يُعدّ مفهوم “الرب” من أعظم المفاهيم العقدية في الإسلام، إذ يرتبط بتوحيد الله في الخلق والتدبير والملك والعبادة. وقد تكرر هذا الاسم العظيم في القرآن الكريم مئات المرات مقرونًا بإثبات صفات الربوبية المطلقة لله تعالى وحده، مثل قوله سبحانه:
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ... يُدَبِّرُ الْأمر﴾
وقوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾.
إلا أن بعض الكتابات العرفانية والفلسفية المتأخرة نسبت إلى بعض أعلام الإمامية تفسيرًا لقول الله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾
بأن المقصود بـ “ربكم” هو الإمام، لا الله سبحإنه وتعالى.
وهذا الفهم يثير إشكالًا عقديًا ولغويًا بالغ الخطورة، لإنه ينقل اللفظ من معناه القرآني المستقر إلى معنى محدث يخالف السياق، ويصادم آيات أخرى صريحة في بيان أن المدبر والخالق والمرجع هو الله وحده.
في هذا المقال نناقش هذه الدعوى من خلال:
تحليل سياق الآية في سورة الرعد ويونس.
دراسة معنى كلمة “الرب” في كتب اللغة مثل لسان العرب والفروق اللغوية.
بيان الفرق بين الإطلاق المطلق لاسم “الرب” وبين الإضافة المقيدة.
مقارنة التفسير المذكور بالنصوص القرآنية المحكمة في باب التوحيد.
لنخلص إلى قراءة علمية متوازنة تبين مدى انسجام هذا القول — أو تعارضه — مع أصول العقيدة الإسلامية.
قال الخميني في مصباح الهداية:
" وبالحري أن نذكر مالخصه الشيخ العارف الكامل القاضي سعيد القمي مما فصله بعض أهل المعرفة: قال في البوارق الملكوتية......................
وخرج بأمر الحق إلى الاسم "الرب" فقال له" صدر الأمر بأن تفعل أنت ما تقتضيه المصلحة في بقاء الممكنات. فقال سمعاً وطاعة. وأخذ وزيرين يعينإنه على مصالحه. وهما "المدبر" و"المفصل". قال الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأمر يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ أي ربكم الذي هو الإمام. فانظر ما أحكم كلام الله وأتقن صنع الله انتهى " اهـ.
63 - مصباح الهداية - الخميني - ص 154 – 155
قولهم أن المقصود في الاية بلقاء ربكم:
اي ربكم هو الإمام هو عين قول السبئية الذين حرقهم علي رضي الله عنه وقتلهم شر قتلة. فَحُكمُ علي رضي الله عنه بسعيد القمي ومن يستحسن كلامه وينقله مستشهدا به مقرا له – اي الخميني – هو التحريق والقتل.
ولنقرأ النص القرآني وننظر هل يتوافق مع قول هؤلاء المتلاعبين بكتاب الله تعالى، أم إنه يكذبهم، ويبين زيف قولهم، قال الله تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأمر يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2): الرعد ﴾
نقض هذا القول:
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأمر مَا مِنْ شَفِيعٍ إلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنه يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كانوا يَكْفُرُونَ (4) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) أن فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 3-6]
معنى كلمة الرب:
الرب اسم من أسماء الله تعالى، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة، تقول: رب الدار، رب كذا، وأما الرب فلا يقال إلا لله عز وجل وقد قيل إنه الاسم الأعظم، كما ذكر ذلك عدد من المفسرين.
وهو في اللغة يطلق على عدة معانٍ:
يطلق على المالك، كما يقال لمالك الدار: رب الدار ويطلق على السيد، ومنه قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّك ﴾ [يوسف:42]،: وفي الحديث: أن تلد الأمة ربتها أي سيدتها، كما يقال لمالك الدار رب الدار، ويطلق على المصلح والمدبر والقائم. قال الهروي وغيره: يقال لمن قام بإصلاح شيء وإتمامه: قد ربه يربه فهو رب له، ومنه سمي الربانيون لقيامهم بالكتب. وفي الحديث: هل لك من نعمة تربُّها عليه. أي تقوم بها وتصلحها.
ويطلق على: المعبود، ومنه قول الشاعر:
أرب يبول الثعلبان برأسه == لقد ذل من بالت عليه الثعالب
وهو بكل هذه المعاني صحيح إطلاقه على الله تعالى فهو المالك وهو السيد وهو المصلح والمدبر وهو المعبود بحق.
والله أعلم.
الْفرق بَين الصّفة بِرَبّ وَالصّفة بِسَيِّد:
أَن السَّيِّد مَالك من يجب عَلَيْهِ طَاعَته نَحْو سيد الْأمة والغلام وَلَا يجوز سيد الثَّوْب كَمَا يجوز رب لاثوب وَيجوز رب بِمَعْنى سيد فِي الْإِضَافَة وَفِي الْقُرْآن (فيسقي ربه خمرًا) وَلَيْسَ ذَلِك فِي كل مَوضِع إلا ترى أن العَبْد يَقُول لسَيِّده يَا سَيِّدي وَلَا يجوز أن يَقُول يَا رَبِّي فَأَما قَول عدي بن زيد من الْخيف
(إِن رَبِّي لَوْلَا تَدَارُكه الْملك بَاهل الْعرَاق سَاءَ العذير...)
يَعْنِي النُّعْمَان بن الْمُنْذر والعذير الْحَال فَإِن ذَلِك كان مُسْتَعْملا ثمَّ ترك اسْتِعْمَاله كَمَا ترك أَبيت اللَّعْن وَعم صباحا وَمَا أشبه ذَلِك
الْفرق بَين الصّفة بِرَبّ وَالصّفة بِمَالك
أَن الصّفة بِرَبّ أفخم من الصّفة بِمَالك لِأَنَّهَا من تَحْقِيق الْقُدْرَة على تَدْبِير مَا ملك فقولنا رب يتَضَمَّن معنى الْملك وَالتَّدْبِير فَلَا يكون إلا مُطَاعًا أيضًا وَالشَّاهِد قَوْله الله تَعَالَى (اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله) أَي سادة يطيعونهم وَالصّفة بِمَالك تَقْتَضِي الْقُوَّة على تصريف مَا ملك وَهُوَ من قَوْلك ملكت الْعَجِين غذا أَجدت عجنه فقوي وَمِنْه قَول الشَّاعِر من الطَّوِيل
(ملكت بهَا كفي فأنهزت فتقها... يرى قَائِم من دونهَا مَا وَرَاءَهَا)
أَي قويت بهَا كفي ثمَّ كثر حَتَّى جرى على معنى مَالك فِي الحكم كَالصَّبِيِّ الْمَالِك لما لَا يقدر على تصريفه إلا فِي الحكم أَي حكمه حكم الْقَادِر على تصريف مَاله وَلذَلِك لم يحسن إِطْلَاق الصّفة بِرَبّ إلا على الله تَعَالَى وَالصّفة بِرَبّ أيضًا تَقْتَضِي معنى المصلح وَمِنْه رببت النِّعْمَة إذا أصلحتها بإتمامها وأديم مربوب مصلح وَيجوز أن يُقَال أن قَوْلنَا رب يَقْتَضِي معنى ولَايَة الْأمر حَتَّى يتم وَمن ثمَّ قيل رب الْوَلَد وَرب السمسم وشَاة ربى وَهِي مثل النُّفَسَاء من النِّسَاء وَقيل لَهَا ذَلِك لِأَنَّهَا تربي وَلَدهَا فالياء فِي التربية أَصْلهَا بَاء نقلت إلى حرف الْعلَّة كَمَا قيل فِي الظَّن التظني
الْفرق بَين الصّفة بِرَبّ وَالصّفة بِقَادِر
أَن الصّفة بِقَادِر أَعم من حَيْثُ تجْرِي الْمَقْدُور نَحْو قَادر أن يقوم وَلَا يجوز الصّفة بِرَبّ إلا فِي الْمُقدر الْمصرف الْمُدبر وَصفَة قَادر تجْرِي فِي كل وَجه وَهُوَ الأَصْل فِي هَذَا الْبَاب وَقَالَ بَعضهم لَا يُقَال الرب إلا لله فَرده بَعضهم وَقَالَ قد جَاءَ عَن الْعَرَب خلاف ذَلِك وَهُوَ قَول الْحَارِث بن حلزة (من الْخَفِيف)
(وَهُوَ الرب والشهيد على يو... م الحيارين وَالْبَلَاء بلَاء)
وَالْقَوْل الأول هُوَ الصَّحِيح لِأَن قَوْله الرب هَهُنَا لَيْسَ بِإِطْلَاق لِإنه خبر هُوَ وَذَلِكَ الشَّهِيد والشهيد هُوَ الرب وهما يرجعان إلى هُوَ فَإذا كان الشَّهِيد هُوَ الرب وَقد خص الشَّهِيد بِيَوْم الحيارين فَيَنْبَغِي أن يكون خصوصة خُصُوصا للرب لِإنه وَأما قَول عدي بن زيد من الْبَسِيط
(وراقد الرب مغبوط بِصِحَّتِهِ... وطالب الْوَجْه يرضى الْحَال مُخْتَار)
فان ذَلِك من خطابهم وَمثله تسميتهم الصَّنَم إِلَهًا ومسيلمة رحمانا وَأَرَادَ بِالْوَجْهِ وَجه الْحق
الْفرق بَين السَّيِّد وَالْمَالِك:
أَن السَّيِّد فِي المالكين كَالْعَبْدِ فِي المملوكات فَكَمَا لَا يكون العَبْد إلا مِمَّن يعقل فَكَذَلِك لَا يكون السَّيِّد إلا مِمَّن يعل وَالْمَالِك يكون كَذَلِك وَلغيره فَيُقَال هَذَا سيد الْعِيد وَمَالك العَبْد وَيُقَال هُوَ مَالك الدَّار وَلَا يُقَال سيد الدَّار وَيُقَال للقادر مَالك فعله وَلَا يُقَال سيد فعله وَالله تَعَالَى سيد لِإنه مَالك لجنس من يعقل.
الفروق اللغوية لأبو هلال الحسن بن عبدالله العسكري (توفي 395) جزء 1 صفحة 186 – 187
ربب: الرَّبُّ: هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، هُوَ رَبُّ كلِّ شيءٍ أَي مالكُه، وَلَهُ الرُّبوبيَّة عَلَى جَمِيعِ الخَلْق، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ رَبُّ الأَرْبابِ، ومالِكُ المُلوكِ والأَمْلاكِ. وَلَا يُقَالُ الربُّ فِي غَيرِ اللهِ، إلا بالإِضافةِ، قَالَ: وَيُقَالُ الرَّبُّ، بالأَلِف وَاللَّامِ، لغيرِ اللهِ؛ وَقَدْ قَالُوهُ فِي الجاهلية للمَلِكِ؛ قَالَ الْحَرِثُ بْنُ حِلِّزة:
وَهُوَ الرَّبُّ، والشَّهِيدُ عَلى يَوْمِ... الحِيارَيْنِ، والبَلاءُ بَلاءُ
والاسْم: الرِّبابةُ؛ قَالَ:
يَا هِنْدُ أَسْقاكِ، بِلَا حِسابَهْ،... سُقْيَا مَلِيكٍ حَسَنِ الرِّبابهْ
والرُّبوبِيَّة:
كالرِّبابة. وعِلْمٌ رَبُوبيٌّ: منسوبٌ إلى الرَّبِّ، عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ. وَحَكَى أحمد بْنُ يَحْيَى: لَا وَرَبْيِكَ لَا أَفْعَل. قَالَ: يريدُ لَا وَرَبِّكَ، فأَبْدَلَ الباءَ يَاءً، لأَجْلِ التَّضْعِيفِ. وربُّ كلِّ شيءٍ: مالِكُه ومُسْتَحِقُّه؛ وَقِيلَ: صاحبُه. وَيُقَالُ: فلانٌ رَبُّ هَذَا الشيءِ أَي مِلْكُه لَهُ. وكُلُّ مَنْ مَلَك شَيْئًا، فَهُوَ رَبُّه. يُقَالُ: هُوَ رَبُّ الدابةِ، وربُّ الدارِ، وفلانٌ رَبُّ البيتِ، وهُنَّ رَبَّاتُ الحِجالِ؛ وَيُقَالُ: رَبٌّ، مُشَدَّد؛ ورَبٌ، مخفَّف؛ وأَنشد الْمُفَضَّلُ:
وَقَدْ عَلِمَ الأَقْوالُ أن ليسَ فوقَه... رَبٌ، غيرُ مَنْ يُعْطِي الحُظوظَ، ويَرْزُقُ
وَفِي حَدِيثِ أَشراط السَّاعَةِ:
وأَن تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّها، أَو رَبَّتَها. قَالَ: الرَّبُّ يُطْلَق فِي اللُّغَةِ عَلَى المالكِ، والسَّيِّدِ، والمُدَبِّر، والمُرَبِّي، والقَيِّمِ، والمُنْعِمِ؛ قَالَ: وَلَا يُطلَق غيرَ مُضافٍ إلا عَلَى اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، وإذا أُطْلِق عَلَى غيرِه أُضِيفَ، فقيلَ: ربُّ كَذَا. قَالَ: وَقَدْ جاءَ فِي الشِّعْر مُطْلَقاً عَلَى غيرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ بالكثيرِ، وَلَمْ يُذْكَر فِي غَيْرِ الشِّعْر. قَالَ: وأَراد بِهِ فِي هَذَا الحديثِ المَوْلَى أَو السيِّد، يَعْنِي أن الأَمَةَ تَلِدُ لسيِّدها ولَداً، فَيَكُونُ كالمَوْلى لَهَا، لإنه فِي الحَسَب كأَبيه. أَراد: أن السَّبْي يَكْثُر، والنِّعْمة تظْهَر فِي النَّاسِ، فتكثُر السَّراري. وَفِي حَدِيثِ إِجابةِ المُؤَذِّنِ:
اللهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدعوةِ
أَي صاحِبَها؛ وَقِيلَ: المتَمِّمَ لَها، والزائدَ فِي أَهلها والعملِ بِهَا، والإِجابة لَهَا. وَفِي حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا يَقُل المَمْلوكُ لسَيِّده: ربِّي؛ كَرِهَ أن يَجْعَلَ مَالِكَهُ رَبّاً لَهُ، لمُشاركَةِ اللَّهِ فِي الرُّبُوبيةِ؛ فأَما قَوْلُهُ تَعَالَى: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ؛ فإنه خاطَبَهم عَلَى المُتَعارَفِ عِنْدَهُمْ، وَعَلَى مَا كانوا يُسَمُّونَهم بِهِ؛ وَمِنْهُ قولُ السأمريّ: وَانْظُرْ إلى إِلهِكَ أَي الَّذِي اتَّخَذْتَه إِلهاً. فأَما الْحَدِيثُ فِي ضالَّةِ الإِبل: حَتَّى يَلْقاها رَبُّها؛ فإِنَّ البَهائم غَيْرُ مُتَعَبَّدةٍ وَلَا مُخاطَبةٍ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الأَمْوالِ الَّتِي تَجوز إِضافةُ مالِكِيها إِليها، وجَعْلُهم أَرْباباً لَهَا.
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رَبُّ الصُّرَيْمة ورَبُّ الغُنَيْمةِ.
وَفِي حَدِيثِ عروةَ بْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لمَّا أَسْلَم وعادَ إلى قَوْمِهِ، دَخل مَنْزِلَهُ، فأَنكر قَومُه دُخُولَه، قبلَ أن يأْتِيَ الربَّةَ، يَعْنِي اللَّاتَ، وَهِيَ الصخرةُ الَّتِي كانتْ تَعْبُدها ثَقِيفٌ بالطائفِ.
وَفِي حَدِيثِ وَفْدِ ثَقِيفٍ:
كان لَهُمْ بَيْتٌ يُسَمُّونه الرَّبَّةَ، يُضاهِئُونَ بِهِ بَيْتَ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا أَسْلَمُوا هَدَمَه المُغِيرةُ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾، فادْخُلي في عَبْدي؛ فِيمَنْ قرأَ بِهِ، فَمَعْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعلم: ارْجِعِي إلى صاحِبِك الَّذِي خَرَجْتِ مِنْهُ، فادخُلي فِيهِ؛ والجمعُ أَربابٌ ورُبُوبٌ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إنه رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ
؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: أن الْعَزِيزَ صاحِبِي أَحْسَنَ مَثْوايَ؛ قَالَ: وَيَجُوزُ أن يكونَ: اللهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ. والرَّبِيبُ: المَلِكُ؛ قَالَ أمرؤُ الْقَيْسِ:
فَمَا قاتلُوا عَنْ رَبِّهم ورَبِيبِهم،... وَلَا آذَنُوا جَارًا، فَيَظْعَنَ سالمَا
أَي مَلِكَهُمْ. ورَبَّهُ يَرُبُّهُ رَبّاً: مَلَكَه. وطالَتْ مَرَبَّتُهم الناسَ ورِبابَتُهم أَي مَمْلَكَتُهم؛ قَالَ علقمةُ بْنُ عَبَدةَ:
وكنتُ أمرأً أَفْضَتْ إِليكَ رِبابَتِي،... وقَبْلَكَ رَبَّتْنِي، فَضِعتُ، رُبوبُ «3»
ويُروى رَبُوب؛ وَعِنْدِي إنه اسْمٌ لِلْجَمْعِ. وإنه لَمَرْبُوبٌ بَيِّنُ الرُّبوبةِ أَي لَمَمْلُوكٌ؛ والعِبادُ مَرْبُوبونَ للهِ، عَزَّ وَجَلَّ، أَي مَمْلُوكونَ. ورَبَبْتُ القومَ: سُسْتُهم أَي كنتُ فَوْقَهم. وَقَالَ أبو نَصْرٍ: هُوَ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: لأَنْ يَرُبَّنِي فُلَانٌ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أن يَرُبَّنِي فُلَانٌ؛ يَعْنِي أن يكونَ رَبّاً فَوْقِي، وسَيِّداً يَمْلِكُنِي؛ وَرُوِيَ هَذَا عَنْ صَفْوانَ بنِ أُمَيَّةَ، إنه قَالَ يومَ حُنَيْنٍ، عِنْدَ الجَوْلةِ الَّتِي كانتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ أبو سفيانَ: غَلَبَتْ واللهِ هَوازِنُ؛ فأَجابه صفوانُ وَقَالَ: بِفِيكَ الكِثْكِثُ، لأَنْ يَرُبَّنِي رجلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أن يَرُبَّني رجلٌ مِنْ هَوازِنَ. ابْنُ الأَنباري: الرَّبُّ يَنْقَسِم عَلَى ثَلَاثَةِ أَقسام: يَكُونُ الرَّبُّ المالِكَ، وَيَكُونُ الرَّبُّ السّيدَ المطاع؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً، أَي سَيِّدَه؛ وَيَكُونُ الرَّبُّ المُصْلِحَ. رَبَّ الشيءَ إذا أَصْلَحَه؛ وأَنشد:
يَرُبُّ الَّذِي يأْتِي منَ العُرْفِ إنه،... إذا سُئِلَ المَعْرُوفَ، زادَ وتَمَّما
وَفِي حَدِيثِ: ابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: لأَن يَرُبَّنِي بَنُو عَمِّي، أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أن يَرُبَّنِي غيرُهم، أَي يَكُونُونَ عليَّ أمراءَ وَسَادَةً مُتَقَدِّمين، يَعْنِي بَنِي أُمَيَّةَ، فإِنهم إلى ابنِ عباسٍ فِي النَّسَبِ أَقْرَبُ مِنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ. يُقَالُ: رَبَّهُ يَرُبُّه أَي كان لَهُ رَبّاً. وتَرَبَّبَ الرَّجُلَ والأَرضَ: ادَّعَى إنه رَبُّهما. والرَّبَّةُ: كَعْبَةٌ كانتْ بنَجْرانَ لِمَذْحِج وبني الحَرث بْنِ كَعْب، يُعَظِّمها الناسُ. ودارٌ رَبَّةٌ: ضَخْمةٌ؛ قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
وَفِي كلِّ دارٍ رَبَّةٍ، خَزْرَجِيَّةٍ،... وأَوْسِيَّةٍ، لِي فِي ذراهُنَّ والِدُ
ورَبَّ ولَدَه والصَّبِيَّ يَرُبُّهُ رَبّاً، ورَبَّبَه تَرْبِيباً وتَرِبَّةً، عَنِ اللِّحْيَانِيِّ: بِمَعْنَى رَبَّاه.
وَفِي الْحَدِيثِ: لكَ نِعْمةٌ تَرُبُّها، أَي تَحْفَظُها وتُراعِيها وتُرَبِّيها، كَمَا يُرَبِّي الرَّجُلُ ولدَه؛ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ ذِي يَزَنَ: أُسْدٌ تُرَبِّبُ، فِي الغَيْضاتِ، أَشْبالا أَي تُرَبِّي، وَهُوَ أَبْلَغ مِنْهُ وَمِنْ تَرُبُّ، بِالتَّكْرِيرِ الَّذِي فِيهِ. وتَرَبَّبَه، وارْتَبَّه، ورَبَّاه تَرْبِيَةً، عَلَى تَحْويلِ التَّضْعيفِ، وتَرَبَّاه، عَلَى تَحْوِيلِ التَّضْعِيفِ أيضًا: أَحسَنَ القِيامَ عَلَيْهِ، وَوَلِيَه حَتَّى يُفارِقَ الطُّفُولِيَّةَ، كان ابْنَه أَو لَمْ يَكُنْ؛ وأَنشد اللِّحْيَانِيُّ:
تُرَبِّبُهُ، مِنْ آلِ دُودانَ، شَلّةٌ... تَرِبَّةَ أُمٍّ، لَا تُضيعُ سِخَالَها
وَزَعَمَ ابْنُ دُرَيْدٍ: أن رَبِبْتُه لغةٌ؛ قَالَ: وَكَذَلِكَ كُلُّ طِفْل مِنَ الْحَيَوَانِ، غَيْرَ الإِنسان؛ وَكان يُنْشِدُ هَذَا الْبَيْتَ:
كان لَنَا، وهْوَ فُلُوٌّ نِرْبَبُهْ
كَسَرَ حَرْفَ المُضارعةِ ليُعْلَم أن ثَانِيَ الْفِعْلِ الْمَاضِي مَكْسُورٌ، كَمَا ذَهَبَ إِليه سِيبَوَيْهِ فِي هَذَا النَّحْوِ؛ قَالَ: وَهِيَ لُغَةُ هُذَيْلٍ فِي هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الْفِعْلِ. والصَّبِيُّ مَرْبُوبٌ ورَبِيبٌ، وَكَذَلِكَ الْفَرَسُ؛ والمَرْبُوب: المُرَبَّى؛ وَقَوْلُ سَلامَة بْنِ جَنْدَلٍ:
لَيْسَ بأَسْفَى، وَلَا أَقْنَى، وَلَا سَغِلٍ،... يُسْقَى دَواءَ قَفِيِّ السَّكْنِ، مَرْبُوبِ
يَجُوزُ أن يَكُونَ أَراد بِمَرْبُوبٍ: الصَّبِيَّ، وأَن يَكُونَ أَراد بِهِ الفَرَس؛ وَيُرْوَى: مربوبُ أَي هُوَ مَرْبُوبٌ. والأَسْفَى: الخفيفُ الناصِيَةِ؛ والأَقْنَى: الَّذِي فِي أَنفِه أحديدابٌ؛ والسَّغِلُ: المُضْطَرِبُ الخَلْقِ؛ والسَّكْنُ: أهل الدَّارِ؛ والقَفِيُّ والقَفِيَّةُ: مَا يُؤْثَرُ بِهِ الضَّيْفُ والصَّبِيُّ؛ وَمَرْبُوبٌ مِنْ صِفَةِ حَتٍّ فِي بَيْتٍ قَبْلَهُ، وَهُوَ:
مِنْ كلِّ حَتٍّ، إذا مَا ابْتَلَّ مُلْبَدهُ،... صافِي الأَديمِ، أَسِيلِ الخَدِّ، يَعْبُوب
الحَتُّ: السَّريعُ. واليَعْبُوب: الفرسُ الكريمُ، وَهُوَ الواسعُ الجَرْي. وَقَالَ أحمد بْنُ يَحيى للقَوْمِ الَّذِينَ اسْتُرْضِعَ فِيهِمُ النبيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرِبَّاءُ النبيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كإنه جمعُ رَبِيبٍ، فَعِيلٍ بِمَعْنَى فَاعِلٍ؛ وقولُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ:
ولأَنْتِ أَحسنُ، إذ بَرَزْتِ لَنَا... يَوْمَ الخُروجِ، بِساحَةِ القَصْرِ
مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ، صافيةٍ،... مِمَّا تَرَبَّب حائرُ البحرِ
يَعْنِي الدُّرَّةَ الَّتِي يُرَبِّيها الصَّدَفُ فِي قَعْرِ الماءِ.
لسان العرب لابن منظور جزء 1 صفحة 399 – 402 طبعة دار صادر – بيروت - الطبعة الثالثة
ومثل الملك، فإني املك الكتاب الذي عندي وانت لا تملكه.