من أخطر مسالك الفرقة الرافضية في نشر البدع والشركيات اعتمادهم على روايات ضعيفة أو موضوعة، ثم بناء أحكام عقدية خطيرة عليها، كجواز التمسح بالقبور، والاستغاثة بالأموات، والتبرك بالأحجار، مع نسبة ذلك زورًا إلى الصحابة رضي الله عنهم. ومن أشهر ما يُستدل به في هذا الباب قصة منسوبة إلى الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، إنه وضع وجهه على قبر النبي ﷺ وقال: «نعم جئت رسول الله ولم آت الحجر».

وقد تلقف الرافضة هذه الرواية ومن وافقهم من أهل الأهواء، وجعلوها أصلًا في إباحة التمسح بالقبور، مع أن التحقيق العلمي يثبت أن الحديث لا يصح سندًا، ولا يدل متنًا على ما يزعمون، كما بيّن ذلك كبار المحدثين المحققين، وفي مقدمتهم الإمام محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، الذي كشف علله واضطرابه، وبيّن أوهام من صححه، وكشف حال رواته.

وفي هذا المقال نعرض التحقيق الحديثي الكامل للرواية، ونبيّن بطلان الاستدلال بها، ونكشف كيف يعتمد أهل البدع على أخبار واهية ليُدخلوا في دين الله ما ليس منه، مخالفين بذلك منهج الصحابة والسلف الصالح، ومشابهين لأهل الكتاب في الغلو في القبور.

نعم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم آت الحجر:

قال الإمام الألباني:

" 373 - " لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله ".

ضعيف.

أخرجه أحمد (5 / 422) والحاكم (4 / 515) من طريق عبد الملك بن عمرو العقدي عن كثير بن زيد عن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر، فقال: أتدري ما تصنع؟! فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب، فقال: نعم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم آت الحجر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم... " فذكره، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي! وهو من أوهامهما فقد قال الذهبي نفسه في ترجمة داود هذا: حجازي لا يعرف.

ووافقه الحافظ ابن حجر:

في " تهذيب التهذيب " فأنى له الصحة؟! وذهل عن هذه العلة الحافظ الهيثمي فقال في " المجمع " (5 / 245): رواه أحمد والطبراني في " الكبير " و" الأوسط "، وفيه كثير بن زيد وثقه أحمد وغيره، وضعفه النسائي وغيره.

قلت: ثم تبين بعد أن تيسر الرجوع إلى معجمي الطبراني إنه ليس في سنده داود هذا، فأعله الهيثمي بكثير، فقد أخرجه في " الكبير " (4 / 189 / 3999)، و" الأوسط " (1 / 18 / 1 / 282) بإسناد وأحد، فقال: حدثنا أحمد بن رشدين المصري:

حدثنا سفيان بن بشير وفي " الأوسط ": بشر، وزاد: الكوفي: حدثنا حاتم بن إسماعيل عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله قال: قال أبو أيوب لمروان بن الحكم، فذكر الحديث مرفوعا، وقال: لا يروى إلا بهذا الإسناد، تفرد به حاتم!

كذا قال، وقد فاتته متابعة العقدي المتقدمة.

وحاتم بن إسماعيل من رجال الشيخين، لكن قال الحافظ: صحيح الكتاب، صدوق يهم.

قلت: فمن المحتمل أن يكون وهم في ذكره المطلب بن عبد الله مكان داود بن أبي صالح، ولكن السند إليه غير صحيح، فيمكن أن يكون الوهم من غيره، لأن سفيان بن بشير أو بشر، لم أعرفه، وليس هو الأنصاري المترجم في " ثقات ابن حبان " (6 / 403) وغيره، فإنه تابع تابعي، فهو متقدم على هذا، من طبقة شيخ شيخه (كثير بن زيد)! ولعل الآفة من أحمد بن رشدين شيخ الطبراني، فإنه متهم بالكذب، كما تقدم بيإنه تحت الحديث (47)، فكان على الهيثمي أن يبين الفرق والخلاف بين إسناد أحمد والطبراني من جهة، وعلة كل منهما من جهة أخرى، والمعصوم من عصمه الله تعالى.

ولقد كان الواجب على المعلق على " المعجم الأوسط " الدكتور الطحان أن يتولى بيان ذلك، ولكن.....

وأما قول المناوي:

 وداود بن أبي صالح قال ابن حبان: يروي الموضوعات.

فمن أوهامه أيضًا، فإنه رجل آخر متأخر عن هذا يروي عن نافع، وسيأتي له حديث أن شاء الله تعالى قريبا برقم (375)، وقد شاع عند المتأخرين الاستدلال بهذا الحديث على جواز التمسح بالقبر لوضع أبي أيوب وجهه على القبر، وهذا مع إنه ليس صريحا في الدلالة على أن تمسحه كان للتبرك - كما يفعل الجهال - فالسند إليه بذلك ضعيف كما علمت فلا حجة فيه، وقد أنكر المحققون من العلماء كالنووى وغيره، التمسح بالقبور وقالوا: إنه من عمل النصارى وقد ذكرت بعض النقول في ذلك في " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد " وهي الرسالة الخامسة من رسائل كتابنا " تسديد الإصابة إلى من زعم نصرة الخلفاء الراشدين والصحابة " وهي مطبوعة والحمد لله فانظر (ص 108) منه "

سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة – محمد ناصر الدين الألباني - ج 1 ص 552 – 554