ماء زمزم من أعظم النعم التي خصّ الله بها مكة المكرمة، فهو ماء مبارك له فضائل لا تضاهى وخصائص شريفة تفوق جميع مياه الأرض. اختصه الله تعالى بمزايا روحانية وطبية فريدة، جعلت شربه واغتسال النبي صلى الله عليه وسلم به سببًا للبركة والقوة الجسدية والروحية، كما ورد في الأحاديث الصحيحة عن الصحابة رضي الله عنهم، مثل حديث غسل صدر النبي بماء زمزم أثناء الإسراء والمعراج، وحديث شرب أبي ذر رضي الله عنه له أيامًا كاملة بدل الطعام، وحديث الاستشفاء من الأسقام.

ويبرز فضل ماء زمزم في كونه أفضل مياه الأرض شرعًا وطبًا، مشبع للشارب، سبب للشفاء من الأمراض، مجيب للدعاء إذا شرب له بنية صادقة، وموصل للمنفعة الدينية والدنيوية. كما تتميز مياهه بالنقاء والخلو من الشوائب، وقد ثبت علميًا صلاحيتها للشرب واستخدامها في العلاجات الطبية الحديثة، كما في مركز القلب السعودي. هذا الماء المبارك يُعدّ سقيا الله لإسماعيل عليه السلام وهزمة جبريل عليه السلام، وهي خصائص تميزه عن غيره من المياه وجعلت شربه عبادة ومصدرًا للبركة والشفاء.

خصائص ماء زمزم المبحث الأول خصائص ماء زمزم من فضل ماء زمزم وبركته.

 أن الله تعالى اختصه بخصائص شريفة أهمها ما يأتي:

 1- أنه أفضل مياه الأرض شرعا وطبا فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم

(أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 11 / 98 وقال الحافظ المنذري رواه الطبراني في الكبير ورواته ثقات وابن حبان في صحيحه الترغيب والترهيب للمنذري 2 / 209 وكذا قال الهيثمي انظر مجمع الزوائد 3 / 286 وقد رمز له السيوطي بأنه حسن الجامع الصغير 2 / 10 وقال الألباني إسناده حسن على أقل الدرجات سلسلة الأحاديث الصحيحة 3 / 45 ولم أجد الحديث في صحيح ابن حبان)

 وثبت في صحيح البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه في قصة الإسراء والمعراج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فنزل جبريل عليه السلام ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم

(صحيح البخاري 2/167 كتاب الحج باب ما جاء في زمزم)

قال العيني رحمه الله وهذا يدل قطعا على فضلها حيث اختص غسل صدره عليه الصلاة والسلام بمائها دون غيرها

(عمدة القاري 9/277)

 ولهذا أيضا قال سراج الدين البلقيني إن ماء زمزم أفضل من ماء الكوثر معللا ذلك بكونه غسل به صدر النبي ولم يكن ليغسل إلا بأفضل المياه

(شفاء الغرام للفاسي 1/252)

 والظاهر أن تفصيل ماء زمزم هو بالنسبة إلى مياه الدنيا فقط ثم علل ذلك بعض العلماء بقوله إذ ماء الكوثر من متعلقات دار البقاء فلا يستعمل في دار الفناء

(انظر الجامع اللطيف لابن ظهيرة ص 268)

 كما أن لفظ حديث التفضيل خير ماء على وجه الأرض يدل على ذلك والله أعلم وقد ذكر الحافظ العراقي رحمه الله أن حكمة غسل صدر النبي صلى الله عليه وسلم بماء زمزم ليقوى به صلى الله عليه وسلم على رؤية ملكوت السموات والأرض والجنة والنار لأن من خواص ماء زمزم أنه يقوي القلب ويسكن الروع

(شفاء الغرام للفاسي 1/252)

وسيتبين لنا إن شاء الله ما يدل على أفضلية ماء زمزم من الناحية الطبية.

(شفاء الغرام للفاسي 1 / 256)

 2- إشباع شاربه كما يشبعه الطعام فقد ثبت في صحيح مسلم في قصة أبي ذر رضي الله عنه أنه لما قدم مكة ليسلم أقام ثلاثين بين ليلة ويوم في المسجد الحرام فسأله الرسول صلى الله عليه وسلم فمن كان يطعمك فقال أبو ذر ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن (العكن جمع عكنة وهي الطي الذي في البطن من السمن يقال تعكن البطن إذا صار ذا عكن من كتاب الصحاح للجوهري 6/2165) بطني وما أجد على كبدي سخفة جوع (أي رقته وهزاله والسخف بالفتح رقة العيش وبالضم رقة العقل وقيل هي الخفة التي تعتري الإنسان إذا جاع من السخف وهي الخفة في العقل وغيره.

النهاية لابن الأثير 2/350

فقال الرسول صلى الله عليه وسلم إنها مباركة إنها طعام طعم..

 (صحيح مسلم 4/1922 كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي ذر رضي الله عنه)

قال ابن الأثير رحمه الله:

 أي يشبع الإنسان إذا شرب ماءها كما يشبع من الطعام

(النهاية لابن الأثير 3/125)

ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى:

 عن هذه الخصوصية لماء زمزم شاهدت من يتغذى به الأيام ذوات العدد قريبا من نصف الشهر أو أكثر ولا يجد جوعا ويطوف مع الناس كأحدهم وأخبرني أنه ربما بقي عليه أربعين يوما وكان له قوة يجامع بها أهله ويصوم ويطوف مرارا

(زاد المعاد لابن القيم 4/393)

3-  الاستشفاء بشربه من الأسقام لحديث ابن عباس مرفوعا خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم فيه طعام الطعم وشفاء السقم ولما روي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم زمزم طعام طعم وشفاء سقم..

(أخرجه الطيالسي في مسنده انظر منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود 2/203 وأخرجه البزار انظر كشف الأستار عن زوائد البزار 2/47 وقال الحافظ المنذري رواه البزار بإسناد صحيح الترغيب والترهيب 2/209 وقال الهيثمي رواه البزار والطبراني في الصغير ورجال البزار رجال الصحيح مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي 3 / 286 ورمز له السيوطي بأنه صحيح الجامع الصغير 2/28 والحديث أصله مخرج في صحيح الإمام مسلم).

 وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بماء زمزم (أخرجه الإمام أحمد في مسنده 1/391 وابن حبان في صحيحه الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 7/623 كتاب الطب وقد أخرجه البخاري في صحيحه بدون جزم هكذا فأبردوها بالماء أو قال بماء زمزم شك همام أحد رجال السند وقد جاء في أحاديث الباب فأبردوها بالماء.

 قال بعض العلماء إنما نص في هذا الحديث على ماء زمزم لأهل مكة لتيسره عندهم أكثر من غيره أما غيرهم فبما عندهم من الماء والله أعلم.

من كتاب الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني تأليف أحمد بن عبد الرحمن البنا 17/159 وانظر الطب النبوي لابن القيم ص 22).

 وقد قال ابن القيم رحمه الله:

 وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورا عجيبة واستشفيت به من عدة أمراض فبرئت بإذن الله.

(زاد المعاد لابن القيم 4/393)

 -4 أنه لما شرب له فقد روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال زمزم لما شرب له (أخرجه ابن ماجة في سننه 2/1018 كتاب المناسك باب الشرب من زمزم والإمام أحمد في مسنده 3/357 وقال الدمياطي رواه أحمد وابن ماجة بإسناد حسن المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح للدمياطي ص 318 باب ثواب شرب ماء زمزم وقال ابن القيم الحديث حسن زاد المعاد 4/393 وقال الزركشي وقد جاء الحديث من طرق صحيحة إعلام الساجد بأحكام المساجد ص 206 وقال السيوطي أخرجه ابن ماجة بإسناد جيد الحاوي للفتاوي 2/81 وقال الألباني صحيح إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل 4/320).

 ويروى عن مجاهد رحمه الله:

 أنه قال ماء زمزم لما شرب له إن شربته تريد شفاء شفاك الله وإن شربته لظمأ أرواك الله وإن شربته لجوع أشبعك الله هي هزمة جبريل (أي ضربها برجله فنبع الماء والهزمة النقرة في الصدر وهزمت البئر إذا حفرتها من كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 5/263) وسقيا الله إسماعيل (أخرجه الإمام عبد الرزاق في المصنف 5/118 والأزرقي في كتابه أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار 2/50 واللفظ له وأخرجه الدارقطني في سننه 2/289 مرفوعا من طريق مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما لكن إسناده ضعيف قال الألباني.

 والصواب وقفه على مجاهد ثم قال ولئن قيل إنه لا يقال من قبل الرأي فهو في حكم المرفوع فإن سلم هذا فهو في حكم المرسل وهو ضعيف والله أعلم.

 راجع إرواء الغليل 4/329 - 332 وانظر المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة للسخاوي ص 357 وكتاب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال لعلاء الدين الهندي 12/224)

وقد شرب ماء زمزم جماعة من كبار العلماء وغيرهم لمقاصد مختلفة كالعلم النافع أو حفظ الحديث أو حسن التصنيف أو للاستشفاء من بعض الأمراض أو معرفة هواية كالرمي أو لظمأ يوم القيامة ونحو ذلك من المنافع الدينية والدنيوية فتحصل لهم ما نووه وقصدوه كما نقله بعضهم.

 (انظر زاد المعاد لابن القيم 4/393 شفاء الغرام للفاسي 1/255 المقاصد الحسنة للسخاوي ص 357 الجامع اللطيف لابن ظهيرة ص 264 - 267).

 ونرجو حصوله لمن طلب ما في الآخرة كمن شربه لظمأ يوم القيامة ولا تستبعد صحة هذه الأخبار المنقولة علي سبيل الإجمال وهي مما يؤيد صحة حديث ماء زمزم لما شرب له مع أنه صحيح الإسناد.

(الجامع اللطيف لابن ظهيرة ص 267)

كما تقدم لنا ما يؤكد ذلك أيضا في الخصيصتين الأخيرتين من كون ماء زمزم طعاما وشفاء وحصول هذه المنافع لمن شرب ماء زمزم هو بلا شك ولا ريب بتوفيق الله تعالى وإعانته ورحمته وهو مما أودعه الله تعالى من البركة والنفع في هذا الماء الشريف لا سيما مع صحة نية شاربه وقد نقل عن ابن العربي رحمه الله تعالى أنه قال عن نفع ماء زمزم وهذا موجود فيه إلى يوم القيامة لمن صحت نيته وسلمت طويته ولم يكن به مكذبا ولا يشربه مجربا فإن الله مع المتوكلين وهو يفضح المجربين.

 (انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 9/370

5- ومن الخصائص الأخرى لماء زمزم:

 ما ذكره الإمام الزركشي أن الله تعالى خصه بالملوحة ليكون الباعث عليه الملمح الإيماني ولو جعله عذابا لغلب الطبع البشري..

(إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي ص 206)

ومعنى هذا هو ما قاله أحد العلماء إنما لم يكن عذبا ليكون شربه تعبدا لا تلذذا (ننقل ذلك الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله في كتاب هداية الناسك إلى أهم المناسك ص 51 عن ابن عرفة رحمه الله)

وقد ذكر الزركشي رحمه الله تعالى أيضا:

 أن الله تعالى يعظم ماءها في الموسم (أي موسم الحج) ويكثر كثرة خارقة لعادة الآبار ويحلو وقال وقد شاهدنا ذلك وغيرنا (إعلام الساجد للزركشي ص 206) ومما يحسن التنبيه عليه هنا نقاوة ماء زمزم وخلوه من الشوائب في كل وقت وقد ثبت ذلك بواسطة المحاليل الحديثة فقد جرى أخيرا من قبل أصحاب الشأن أخذ عينات من ماء زمزم لتحليله فلم يسجل في أي وقت من الأوقات أي شائبة تنقص من قدر نقاء العينة المأخوذة مباشرة من البئر أو تقلل من صلاحيتها للشرب وذلك بكل المقاييس المعمول بها (من تقرير لوكالة الأنباء السعودية عام 1406 هـ خاص بزمزم يوجد ضمن كتاب وثائق وكالة الأنباء السعودية المطبوع عام 1408 هـ ص 58 وانظر أيضا كتاب زمزم طعام طعم وشفاء سقم للمهندس يحيى حمزة كوشك ص 109 فما بعدها حيث أورد المؤلف عدة جداول لمعرفة مكونات مياه بئر زمزم ومقابلتها بنظيراتها من الآبار القريبة منها) ولهذا وغيره قام مركز القلب السعودي باستخدام ماء زمزم الطاهر في غسيل قلوب المرضى بدلا من بعض المحلولات الطبية كما أفادت إحدى المجلات..

(انظر المجلة العربية عدد 127 ص 98 شهر شعبان 1408 هـ).

 هذه أهم خصائص ماء زمزم المبارك وقد ذكر بعض العلماء خصائص ومميزات أخرى.

 (انظر مثلا أخبار مكة للأزرقي 2 / 59 إعلام الساجد للزركشي ص 206 شفاء الغرام للفاسي 2/256) تحتاج في ثبوتها إلى أدلة صحيحة..

وأختتم هذا المبحث:

 بمقالة ابن القيم رحمه الله عن فضل ماء زمزم وشرفه على غيره ماء زمزم سيد المياه وأشرفها وأجلها قدرا وأحبها إلى النفوس وأغلاها ثمنا وأنفسها عند الناس وهو هزمة جبريل وسقيا الله إسماعيل.

(زاد المعاد 4/392)