يُعَدُّ حديث «لنحتالن له» من الأحاديث التي كثر حولها النقاش، لما يتضمنه من مشهدٍ إنساني وقع في بيت النبوة، ولارتباطه بسبب نزول صدر سورة التحريم. وقد ورد هذا الحديث في الصحيح من رواية أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وفيه بيان ما كان من غيرة بعض أمهات المؤمنين، وكيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الموقف برفق وحكمة.
ويهدف هذا المقال إلى دراسة الحديث من جوانبه المختلفة: من حيث الرواية والسند، وشرح الألفاظ الغريبة مثل «المغافير» و«جرست نحله العرفط»، وبيان معنى قول عائشة رضي الله عنها «أما والله لنحتالن له»، مع عرض أقوال كبار الشُّرَّاح كالقسطلاني في إرشاد الساري، والكرماني في الكواكب الدراري، والطيبي في شرح المشكاة. كما يتناول المقال اختلاف الروايات في تحديد صاحبة العسل، وهل كانت حفصة أم زينب أم سودة رضي الله عنهن.
وسيتضح من خلال العرض أن ما وقع إنما هو من مقتضيات الغيرة الطبيعية التي جُبِلَت عليها النساء، وإنه لا يتعارض مع مكانة أمهات المؤمنين وفضلهن، بل يُظهِر بشريتهن، كما يُبرز حِلم النبي صلى الله عليه وسلم وحسن تعامله.
رواية لنحتالن له:
4896 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرُّومِيِّ، حَدَّثَنَا أبو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كان رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ، فَكان إذا صَلَّى الْعَصْرَ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْهُنَّ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَاحْتَبَسَ عِنْدَهَا أَكْثَرَ مِمَّا كان يَحْتَبِسُ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لِي: أَهْدَتْ لَهَا أمرأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةَ عَسَلٍ، فَسَقَتِ النَّبِيَّ شَرْبَةً. فَقُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَوْدَةَ قُلْتُ: إذا دَخَلَ عَلَيْكِ فَإنه سَيَدْنُو فَقُولِي لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَإنه سَيَقُولُ لَكِ: «سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ». فَقُولِي لَهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ، وَسَأَقُولُ ذَلِكَ لَهُ، وَقُولِي أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى سَوْدَةَ قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَقَدْ ذَكَرْتُ أن أُبَادِئَهُ بِالَّذِي قُلْتِ وإنه لَعَلَى الْبَابِ فَرَقًا مِنْكِ. فَلَمَّا دَنَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ: «لَا». قُلْتُ: مَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ قَالَ: «سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ». قَالَتْ: قُلْتُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيَّ قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى صَفِيَّةَ فَقَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْقِيكَ؟ قَالَ: «لَا حَاجَةَ لِي بِهِ». قَالَ: تَقُولُ سَوْدَةُ: سُبْحَانَ اللَّهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ. قَالَتْ: قُلْتُ: اسْكُتِي "
أما وَالله لَنَحْتالَنَّ لهُ. (والله لنحتالن له) أي لأجله.
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني جزء 7 صفحة 112
لم تقل لنحتالن عليه
معنى المغافير:
(9) الْمَغَافِيرُ: صَمْغٌ يسيل من شَجَرٍ يُقَالُ لَهُ: الْعُرْفُطُ، حُلْوٌ، غير إنه كَرِيهُ الرَّائِحَةِ قَدْ تُجْرِسُهُ النَّحْلُ، أَيْ تَأكُلُهُ.
حديث: واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة، فقلت: ﴿عسى ربه أن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن﴾ فنزلت كذلك.
الشرح:
قوله: ((في الغيرة)) عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب العسل والحلو، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من أحداهن، فدخل على حفصة بنت عمر، فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فغرت فسألت عن ذلك فقيل لي: أهدت لها أمرأة من قومها عكة من عسل، فسقت النبي صلى الله عليه وسلم منه شربة، فقلت: أما والله لنحتالن له... الحديث، فنزل: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك...﴾.
شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن جزء 12 صفحة 3864
تحقيق عبد الحميد هنداوي الطبعة الاولى مكتبة نزار مكة – الرياض
قوله (لنحتالن) فان قلت كيف جاز على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم الاحتيال قلت هو من مقتضيات الغيرة الطبيعية للنساء أو هو صغيرة معفو عنها.
الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري لشمس الدين الكرماني جزء 19 صفحة 190 طبعة دار احياء التراث العربي
وقد اختلف في التي شرب عندها العسل ففي طريق عبيد بن عمير السابقة إنه كان عند زينب وعند المؤلّف من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في الطلاق إنها حفصة بنت عمر ولفظه قالت: كان رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يحب العسل والحلواء وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من أحداهن فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس فغرت فسألت عن ذلك فقيل لي أهدت لها أمرأة من قومها عكة عسل فسقت النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- منها شربة فقلت أما والله لنحتالن له فقلت لسودة بنت زمعة إنه سيدنو منك فإذا دنا منك فقولي له ما هذه الريح التي أجد منك؟ الحديث، وفيه: وقولي أنت يا صفية ذاك وعند ابن مردويه من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن شربه كان عند سودة وأن عائشة وحفصة هما اللتان تظاهرتا على وفق ما في رواية عبيد بن عمير وإن اختلفا في صاحبة العسل فيحمل على التعدّد أو رواية ابن عمير أثبت لموافقة ابن عباس لها على أن المتظاهرين حفصة وعائشة، فلو كانت حفصة صاحبة العسل لم تقرن في المظاهرة بعائشة.
وفي كتاب الهبة عن عائشة أن نساء النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كنَّ حزبين أنا وسودة وحفصة وصفية في حزب، وزينب بنت جحش وأم سلمة والباقيات في حزب، وهذا يرجح أن زينب هي صاحبة العسل، ولذا غارت عائشة منها لكونها من غير حزبها ويأتي مزيد بحث لفوائد هذا الحديث أن شاء الله تعالى في الطلاق بعون الله.
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني جزء 7 صفحة 393