حكم الخمس في زمن الغيبة عند الشيعة
تُعد مسألة الخمس في زمن غيبة الإمام المهدي عند الشيعة من أكثر المسائل تعقيدًا وارتباكًا في الفقه الشيعي، حيث اختلف العلماء عندهم اختلافًا كبيرًا في وجوب الإخراج وكيفية التطبيق. وقد أشار العلامة يوسف البحراني إلى أن هذه المسألة من أمهات المسائل ومعضلات المشاكل، وأنه وقع فيها الكثير من الاختلاف والخلط بسبب تضارب الروايات الواردة عن الأئمة عليهم السلام.
وتوضح هذه الروايات أن الشيعة ينقلون أحاديث باطلة أو مشكوك في صحتها حول الخمس، ويعتبرون أن كل ما يكتسبه الإنسان من الغنائم والمعادن والكنوز والفوائد من المكاسب هو خاضع للخمس، حتى وإن كان في زمن غيبة الإمام. هذه التفاسير تؤكد أن الشيعة يضعون أحكامًا مالية تخدم مصالح فئة معينة وتغفل حقوق عامة الناس، وهو ما يثبت أن الشيعة فرقة ضالة تبني أحكامها على أحاديث غير صحيحة لتحقيق أغراضها الخاصة.
مستحق الخمس:
قالوا: يجب في مستحق الخمس الانتساب إلى عبد المطلب بن هاشم، وهم الآن أولاد أبي طالب، والعباس، والحارث، وأبي لهب، ولا يعطى غيرهم شيئاً. وجوَّز آخرين كابن الجنيد والمفيد في أحد قوليه إعطاء أولاد المطلب أيضاً. واشترطوا أيضاً انتسابهم إلى عبد المطلب بن هاشم بالأب لا بالأم، وخالفهم المرتضى[1]، وابن حمزة، والأردبيلي[2]، والبحراني، وغيرهم في هذا وقالوا: من انتسب إلى هاشم بالأمومة استحق الخمس، وحرمت عليه الزكاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «هذان ولداي إمامان قاما أو قعدا» يشير بذلك إلى الحسن والحسين عليهما السلام، وانتسابهما بالولادة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو بالأم.
ولا بأس من ذكر طرف من قول واستدلال هؤلاء على مذهبهم:
أولاً: الآيات القرآنية: والتي هي أقوى حجة وأظهر محجة وهي الواردة في باب النكاح وباب الميراث، فإنها متفقة في صدق الولد شرعاً على ولد البنت والابن وصدق الأب على الجد منهما، ولذلك ترتبت عليه الأحكام الشرعية في البابين المذكورين، والأحكام الشرعية لا تترتب إلا على المعنى الحقيقي للفظ دون المجازي المستعار الذي قد يعتبر وقد لا يعتبر.
ومن هذه الآيات: قوله عز وجل: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً﴾ [النساء: 22]، فإنه لا خلاف في أنه بهذه الآية يحرم على ابن البنت زوجة جده من الأم لكونه أباً له بمقتضى الآية، فهي تدل على أن أب الأم أب حقيقة إذ لولا ذلك لما اقتضت تحريم زوجة جده عليه، فيكون ولد البنت ولداً حقيقة.
ومن ذلك قوله عز وجل في تعداد المحرمات: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [النساء: 23]، فإنه لا خلاف في أنه بقوله: ﴿وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ يحرم نكاح الرجل لزوجة ابن ابنته لصدق الأبنية عليه المذكورة، ومنه كذلك قوله: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ فإنه بهذه الآية حرمت بنت البنت على جدها.
ومنه أيضا في تعداد من يحل نظره إلى الزينة قوله سبحانه: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31] فإنه بقوله عز وجل: ﴿أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ يحل لابن البنت النظر إلى زينة جدته لأمه بل زوجة جده بقوله: ﴿أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ﴾ .
ومنه في الميراث في حجب الزوجين عن السهم الأعلى وحجب الأبوين عما زاد على السدس قوله عز وجل: ﴿فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ....فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ....﴾ [النساء: 12]. وقوله عز وجل: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُث﴾ [النساء: 11]. فإن الولد في جميع هذه المواضع شامل بإطلاقه لولد البنت، والأحكام المذكورة مرتبة عليه بلا خلاف كما ترتبت على ولد الصلب بلا واسطة.
ومن الظاهر البين أنه لولا صدق الإطلاق حقيقة لما جاز ترتب الأحكام الشرعية المذكورة في جملة هذه الآيات ونحوها عليه.
الروايات في الباب:
1- عن أبي الجارود قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: "يا أبا الجارود! ما يقولون لكم في الحسن والحسين عليهما السلام؟ قلت: ينكرون علينا أنهما ابنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فأي شيء احتججتم عليهم؟ قلت: احتججنا عليهم بقول الله عز وجل في عيسى ابن مريم عليه السلام: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام: 84-85]، فجعل عيسى ابن مريم من ذرية نوح عليه السلام. قال عليه السلام: فأي شيء قالوا لكم؟ قلت: قالوا: قد يكون ولد الابنة من الولد ولا يكون من الصلب. قال: فأي شيء احتججتم عليهم؟ قلت: احتججنا عليهم بقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ..﴾ [آل عمران: 61] قال: فأي شيء قالوا؟ قلت: قالوا: قد يكون في كلام العرب أبناء رجل وآخر يقول: أبناؤنا. قال: فقال أبو جعفر عليه السلام: يا أبا الجارود! لأعطينكها من كتاب الله عز وجل أنهما من صلب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يردها إلا كافر. قلت: وأين ذلك جعلت فداك؟ قال: من حيث قال الله عز وجل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُم﴾ [النساء: 23].. الآية إلى أن انتهى إلى قوله تعالى: ﴿حَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: 23] فسلهم يا أبا الجارود: هل كان يحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم نكاح حليلتيهما؟ فإن قالوا: نعم؛ كذبوا وفجروا وإن قالوا: لا، فهما ابناه لصلبه"[3].
فقالوا: في الخبر كما ترى دلالة واضحة على أن إطلاق الولد في الآيات المتقدمة على ابن البنت على جهة الحقيقة وأنه ولد للصلب حقيقة وإن كان بواسطة لا فرق بينه وبين الولد للصلب الذي هو متفق عليه بينهم.
2- عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام أنه قال: "لو لم تحرم على الناس أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لقول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً﴾ [الأحزاب: 53]، حرمن على الحسن والحسين عليهما السلام لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] ولا يصلح للرجل أن ينكح امرأة جده، والتقريب فيها ما تقدم عند ذكر الآية المشار إليها"[4].
3- ومنها في حديث طويل عن الكاظم عليه السلام يتضمن ذكر ما جرىبينه وبين الخليفة هارون الرشيد لما أدخل عليه، وموضع الحاجة منه أنه قال له الرشيد: "لم جوزتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون لكم: يا بني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم بنو علي وإنما ينسب المرء إلى أبيه، وفاطمة إنما هي وعاء، والنبي صلى الله عليه وسلم جدكم من قبل أمكم؟ فقال: يا أمير المؤمنين! لو أن النبي صلى الله عليه وسلم نشر فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه؟ فقال: سبحان الله ولم لا أجيبه بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك. فقال: لكنه لا يخطب إلي ولا أزوجه. فقال: ولم؟ فقلت: لأنه ولدني ولم يلدك. فقال: أحسنت يا موسى. ثم قال: كيف قلتم: إنا ذرية النبي صلى الله عليه وسلم والنبي لم يعقب، وإنما العقب للذكر لا للأنثى وأنتم ولد لابنته ولا يكون لها عقب..." ثم ساق الخبر فذكر الآيات السابقة[5].
ولو كانت البنوة في هذه المواضع إنما هي على جهة المجاز فكيف تصلح هذه الآيات للاستدلال؟ وكيف يسلم الخصم تلك الدعوى؟ بل كيف يعترض الرشيد وغيره عليهم بتسمية الناس لهم أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم مجازاً، وباب المجاز واسع.
4- ومنها قولهم: عن بعض أصحابنا قال: «حضرت أبا الحسن الأول عليه السلام وهارون الخليفة وعيسى بن جعفر وجعفر بن يحيى بالمدينة وقد جاءوا إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال هارون لأبي الحسن عليه السلام: تقدم. فأبى، فتقدم هارون فسلم وقام ناحية فقال عيسى بن جعفر لأبي الحسن عليه السلام: تقدم. فأبى فتقدم عيسى فسلم ووقف مع هارون، فقال جعفر لأبي الحسن عليه السلام: تقدم. فأبى، فتقدم جعفر فسلم ووقف مع هارون، فتقدم أبو الحسن عليه السلام وقال: السلام عليك يا أبه، أسأل الله الذي اصطفاك واجتباك وهداك وهدى بك أن يصلي عليك. فقال هارون لعيسى: سمعت ما قال؟ قال: نعم. فقال هارون: أشهد أنه أبوه حقاً»[6].
فانظر أيدك الله إلى شهادة هارون بأبوته صلى الله عليه وسلم له عليه السلام حقاً وأي مجال للحمل على المجاز في ذلك؟
5- ومنها عن عائذ الأحمسي قال: «دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وأنا أريد أن أسأله عن صلاة الليل فقلت: السلام عليك يا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: وعليك السلام أي والله إنا لولده وما نحن بذوي قرابته..» الحديث[7].
أقول: انظر إلى صراحة كلامه عليه السلام في المطلوب والمراد، وقسمه على ذلك برب العباد وأنه ليس انتسابهم إليه صلى الله عليه وسلم بمجرد القرابة كما يدعيه ذوو العناد والفساد ومن تبعهم من أصحابنا ممن حاد في المسألة عن طريق السداد حيث حملوا لفظ الأبنية في حقهم عليه السلام على المجاز، وهي ظاهرة بل صريحة كما ترى في إرادة البنوة الحقيقية لا مسرح للعدول عنها والجواز.
ومجمل القول في هذه الأخبار ونحوها أنها قد دلت على دعواهم عليهم السلام البنوة له صلى الله عليه وسلم وافتخارهم بذلك وأن المخالفين أنكروها عليهم، وهم عليهم السلام قد استدلوا على إثباتها بالآيات القرآنية كما مرت، ولولا أن المراد بالبنوة الحقيقية لما كان لما ذكر من هذه الأمور وجه، لأن المجاز لا يوجب الافتخار ولا يصلح أن يكون محلاً للمخاصمة والجدال وطلب الأدلة وإيراد الآيات دليلاً عليه بل هذه الأشياء إنما تترتب على المعنى الحقيقي.
ويقول البحراني: (وممن اختار هذا القول أيضاً المحدث الفاضل السيد نعمة الله الجزائري في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: «إن ابني هذا سيد»، حيث قال: وفي قوله: ابني، هذا نص على أن ولد البنت ابن علي الحقيقة والأخبار به مستفيضة، وذكر الرضا عليه السلام في مقام المفاخرة مع المأمون أن ابنته عليه السلام تحرم على النبي صلى الله عليه وسلم بآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23]وإليه ذهب السيد المرتضى -طاب ثراه- وجماعة من أهل الحديث، وهو الأرجح والظاهر من الأخبار، فيكون من أمه علوية سيداًيجري عليه ما يكون للعلويين. وإن وجد ما يعارض الأخبار الدالة على ما ذكرناه فسبيله إما الحمل على التقية أو التأويل كما فصلنا الكلام فيه في شرحنا على التهذيب والاستبصار. وممن صرح بهذه المقالة أيضاً المحدث الصالح شيخنا الشيخ عبد الله بن صالح البحراني حيث قال في جواب سؤال عن هذه المسألة فأجاب بما ملخصه: إنه قد تحقق عندي وثبت لدي بأدلة قطعية عليها المدار والمعتمد من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وكفى بهما حجة مع اعتضادهما بالدليل العقلي أن أولاد البنات أولاد لأبي البنت حقيقة لا مجازا خلافاً للأكثر من علمائنا ووفاقاً للسيد المرتضى وأتباعه وهم جماعة من المتأخرين كما حققته في شرح كتاب من لا يحضره الفقيه مبسوطاً منقحاً بحيث لا يختلجني فيه الرين ولا يتطرق إلى فيه المين، ولكن حيث طلبت بيان الدليل فلنشر الآن إلىشيء قليل.. ثم ذكر آية عيسى عليه السلام وأنه من ذرية نوح عليه السلام وذكر آية﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: 23]إلى أن قال: ويدل عليه ما رواه الكليني في الكافي في صحيح محمد بن مسلم.. ثم ساق الرواية كما قدمناه ثم قال: فقد وضح من هذا أن الجد من الأم أب حقيقة لا مجازاً.. ثم ذكر آيتي﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: 7]وقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان: 2]وعضدهما بالأخبار التي أشرنا إليها آنفاً، ثم أضاف إلى ذلك أنه لو اختص الولد بنطفة الرجل لم يكن العقر من جانب المرأة وإنما يكون من جانب الرجل خاصة مع أنه ليس كذلك. ثم قال: وأما السنة فالأخبار فيها أكثر من أن تحصى، ومنها ما سبق، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم في ما تواتر عندنا للحسنين عليهما السلام: «ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا»، وقوله للحسين عليه السلام: «ابني هذا إمام ابن إمام أخو إمام»، وبالجملة فتسميتهما عليهما السلام ابنين وكونهما وجميع أولادهما التسعة المعصومين عليهم السلام يسمونه صلى الله عليه وسلم أباً، وخطاب الأمة إياهم بذلك من غير أن ينكر أمر متواتر، حتى أنه قدروى الكليني في الكافي والصدوق في الفقيه بإسناديهما الصحيح عن عائذ الأحمسي..ثم ساق الرواية كما قدمنا بزيادة ثلاث مرات بعد قوله: «والله إنا لولده ومانحن بذوي قرابته» قال: ولا وجه لتقرير السائل على ما فعله وقسمه عليه السلام بالاسم الكريم وتكرير ذلك ثلاثاً للتأكيد لأنه في مقام الإنكار، ونفيه انتسابهم إليه صلى الله عليه وسلم من جهة القرابة بل من جهة الولادة دليل واضح وبرهان لائح على أنهم أولاد حقيقة وليس كونهم أولاده إلا من جهة أمهم لا من أبيهم، فما ادعاه الأكثر من علمائنا - من أن تسميته صلى الله عليه وسلم إياهم أولاداً وتسميتهمعليهم السلام إياهصلى الله عليه وسلم أباً مجاز -لا حقيقة له بعد ذلك. وقولهم-: إن الإطلاق أعم من الحقيقةوالمجاز - كلام شعري لا يلتفت إليه ولا يعول عليه بعد ثبوت ذلك، ولو كانالأمر كما ذكروه لما جاز لأئمتنا عليهم السلام الرضا بذلك إذا خاطبهم منلا يعرف كون هذا الإطلاق حقيقة ولا مجازاً، لأن فيه إغراء بما لا يجوز، مع أنهلا يجوز لأحد أن ينتسب لغير نسبه أو يتبرأ من نسب وإن دق، فكيف بعد القسم والتأكيد ودفع ما عساه أن يتوهم.
وعلى هذا فقد تبين لك الجواب وأن من كانت أمه علوية أو أم أبيه أوأم أمه أو أم أم أبيه فقط أو أم أم أمه فصاعداً وأبوه من سائر الناس أنه علوي حقيقة، وفاطمي إن كان منسوباً إلى جده أو جدته أباً أو أماً إلى فاطمة بغير شك، ويترتب عليه كل ما يترتب على السيادة من جواز الانتساب إليهم عليهم السلام والافتخار بهم بل لا يجوز إخفاؤه والتبريء منه لما عرفت، وعلى هذا فيجوز النسبة في اللباس غير ذلك.
نعم عندي توقف في استحقاق الخمس لحديث رواه الكليني في الكافي وإن كان خبراً واحداً ضعيف الإسناد محتملاً للتقية وأن الترجيح لعدم العمل به للأدلة الصحيحة الصريحة المتواترة الموافقة للقرآن المخالفة للعامة، إلا أن التنزه عن أخذ الخمس أولى خصوصاً عند عدم الضرورة والعلم عند الله. انتهى).
وقال البحراني معلقاًً: (ما ذكره -قدس سره- جيد إلا أن توقفه أخيراً في جواز أخذ الخمس للرواية المشار إليها وهي مرسلة حماد المتقدمة لا وجه له.نعم لو كانت الرواية قد منعت من الخمس بقول مجمل من غير ذكر هذه العلة لربما أمكن احتمال ما ذكره، ولكن مع وجود العلة وظهور بطلانها بما ذكر من الأدلة يبطل ما ترتب عليها. على أن هذا الكلام خلاف العهود من طريقته في غير مقام بل طريقة جملة العلماء الأعلام، فإنه متى ترجح أحد الدليلين ولا سيما بمثل هاتين القاعدتين المنصوصتين فإنهم يرمون بالدليل المرجوح ويطرحونه كما صرحت به النصوص من أن ما خالف القرآن يضرب به عرض الحائط، وما وافق العامة يرمى به، وليت شعري أي حكم من الأحكام سلم من اختلاف الأخبار؟ مع أنهم في مقام الترجيح لأحد الخبرين يفتون به ويرمون الآخر، ولا سيما ما نحن فيه لما عرفت من الأدلة الظاهرة والبراهين الباهرة كتاباً وسنة المعتضدة بمخالفة العامة.
وبالجملة فكلامه وتوقفه لا أعرف له وجهاً، وكأنه تبع فيذلك شيخه العلامة الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني، فإنه كان يرجح مذهب السيد المرتضى في هذه المسألة، ولكن يمنع المنتسب بالأم من الخمس والزكاة احتياطاً، والظاهر أنه جرى على ما جرى عليه.
وظاهر صاحب المدارك أيضاً التوقف في أصل المسألة وكذا ظاهر المولى الفاضل الخراساني في الذخيرة، ولعمري إن من سرح بريد نظره في ما ذكرناه وأرسل رائد فكره في ما سطرناه لا يخفى عليه صحة ما اخترناه ولا رجحان ما رجحناه، وأن خلاف من خالف في هذه المسألة أو توقف من توقف إنما نشأ عن عدم إعطاء التأمل حقه في أدلة المسألة والتدبر فيها، ولم أقف على من أحاط بما ذكرناه من الأدلة والأخبار الواردة في هذا المضمار. وبالجملة فالحكم عندي فيها أوضح واضح والصبح فاضح)[8].
[1] رسائل المرتضى، للشريف المرتضى (3/257).
[2] مجمع الفائدة، للمحقق الأردبيلي (4/187) (ش) حيث قال: (وأما اشتراط كونهم منسوباً إلى الهاشم بالأب لا الأم فقط ففيه نظر).
[3] الحدائق الناضرة، للبحراني (12/399) (22/244)، جواهر الكلام، للجواهري (16/94)، الكافي، للكليني (8/318)، بحار الأنوار، للمجلسي (43/232، 233)، تفسير نور الثقلين، للحويزي (1/461، 742)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (14/316).
[4] الحدائق الناضرة، للبحراني (12/400) (23/103)، غنائم الأيام، للميرزا القمي (4/364)، الكافي، للكليني (5/420)، تفسير نور الثقلين، للحويزي (1/460).
[5] الحدائق الناضرة، للبحراني (12/400) (22/247)، عيون أخبار الرضا (ع)، للصدوق (2/80)، بحار الأنوار، للمجلسي (48/127) (93/240)، كتاب الأربعين، للماحوزي (308)، أعيان الشيعة، لمحسن الأمين (2/8)، موسوعة المصطفى والعترة (ع)، للحاج حسين الشاكري (11/170).
[6] الحدائق الناضرة، للبحراني (12/404) (17/425) (22/249)، الكافي، للكليني (4/553)، تهذيب الأحكام، للطوسي (6/6)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (10/268)، بحار الأنوار، للمجلسي (48/136)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (12/247).
[7] الحدائق الناضرة، للبحراني (6/36) (12/404)، الكافي، للكليني (3/487)، بحار الأنوار، للمجلسي (79/288)، كشف الغمة، للإربلي (2/409).
[8] الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني (12/412-416).