كما نسبوا رواية ذلك إلى الأمير رضي الله عنه: ستكون بعدي فتنة مظلمة، الناجي منها من تمسك بالعروة الوثقى، فقيل: يا رسول الله، وما العروة الوثقى؟

قال: ولاية سيد الوصيين، قيل:

 ومن سيد الوصيين؟ قال: أمير المؤمنين، قيل: يا رسول الله، ومن أمير المؤمنين؟ قال: مولى المسلمين وإمامهم بعدي، قيل: يا رسول الله، من مولى المسلمين وإمامهم بعدك؟ قال: أخي علي بن أبي طالب[9].

ولا أدري ماذا كان موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو راوي الحديث، وقد رأى إخوإنه يجهلون كونه العروة الوثقى، وسيد الوصيين، وأمير المؤمنين، ومولى المسلمين، وإمامهم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعجب منه موقف الرسول صلى الله عليه وسلم وحلمه مع هؤلاء الذين لم يعرفوا مَن لولاه لما خلقوا.

وأرى أن نعذرهم بضمان الرواية الآتية التي يرويها القوم عن علي بن أبي طالب -أيضاً- حيث يقول لطلحة: يا طلحة، أليس قد شهدت رسول الله حين دعا بالكتف ليكتب فيها ما لا تضل الأمة بعده ولا تختلف، فقال صاحبك ما قال: أن رسول الله يهجر، فغضب رسول الله وتركها؟

قال: بلى شهدته، قال:

فإنكم لما خرجتم أخبرني رسول الله بالذي أراد أن يكتب فيها ويشهد عليه العامة، وإن جبرئيل أخبره بأن الله يعلم أن الأمة ستختلف وتفترق، ثم دعا بصحيفة فأملى عليَّ ما أراد أن يكتب بالكتف، وأشهد على ذلك ثلاثة رهط: سلمان الفارسي، وأبا ذر، والمقداد، وسمَّى من يكون من أئمة الهدى الذين أمر المؤمنين بطاعتهم إلى يوم القيامة، فسماني أولهم، ثم ابني هذا الحسن، ثم ابني هذا الحسين، ثم تسعة من ابني هذا الحسين[10].

ففي الرواية دلالة على أن الأئمة لم يكونوا مسمَّيْن حتى ربيع الأول من سنة إحدى عشرة من الهجرة، حيث انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وبذلك نتبين موقف علي بن أبي طالب من الصحابة في الحديث السابق.

وفي الرواية فوائد أخرى سنتعرض لها في حينها، ولكن نأخذ منه الآن علة خوفه من أن تضل أمته بعده، مما اقتضى منه صلى الله عليه وسلم أن يكتب لهم هذا الكتاب.

فنقول: لا يخلو شأن أمته من أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد بيَّن لهم الخليفة من بعده، ومن ثمَّ ليس لهذا الكتاب حاجة، أو إنه صلى الله عليه وسلم لم يكن قد نص بعد على خليفته من بعده، ففي الأخذ بأيهما إشكال لا يمكن توجيهه، ففي الأول خوف من أمرٍ قد فرغ منه، وتم تبيينه مراراً كما مرَّ بك في هذا الفصل، فضلاً عما أوردناه في مقدمة الباب، مما يستوجب تكراراً يستقبح صدور مثله عنه صلى الله عليه وسلم.

فإن قال قائل: لعلَّ ذلك منه صلى الله عليه وسلم إقامة للحجة على قومه وقد علم منهم مخالفتهم لـه بعد موته.

فيقال له: أن من عقد العزم على مخالفة كل تلك النصوص منذ بدء الدعوة لن يثنيه أو يغيره كتاب يُكتب في ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة.

أما الإشكال الآخر: وهو عدم نصه صلى الله عليه وسلم، فإن الأخذ به إسقاط لمعتقد الإمامية من أصله، ولعل ما يؤكد هذا الإشكال رواية القوم هذه التي سنختم بها حديثنا.

فعن أبي عبد الله جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، قال:

 لما مرض النبي مرضه الذي قبضه الله فيه اجتمع عليه أهل بيته وأصحابه، وقالوا: يا رسول الله، أن حدث بك حدث فمن لنا بعدك؟ ومن القائم فينا بأمرك؟

فلم يجبهم جواباً وسكت عنهم، فلمَّا كان اليوم الثاني أعادوا عليه القول، فلم يجبهم عن شيء مما سألوه، فلما كان اليوم الثالث قالوا له: يا رسول الله، أن حدث بك حدثٌ فمن لنا من بعدك؟ ومن القائم فينا بأمرك؟

فقال لهم: إذا كان غداً هبط نجم من السماء في دار رجلٍ من أصحابي فانظروا من هو؟ فهو خليفتي عليكم من بعدي، والقائم فيكم بأمري، ولم يكن فيهم أحد إلا وهو يطمع أن يقول له: أنت القائم من بعدي، فلمَّا كان اليوم الرابع جلس كل رجل منهم في حجرته ينتظر هبوط النجم، إذ انقض نجم من السماء قد غلب نوره على ضوء الدنيا حتى وقع في حجرة علي[11].

فهذه الرواية لا تحتاج إلى بيان، وأوجه الدلالة فيها واضحة، فهي تسقط كل ما أورده القوم قبل هذه القصة وقد علمت تاريخها.

ولا يفوتني هنا أن أذكرك بقولـه:

اجتمع عليه أهل بيته وأصحابه، وأنت خبير بأن أهل بيته عند القوم، هم: علي، وفاطمة، والحسن، والحسين دون غيرهم، وهذه الرواية لم يروها من لا يرى هذا الحصر في أهل البيت، بل رواها الصادق عن الباقر عن آبائه رضي الله عنهم، وبهذا لا يخلو من أن يكون علي بن أبي طالب والزهراء والسبطان فيمن سأل الرسول صلى الله عليه وسلم في أواخر أيامه عن الخليفة بعده، أو أن أهل البيت أعم من حصرهم في هؤلاء الأربعة، فإن كان الأول فقد علمت نتيجته، وإن كان الآخر فهو مأزق كبير سترى نتائجه لاحقاً[12]، هذا ما كان من شأن الرعيل الأول.

 

[1] كفاية الأثر: (5)، البحار: (36/293)، إثبات الوصية: (31).

[2] كفاية الأثر: (5)، البحار: (36/291)، منتخب الأثر: (65).

[3] كفاية الأثر: (5)، البحار: (36/291).

[4] كفاية الأثر: (15)، البحار: (36/323)، إثبات الهداة: (1/585)، منتخب الأثر: (49).

[5] كفاية الأثر: (15)، البحار: (36/323)، إثبات الهداة: (1/585)، منتخب الأثر: (50).

[6] مجمع البيان: (10/316)، البرهان:(14/155، 174، 189، 353)، كشف اليقين:(91)، البحار: (36/29) (37/317)، إثبات الهداة: (2/162)، تأويل الآيات: (2/572، 588، 699)، تفسير فرات: (2/490)، نور الثقلين: (5/370)، الصافي: (5/195).

[7] الفضائل: (159)، الروضة: (30)، البحار: (35/274)، البرهان: (4/245)، إثبات الهداة: = = (1/287) (2/47).

[8] الكافي: (1/253)، البحار: (25/83).

[9] البحار: (36/20).

[10] غيبة النعماني: (52)، البحار: (36/277)، إثبات الهداة: (1/657، 668).

[11] أمالي الصدوق: (348)، البحار: (35/273)، البرهان: (4/244)، تأويل الآيات: (2/621)، المناقب: (2/214)، إثبات الهداة: (2/70، 169، 178)، نور الثقلين: (5/145).

[12] انظر روايات أخرى إن شئت في شأن الصحابة: منتخب الأثر: (67،90، 106، 107،115،189)، كمال الدين: (247،263، 265)، تأويل الآيات: (2/758)، إثبات الهداة: (1/508، 598، 655، 667) (2/112، 118)، إثبات الوصية: (35)، البحار: (32/170) (33/18) (36/353) (40/121).