هل الهداية وقبول الدعاء محصوران في الأئمة؟ قراءة عقدية في ضوء القرآن الكريم
تُعدّ مسألة الهداية والدعاء من أعظم أبواب العقيدة الإسلامية، إذ ترتبط بتوحيد الله تعالى في الربوبية والألوهية، وبالإيمان بأن الهداية بيده وحده، وأن الدعاء عبادة لا تُصرف إلا له سبحانه. وقد قرر القرآن الكريم هذا الأصل في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾، وقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
إلا أن بعض الروايات الواردة في كتب تراثية تُنسب إلى بعض أئمة أهل البيت عبارات مثل: “بنا عُبد الله، وبنا عُرف الله، وبنا وُحّد الله”، وكذلك روايات تفيد أن الدعاء لا يُستجاب إلا بالتوسل بهم أو الدعاء بحقهم.
هذه النصوص — بصرف النظر عن صحة أسانيدها — تثير تساؤلات جوهرية: هل الهداية نوع وأحد أم نوعان؟ هل يجوز إطلاق القول بأن الناس لا يهتدون إلا بالأئمة؟ وهل قبول الدعاء مشروط بذكر أسماء أشخاص معينين؟
وكيف يُفهم ذلك في ضوء النصوص القرآنية المحكمة التي تنص على إخلاص الدعاء لله وحده؟
في هذا المقال سنعرض أبرز هذه الروايات، ثم نناقشها في ضوء:
◘ التفريق بين هداية الدلالة وهداية التوفيق.
◘ مفهوم التوسل المشروع وضوابطه.
◘ دلالة آيات الدعاء في القرآن الكريم.
◘ أقوال أهل العلم في حصر الهداية بالله تعالى.
لنصل إلى قراءة عقدية منضبطة تميز بين التعظيم المشروع لأهل البيت وبين ما قد يفهم منه إشراك في خصائص الربوبية.
لا هداية للناس إلا بالأئمة
قال أبو عبد الله: "بلية الناس عظيمة؛ أن دعوناهم لم يجيبونا، وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا" (أمالي الصدوق: ص363، بحار الأنوار: 23/99).
قال أبو جعفر: بِنَا عُبِدَ الله، وبِنَا عُرِفَ الله، وبِنَا وُحِّدَ الله" (بحار الأنوار: 23/103).
فهذا النص يقرر أن هداية الناس لا تتحقق إلا بالأئمة، وأن الناس في بلاء وضلال دائم لأنهم يرفضون إجابة دعوة الأئمة.
والحق أن الهداية بمعنى التوفيق إلى الحق وقبوله، لا يملكها إلا رب العباد، ومقلب القلوب والأبصار، والذي يحول بين المرء وقلبه، والذي إذا قال للشيء: كن فيكون.. والشيعة في إطلاقها هذه العبارات بلا أي قيد تجعل لأئمتها مشاركة لله جل شأنه في هذه الهداية، وهو شرك أكبر؛ فالله سبحانه هو الهادي وحده لا شريك له.
قال تعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾. ويقول لنبيه - عليه السلام -: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾.
أما هداية الدلالة على الحق والإرشاد إليه فهذه وظيفة الرسل ومن تبعهم بإحسان، ولا تنحصر في الاثني عشر. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾.
وإطلاق القول بأن هداية العباد لا تتم إلا بالأئمة جرأة على الله سبحانه.
لا يقبل الدعاء إلا بأسماء الأئمة
"من دعا الله بنا أفلح، ومن دعا بغيرنا هلك واستهلك"
الطّبري/ بشارة المصطفى: ص117-119، البحار: 23/103، وسائل الشّيعة: 4/1142
"إنّ دعاء الأنبياء استجيب بالتّوسل والاستشفاع بهم صلوات الله عليهم أجمعين" (أحد أبواب بحار الأنوار: 26/319).
وقد استشهد على ذلك المجلسي بأحد عشرة رواية من رواياتهم (بحار الأنوار: 26/319-334). كما عرض لروايات كثيرة مماثلة في أبواب أحوال الأنبياء، وبالأخص في أحوال آدم وموسى وإبراهيم، وكذا في أبواب معجزات النبي (بحار الأنوار: 26/334).
عن الرضا عليه السلام قال:
لمّا أشرف نوح عليه السّلام على الغرق دعا الله بحقّنا فدفع الله عنه الغرق، ولمّا رمي إبراهيم في النّار دعا الله بحقّنا فجعل الله النّار عليه بردًا وسلامًا، وإنّ موسى عليه السّلام لمّا ضرب طريقًا في البحر دعا الله بحقّنا فجعله يبسًا، وإنّ عيسى عليه السّلام لمّا أراد اليهود قتله دعا الله بحقّنا فنجّي من القتل فرفعه الله" (بحار الأنوار: 26/325، وسائل الشّيعة: 4/1143).
﴿فَإذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾