تُعدّ الشبهات المثارة حول الصحابة رضي الله عنهم من أخطر أبواب التضليل، خاصة حين تُبنى على روايات ضعيفة أو مجهولة يُراد بها الطعن في عدالتهم أو التشكيك في مواقفهم الشرعية. ومن أبرز هذه الشبهات ما يُنسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه إنه قال: «لولا ما سبقني به ابن الخطاب ما زنى إلا شقي»، ويُراد بها الإيحاء بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو الذي حرّم المتعة من عند نفسه!
وهذا الفهم باطل من جهتين:
الأولى: من جهة ثبوت الرواية، فهي لا تصح سندًا، بل مدارها على الجهالة والضعف.
والثانية: من جهة المعنى، إذ يعارضها ما ثبت يقينًا من أن النبي ﷺ هو الذي حرّم متعة النساء تحريمًا مؤبدًا.
وقد درجت الفرق الضالة على الاستدلال بمثل هذه الروايات الواهية، مع إهمال قواعد علم الحديث، وتجاهل أقوال أئمتهم أنفسهم في تضعيفها، مما يكشف أن القضية ليست بحثًا عن الحق، بل توظيف للنصوص لخدمة معتقد مسبق.
وفي هذا المقال نُبيّن بالدليل العلمي بطلان هذه الرواية سندًا، وفساد الاستدلال بها، مع توضيح أقوال العلماء في رواتها، وبيان التناقض الواضح في الاحتجاج بها.
لولا ما سبقني به ابن الخطاب ما زنى إلا شقي
عن ابن جريج قال: أخبرني من أصدق أن عليا قال بالكوفة: لولا ما سبق من رأي عمر بن الخطاب – أو قال: من رأي ابن الخطاب ما زنا إلا شقي»
(مصنف عبد الرزاق7/499).
الصحيح إنه لولا
والجهالة واضحة في قول ابن جريج (أخبرني من أصدق)؟
قال أحمد «إذا حدثك ابن جريج عن فلان وأخبِرتُ: جاءك بالمناكير»
(سير أعلام النبلاء6/328).
وحتى الرافضة فإنهم قد حكموا على الرواية بالجهالة.
فقد حكم المجلسي على الحديث بإنه مجهول وذلك في كتابه ملاذ الأخيار(12/29ح5) وفي مرآة العقول20/227ح2).
وقد جاءت الرواية أيضًا من طريق المفضل بن عمر وهو ضعيف عند الجميع.
قال النجاشي: «المفضل بن عمر أبو عبد الله وقيل أبو محمد الجعفي الكوفي، فاسد المذهب! مضطرب الرواية لا يعبأ به وقيل: إنه كان خطابيا وقد ذكرت له مصنفات لا يعول عليها وإنما ذكره للشرط الذي قدمناه له».
(رجال النجاشي 2/359 –360).
وقال ابن الغضائري كما نقل عنه صاحب مجمع الرجال للقهبائي 6/131 والحلي في رجاله ص258 وأبو داود الحلي في رجاله ص280
«المفضل بن عمر الجعفي أبو عبد الله ضعيف متهافت مرتفع القول خطابي وقد زيد عليه شيء كثير وحمل الغلاة في حديثه حملا عظيما ولا يجوز أن يكتب حديثه»
(مجمع الرجال للقهبائي6/131 والحلي في رجاله ص258 وأبو داود الحلي في رجاله ص280).
وقال الأردبيلي:
«وروى روايات غير نقية الطريق في مدحه وأورد الكشي أحاديث تقتضي مدحه والثناء عليه لكن طرقها غير نقية كلها، وأحاديث تقتضي ذمه والبراءة منه وهي أقرب إلى الصحة فالأولى عدم الاعتماد والله أعلم»
(جامع الرواة2/258–259).