يُعدّ حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها في مسألة "المتعة" من النصوص التي يُثير حولها أهل الأهواء شبهات، محاولين توظيفه لإثبات مشروعية متعة النساء، رغم ثبوت تحريمها تحريمًا مؤبدًا في السنة النبوية الصحيحة. وهذه الطريقة في الاستدلال تقوم على اجتزاء النصوص، وإغفال جمع الروايات، وعدم مراعاة قواعد الترجيح عند اختلاف الألفاظ.

ومن هنا تأتي أهمية هذا البحث، الذي يهدف إلى تحقيق الرواية من جهة الإسناد واللفظ، وجمع طرق الحديث، وبيان الراجح منها وفق منهج أهل الحديث، مع رد الشبهة بأسلوب علمي قائم على الأدلة.

وسيتبين من خلال الدراسة أن الرواية التي فيها "متعة النساء" غير محفوظة، وأن الثابت عن أسماء رضي الله عنها إنما هو في متعة الحج، لا متعة النساء، وذلك بناءً على اختلاف الرواة، وترجيح الأوثق والأحفظ، وقرائن السياق، مع استحالة حمل الحديث على متعة النساء من جهة التاريخ والواقع.

كما يتضح أن من يثير هذه الشبهة يعتمد على رواية شاذة، ويترك الروايات الأصح والأثبت، وهو منهج معروف عند الفرق الضالة التي تخالف جماعة المسلمين في الأصول والفروع، وتبني عقائدها على الأخبار الواهية والتأويلات الباطلة.

دخلنا على أسماء فسألناها عن المتعة فقالت فعلناها على عهد النبي:

حدثنا يونس قال حدثنا أبو داود قال حدثنا شعبة عن مسلم القري قال: «دخلنا على أسماء بنت أبي بكر فسألناها عن متعة النساء فقالت: «فعلناها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم»

وأخرجه النسائي وأبو نعيم في المستخرج (مسند الطيالسي5/48 حديث رقم1731).

ورواه الطبراني بلفظ آخر ليس مضافا إلى متعة النساء:

 «حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ومحمد بن صالح بن الوليد النرسي قالا: ثنا أبو حفص عمرو بن علي قال ثنا أبو داود ثنا شعبة عن مسلم القري قال: «دخلنا على أسماء بنت أبي بكر فسألناها عن المتعة»

(المعجم الكبير للطبراني17/349 حديث رقم19758).

ملاحظة مهمة:

قبل الرد على هذه الشبهة لا بد من تسطير اعتراف الشيعة بان أسماء هاجرت مع زوجها باعتراف الرافضة كما قال قال المجلسي: " أسماء بنت عميس كانت من المهاجرات إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب قبل وفاة خديجة عليها السلام بسنين، ولم تعد منها حتى عادت مع زوجها جعفر سنة ست من الهجرة" (بحار الأنوار78/251 و42/105 منهاج البراعة20/53 مستدرك الوسائل2/74 مجمع البحرين1/230).

وإباحة التمتع بالنساء كانت في غزاة الفتح على الصحيح أو في غزوة خيبر على قول، ثم حرمت تحريماً أبدياً، وأسماء رضي الله عنها كانت متزوجة إذ ذاك بالزبير بن العوام، فإنها كانت أكبر من عائشة رضي الله عنها، وقد تزوجت الزبير قبل الهجرة وهاجرت فكيف تتمتع وقد بقيت على ذمة زوجها طيلة الوقت؟

الحديث مداره على شعبة عن مسلم القري عن أسماء رضي الله عنها.

 ورواه عن شعبة أربعة واختلفوا عن شعبة في لفظه:

1- فرواه أبو داود الطيالسي عن شعبة واختُلف عليه. فرواه يونس بن حبيب ومحمود بن غيلان عن أبي دواد عن شعبة به بلفظ «متعة النساء» (مسند الطيالسي1/227 والنسائي5/326 وأبو نعيم في مستخرجه3/341). ورواه عمرو بن علي الفلاس وعبدة بن عبد الله الصفار عن أبي داود عن شعبة به بلفظ «فسألناها عن المتعة» هكذا مطلقا من غير إضافة إلى النساء (المعجم الكببير24/103 وأبي نعيم في مستخرجه3/341).

2- ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة بلفظ «فسألناها عن المتعة» ليس فيه النساء

(مسلم2/909 وأبي نعيم في مستخرجه3/341).

3- وروواه غندر عن شعبة به وقال شعبة فيه: «قال مسلم: لا أدري متعة الحج أم متعة النساء»

(مسلم2/909).

4- ورواه روح بن عبادة عن شعبة به بلفظ «متعة الحج» وفيه قصة حيث قال مسلم القري «سألت ابن عباس عن متعة الحج فرخص فيها، وكان ابن الزبير ينهى عنها. فقال: هذه أم ابن الزبير تحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فيها فادخلوا عليها فاسألوها. قال: فدخلنا عليها فإذا أمرأة ضخمة عمياء فقالت: قد رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها»

(مسلم2/909 وأحمد 6/348 والطبراني في الكبير24/77 وأبو نعيم في مستخرجه3/341).

وبهذا يتبين أن المحفوظ والراجح من لفظ الحديث هو متعة الحج لا متعة النساء لأمور:

أولا: إنه لم يذكر متعة النساء إلا أبو داود الطيالسي، وقد خالف فيه من هو أكثر عددا وأحفظ منه مثل غندر وعبد الرحمن بن مهدي وروح بن عبادة، وهؤلاء لا بد من تقديم روايتهم على رواية أبي داود لأنهم أكثر عدداً وأحفظ من أبي داود عموماً وفي شعبة خصوصاً وهذا بين لمن له أدنى اطلاع على طبقات الثقات.

ثانياً: أن أبا دواد قد اختُلف عليه فلم يتفق الرواة عنه في ذكر متعة النساء، والأرجح من الروايات عنه هو لفظ (المتعة) دون ذكر النساء لأمور:

أن رواتها عنه أحفظ. فعمرو بن علي الفلاس من الحفاظ الأثبات ومن شيوخ أصحاب الكتب الستة، وكذلك عبدة الصفار ثقة روى له البخاري، أما يونس بن حبيب فهو وإن كان ثقة ولكنه ليس بدرجة هذين ولم يرو له أحد من أصحاب الكتب الستة. ومحمود بن غيلان ثقة إلا أن الأوليين أحفظ منه.

أن لفظ المتعة هو اللفظ الموافق لرواية الجماعة عن شعبة فلذا لزم أن يقدم.

أن رواية روح بن عبادة فيها ذكر القصة وهي ذهابهم إلى ابن عباس رضي الله عنهما وسؤاله عن متعة الحج ثم إحالته لهم إلى أسماء رضي الله عنها، وهذا يدل على حفظ راويها، وذكر القصة وتفصيل وقائع الحديث من طرق ترجيح الروايات عند الاختلاف.

أن مسلم القري وهو الراوي عن أسماء قد شك في ذلك كما في رواية غندر عن شعبة عنه فقال «لا أدري متعة النساء أم متعة الحج». والمعلوم أن غندر من أوثق الرواة عن شعبة.

خامساً: إنه من الممتنع أن يكون الحديث عن متعة النساء، وقد ذكرت فيه إنها فعلتها، لأن إباحة التمتع بالنساء كانت في غزاة الفتح على الصحيح أو في غزوة خيبر على قول، ثم حرمت تحريماً أبدياً، وأسماء رضي الله عنها كانت متزوجة إذ ذاك بالزبير بن العوام، فإنها كانت أكبر من عائشة رضي الله عنها، وقد تزوجت الزبير قبل الهجرة وهاجرت مع زوجها باعتراف الرافضة.

قال المجلسي:

 " أسماء بنت عميس كانت من المهاجرات إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب قبل وفاة خديجة عليها السلام بسنين، ولم تعد منها حتى عادت مع زوجها جعفر سنة ست من الهجرة"

(بحار الأنوار78/251 و42/105 منهاج البراعة20/53 مستدرك الوسائل2/74 مجمع البحرين1/230).

وهاجرت وهي حامل بابنها عبد الله، وهو أول مولود في الإسلام، ثم أن زوجها هو من أشد الصحابة غيرة كما هو معلوم عنه، فكيف يقال بأنها تمتعت، حاشاها من ذلك وهي الطاهرة المطهرة، فإن إباحة المتعة إنما كانت في غزوة الفتح، ولم يغادر النبي صلى الله عليه وسلم مكة حتى حرمها إلى يوم القيامة، ولم تكن أسماء رضي الله عنها من ضمن الجيش في غزوة الفتح، فلم تشهد الفترة التي أبيحت فيها المتعة ولم تكن أصلاً لتسافر من غير محرم، فهل يعقل إنها تمتعت مع وجود زوجها؟

(مستفاد من بحث للشيخ فيصل القزار).

فالصحيح حينئذ أن يقال بأن المتعة التي رواها الثقات عن أسماء رضي الله عنها هي متعة الحج لا متعة النساء.