تُعاني المدرسة الإمامية الاثنا عشرية من إشكالٍ منهجيٍّ عميق في تعاملها مع الفرق المنسوبة إليها، ويتجلّى هذا الإشكال بوضوح في موقفها من الواقفة؛ تلك الفرقة التي حكم أئمة الإمامية – بحسب رواياتهم – بكفرها، وشركها، وزندقتها، ونجاستها، وأمروا أتباعهم باجتنابها، وعدم مخالطتها، وذمّوها ذمًّا شديدًا، واعتبروها من أخطر الفرق لانتحالها اسم التشيّع مع إنكار أصلٍ من أصول الإمامة.
ورغم هذه الأحكام العقدية القاطعة، يفاجأ الباحث بواقعٍ عمليٍّ يناقضها تمامًا، حيث نجد أن عددًا كبيرًا من أصحاب الأصول المعتمدة عند الإمامية كانوا من الواقفة، بل أن كثيرًا منهم وُثِّقوا، وتُرُحِّم عليهم، واعتمدت كتبهم، ورويت رواياتهم في أهم مصادر الحديث الإمامية، بل ووُضع بعضهم ضمن ما يُسمّى بـ أصحاب الإجماع الذين تُقبل رواياتهم بلا نقاش.
وهذا التناقض الصارخ بين الحكم العقدي النظري والتطبيق الحديثي العملي يطرح تساؤلات خطيرة حول معيار التوثيق، وحدود الاعتماد، ومدى اتساق المنهج الإمامي في الجمع بين التكفير من جهة، والاعتماد العلمي من جهة أخرى، وهو ما يسعى هذا المقال إلى كشفه وتحليله من خلال نصوص كبار علماء الإمامية أنفسهم، دون حاجة إلى أحكام خارجية أو نقدٍ وافد.
الروايات:
وقال الشيخ (481): " عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، له كتاب أخبرنا به الشيخ المفيد رحمه الله والحسين بن عبيد الله، عن أبي جعفر ابن بابويه، عن أبيه، عن سعد والحميري، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب وأحمد بن محمد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عنه، ولقبه كرام ". وعده الشيخ في رجاله (تارة)، في أصحاب الصادق (عليه السلام) (181)، قائلا: " عبد الكريم بن عمرو الخثعمي الكوفي ".
و(أخرى) في أصحاب الكاظم (عليه السلام) (12)، قائلا: " عبد الكريم بن عمرو الخثعمي - لقبه كرام - كوفي، واقفي، خبيث، له كتاب، روى عن أبي عبد الله (عليه السلام) ". وعده البرقي في أصحاب الصادق والكاظم (عليهما السلام)، قائلا في الموضع الثاني: " عبد الكريم بن عمرو، لقبه كرام، كوفي، عربي خثعمي ".
وعد الشيخ المفيد في رسالته العددية الكرام الخثعمي من الفقهاء الاعلام والرؤساء المأخوذ منهم الحلال والحرام الذين لا يطعن عليهم ولا طريق لذم وأحد منهم.
وذكره الكشي في ما روى في أصحاب موسى بن جعفر وعلي بن موسى (عليهما السلام)، قائلا (430): " ثم كرام بن عمرو عبد الكريم. حمدويه، قال: سمعت أشياخي يقولون: أن كراما هو عبد الكريم بن عمرو واقفي ".
وقد روى الشيخ في كتاب الغيبة، عن الثقات في السبب الذي دعا قوما إلى القول بالوقف: أن أول من أظهر هذا الاعتقاد علي بن أبي حمزة البطائني ثم عد جماعة ممن قالوا بالوقف طمعا في الحطام الدنيوي!! وعد منهم كراما الخثعمي. روى عن ميسر بن عبد العزيز، وروى عنه محمد بن عمرو.
كامل الزيارات الباب 23،
في قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في قتل الحسين (عليه السلام)، الحديث 16.
بقي هنا شيء وهو أنك قد عرفت شهادة الاعلام على وقف عبد الكريم ابن عمرو الملقب بكرام. ولكنه مع ذلك قد يقال إنه لم يكن واقفيا، ويستند في ذلك إلى روايات. منها - ما رواه محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، عن أبي علي محمد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر، عن أحمد بن القاسم العجلي، عن أحمد بن يحيى المعروف بكرد، عن محمد بن خداهي، عن عبد الله بن أيوب، عن عبد الله بن هاشم، عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، عن حبابة الوالبية، أن أمير المؤمنين (عليه السلام)، أعطاها حصاة وختمها وجعل ختمها دليلا على الإمامة وختمها بعد أمير المؤمنين الحسن (عليه السلام)، وهكذا إلى أن ختمها الرضا (عليه السلام).
الكافي: الجزء 1، كتاب الحجة 4، باب ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الإمامة 81، الحديث 3.
أقول: دلالة الرواية على عدم وقف الرجل ظاهرة إلى إنها لم تثبت فإن أكثر رواتها مجاهيل.
ومنها: ما رواه محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، ومحمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبد الله بن عبد الرحمان الأصم، عن كرام، قال: حلفت فيما بيني وبين نفسي أن لا آكل طعاما بنهار أبدا حتى يقوم قائم آل محمد عليهم السلام، فدخلت على أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: فقلت له: رجل من شيعتكم جعل الله عليه أن لا يأكل طعاما بنهار أبدا حتى يقوم قائم آل محمد، قال: فصم إذا يا كرام ولا تصم العيدين ولا ثلاثة التشريق ولا إذا كنت مسافرا ولا مريضا فإن الحسين (عليه السلام) لما قتل عجت السماوات والأرض ومن عليها والملائكة فقالوا يا ربنا ائذن لنا في هلاك الخلق حتى نجدهم عن جديد الأرض بما استحلوا حرمتك وقتلوا صفوتك فأوحى الله يا ملائكتي ويا سماواتي ويا أرضي اسكنوا ثم كشف حجابا من الحجب فإذا خلفه محمد واثنا عشر وصيا له (عليهم السلام) وأخذ بيد فلان القائم من بينهم، فقال: يا ملائكتي ويا سماواتي ويا أرضي بهذا انتصر لهذا قالها ثلاث مرات.
الكافي: الجزء 1، كتاب الحجة 4، باب ما جاء في الاثني عشر 126، الحديث 19.
أقول: لا دلالة في الرواية على عدم وقف كرام فإنه يمكن أن تكون روايته هذه قبل وقفه على أن الرواية ضعيفة بعدة من رواتها.
ومنها: ما رواه الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن كرام، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام)، إني جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم (عليه السلام)، فقال: صم ولا تصم في السفر...، الحديث.
الكافي: الجزء 4، كتاب الصوم 2، باب من جعل على نفسه صوما معلوما 58، الحديث 1.
أقول: الجواب عنه يظهر مما تقدم على إنه لم يعين فيه المراد من القائم (عليه السلام)، فالصحيح إنه لم يثبت شيء يعارض به شهادة الاعلام على وقفه " اهـ
معجم رجال الحديث - الخوئي - ج 11 ص 70 – 73
وقال الخوئي:
" 4391 داود بن الحصين: قال النجاشي: " داود بن حصين الاسدي: مولاهم، كوفي، ثقة، روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن عليهما السلام، وهو زوج خالة علي بن الحسن بن فضال، كان يصحب أبا العباس البقباق.
له كتاب يرويه عنه عدة من أصحابنا أخبرنا علي بن أحمد، عن محمد بن الحسن، عن أيوب بن نوح، عن عباس بن عأمر، عن داود، به ". وقال الشيخ (279): " داود بن الحصين له كتاب أخبرنا به ابن أبي جيد عن ابن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أيوب بن نوح، عن العباس ابن عأمر، عنه، ورواه حميد بن زياد، عن القاسم بن اسماعيل القرشي، عنه ". وعده في رجاله مع توصيفه بالكوفي في أصحاب الصادق عليه السلام (14) وفي أصحاب الكاظم عليه السلام (5) قائلا: واقفي.
ونسب العلامة في القسم الثاني من الخلاصة (1) من الباب (1) من فصل الدال: إلى ابن عقدة أيضًا القول بوقفه ولأجل ذلك توقف في العمل بروايته. وعن السيد الداماد: إنه قال: ولم يثبت عندي وقفه بل الراجح جلالته عن كل غمز وشائبة.
أقول: يكفي في ثبوت وقفه: شهادة الشيخ المؤيدة بما حكاه العلامة عن ابن عقدة، إلا إنه مع ذلك يعتمد على رواياته لإنه ثقة بشهادة النجاشي. اهـ.
معجم رجال الحديث – الخوئي – ج 8 ص 102 – 103
وقال الخوئي:
" 4464 - دُرُسْتَ بن أبي منصور: قال النجاشي: " درست بن أبي منصور محمد الواسطي: روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام ومعنى درست أي: صحيح له كتاب يرويه جماعة، منهم (أبو القاسم) سعد بن محمد الطاطري عم عي بن الحسن الطاطري، ومنهم محمد بن أبي عمير، أخبرنا الحسين بن عبيد الله، قال: حدثنا أحمد بن جعفر، قال: حدثنا حميد بن زياد، قال: حدثنا محمد بن غالب الصيرفي، قال: حدثنا علي بن الحسن الطاطري، قال: حدثنا عمي سعد بن محمد أبو القاسم، قال: حدثنا درست بكتابه. وأخبرنا محمد بن عثمان، قال: حدثنا جعفر ابن محمد، قال: حدثنا عبيد الله بن أحمد بن نهيك، قال: حدثنا محمد بن أبي عمير عن درست بكتابه ".
وقال الشيخ (920): " درست الواسطي له كتاب، وهو ابن أبي منصور أخبرنا بكتابه أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير القرشي، عن أحمد ابن عمر بن كيسية، عن علي الحسن الطاطري، عنه، ورواه حميد عن ابن نهيك عنه ". وعده في رجاله من أصحاب الصادق عليه السلام (36) وفي أصحاب الكاظم عليه السلام (3) قائلا: " دُرُسْتَ بن أبي منصور الواسطي واقفي، روى عن أبي عبد الله عليه السلام ".
وعده البرقي في أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام. وقال الكشي (431) درست بن أبي منصور: " حمدويه، قال: حدثني بعض أشياخي: قال: دُرُسْتَ بن أبي منصور واسطي واقفي ".
روى درست: عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام، وروى عنه النضر بن سويد، وروى عن أبي إبراهيم عليه السلام، وروى عنه أحمد بن محمد بن أبي نصر.
الكافي: الجزء 3، كتاب الجنائز 3، باب ثواب المرض 2، الحديث 6 و7.
أقول: الظاهر وثاقة الرجل لرواية علي بن الحسن الطَّاطَرِيِّ عنه في كتابه، وقد ذكر الشيخ في ترجمته (392): أن رواياته في كتبه عن الرجال الموثوق بهم وبرواياتهم، وهذا شهادة من الشيخ بوثاقة مشايخ علي بن الحسن الطاطري كلية، ولوقوعه في إسناد تفسير علي بن إبراهيم على ما يأتي " اهـ.
معجم رجال الحديث - الخوئي - ج 8 ص 144 – 146