من الأحاديث التي أُسيءَ فهمها عند بعض الناس قول أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها للنبي ﷺ: «ما أرى ربك إلا يسارع في هواك»، وهو حديثٌ ثابتٌ في صحيح البخاري، ورد في سياق حديثها عن غيرتها رضي الله عنها عندما نزل قول الله تعالى: ﴿تُرْجِئُ مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: 51].

وقد حاول بعض المغرضين أو الجهلة حمل الحديث على غير وجهه الصحيح، بل جعلوه مدخلًا للطعن في مقام النبوة أو في أدب أم المؤمنين رضي الله عنها، مع أن العلماء المحققين بيّنوا المعنى المراد، وأوضحوا أن «الهوى» هنا بمعنى المحبة المشروعة والتوسعة والتخفيف، لا بمعنى الهوى المذموم.

ويهدف هذا المقال إلى بيان المعنى الصحيح للحديث من خلال أقوال كبار الأئمة، وبيان سلامة لفظ أم المؤمنين رضي الله عنها، والرد على الشبهات المثارة حوله، مع إظهار التناقض عند بعض الفرق الضالة التي تُنكر هذا اللفظ هنا، بينما تُثبت ألفاظًا أشد منه في كتبها.

ما أرى ربك إلا يسارع في هواك:

قال الإمام البخاري:

 " 4788 - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أبو أُسَامَةَ، قَالَ هِشَامٌ: حَدَّثَنَا عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَقُولُ أَتَهَبُ المَرْأَةُ نَفْسَهَا؟» فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تُرْجِئُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ قُلْتُ: مَا أُرَى رَبَّكَ إلا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ "

صحيح البخاري - بَابُ قَوْلِهِ: ﴿تُرْجِئُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ - ج 6 ص 117

الحديث يتعلق بغيرة عائشة رضي الله عنها على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، والهوى المذكور في الحديث معناه التوسعة، والرضى، والمحبة،

قال القاضي عياض:

" قوله فهوى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أي أحبه بكسر الواو واستحسنه والهوى المحبة ومنه قوله أن ربك يسارع في هواك "

مشارق الأنوار - أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي - ج 2 ص 273

وقال الإمام النووي:

 " قَوْلُهَا ﴿مَا أَرَى رَبَّكَ إلا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنْ أَرَى وَمَعْنَاهُ يُخَفِّفُ عَنْكَ وَيُوَسِّعُ عَلَيْكَ فِي الْأُمُورِ وَلِهَذَا خَيَّرَكَ "

195شرح صحيح مسلم – أبو زكريا يحيى بن شرف النووي - ج 10 ص 49 – 50

وقال الإمام ابن حجر:

 " قَوْلُهُ مَا أَرَى رَبَّكَ إلا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ أَيْ مَا أَرَى اللَّهَ إلا مُوجِدًا لِمَا تُرِيدُ بِلَا تَأْخِيرٍ مُنْزِلًا لِمَا تُحِبُّ وَتَخْتَارُ "

 فتح الباري – أحمد بن علي بن حجر - ج 8 ص 526

وقال الإمام العيني:

" قَوْله " إلا يُسَارع فِي هَوَاك " أَي فِي الَّذِي تحبه يَعْنِي مَا أرى إلا أن الله تَعَالَى موجد لمرادك بِلَا تَأْخِير منزلا لما تحبه وترضى "

 عمدة القاري -: أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى العينى - ج 20 ص 119

وقال الشيخ عبد المحسن بن حمد:

" قالت عائشة للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "ما أرى ربَّك إلا يُسارع في هواك " وقال عمر في قصة المشاورة في أسارى بدر: "فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولَم يهو ما قلتُ" وهذا الحديث مِمَّا جاء استعمال الهوى فيه بمعنى المحبة المحمودة "

فتح القوي المتين - عبد المحسن بن حمد العباد البدر - ج 1 ص 120

ولقد ورد عند الرافضة اثبات الهوى لله تعالى قال الكليني: " مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أحمد بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ رَزِينٍ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ عَنْ أبي حَمْزَةَ عَنْ أبي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وعِزَّتِي وجَلَالِي وعَظَمَتِي وبَهَائِي وعُلُوِّ ارْتِفَاعِي لَا يُؤْثِرُ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ هَوَايَ عَلَى هَوَاهُ فِي شَيْ ءٍ مِنْ أمر الدُّنْيَا إلا جَعَلْتُ غِنَاهُ فِي نَفْسِهِ وهِمَّتَهُ فِي آخِرَتِهِ وضَمَّنْتُ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضَ رِزْقَهُ وكُنْتُ لَهُ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَةِ كُلِّ تَاجِرٍ "

الكافي – الكليني - ج 2 ص 137، وقال المجلسي في مرآة العقول عن الرواية – صحيح – ج 8 ص 319

وقال محمد تقي المجلسي:

 " روى الكليني في القوي والمصنف في الموثق كالصحيح، عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يقول الله عز وجل وعزتي وجلالي وعظمتي وكبريائي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني، لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا استحفظته ملائكتي وكفلت السماوات والأرضين رزقه، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر وأتته الدنيا وهي راغمة.

و في الصحيح، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال الله عز وجل: وعزتي وجلالي وعظمتي وبهائي وعلو ارتفاعي، لا يؤثر عبد مؤمن هواي على هواه في شي ء من أمر الدنيا إلا جعلت غناه من نفسه وهمته في آخرته وضمنت السماوات والأرض رزقه وكنت له من وراء تجارة كل تاجر، وفي القوي كالصحيح، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أن الله عز وجل يقول: وعزتي وجلالي وعظمتي وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي على هوى نفسه إلا كففت عليه ضيعته وضمنت السماوات والأرض رزقه وكنت له من وراء تجارة كل تاجر "

روضة المتقين – محمد تقي المجلسي - ج 12 ص 127 – 128

وقد سمعت بعض الرافضة يستنكر على أم المؤمنين قولها ربك، فاقول أن هذا اسلوب قراني، فقد قال الله تعالى مخبرا عن الحواريين: ﴿ إذ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ أن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112): المائدة ، وقال تعالى: ﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكان لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكان تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكان أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أمري ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82): الكهف ، وقال تعالى: ﴿ فَأَقْبَلَتِ أمرأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إنه هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30): الذاريات .