منذ أن نزلت آيات حب المال والسعي لجمعه ومنها هذه الآية عرفنا أن الإنسان لن يدع وسيلة لتحقيق هذه الغاية إلا وسلكها.
منذ أن حذّر القرآن الكريم من فتنة المال، وبيّن أن من الناس من يتخذ الدين وسيلة لأكل أموال الآخرين بالباطل، ظل هذا الباب من أخطر أبواب الانحراف في تاريخ الأمم، حيث يجتمع فيه التديّن الظاهري مع الطمع الدنيوي، ويُستغل فيه النص الشرعي لتحقيق مكاسب مادية باسم الله والدين. وقد ضرب القرآن أمثلة واضحة في الأحبار والرهبان الذين جمعوا بين التظاهر بالزهد وأكل أموال الناس والكنز دون إنفاق.
ومع إخبار النبي ﷺ بأن هذه الأمة ستتبع سنن من قبلها، لم يكن غريبًا أن يظهر في المنتسبين إلى الإسلام من يسلك المسلك نفسه، فيحوّل النصوص الشرعية إلى أدوات جباية، ويُحمّل الآيات ما لا تحتمل، ويُقيم بناءً ماليًا كاملًا على تأويلات متشابهة وروايات واهية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك مسألة الخُمس عند الشيعة الإمامية، التي تحوّلت من حكم شرعي محدود بغنائم الحروب والركاز إلى نظام مالي شامل يفرض على عامة المكاسب والأرباح.
ويهدف هذا المقال إلى كشف الجذور الفكرية والروائية لهذا التحريف، وبيان كيف استُخدمت فكرة الإمام الغائب والنيابة عنه لتبرير استلام الأموال، مع دراسة الآية الوحيدة الواردة في الخُمس دراسة تفسيرية دقيقة، وبيان مخالفة التأويل الشيعي لإجماع المسلمين من الصحابة والتابعين وأئمة الفقه، وإظهار كيف أدّى هذا الانحراف إلى صراعات داخلية واستغلال ديني واسع النطاق.
وعندما ذكر الله عز وجل الأحبار والرهبان على سبيل التعيين في معرض آكلي أموال الناس بالباطل، علمنا أن الدِين من أعظم وسائل طلاب الدنيا للوصول إلى هذا الهدف، وعندما ذكر الله عز وجل في هذه الآية عن كنز الذهب والفضة دون إنفاق، علمنا أن من الناس من جمع بين هذه الصفات الثلاثة: التظاهر بالدِين، وأكل أموال الناس بالباطل وعدم إنفاقه ومن ثم توريثه.
ومن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
((لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن)) عرفنا أن في هذه الأمة أناساً سيتبعون سنن من ذكرهم الله عز وجل في الآية السابقة، ولا بد أن يكونوا كثيراً لقوله عز وجل: ﴿إِنَّ كَثِيراً﴾ ففتشنا عمن تنطبق عليهم هذه الأوصاف من هذه الأمة، فوجدنا طائفة من المنتسبين إلى الإسلام أخذ علمائها بأكل أموال أتباعهم بالباطل وأفتتنوا بالمال أيما إفتتان، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن لكل أمة فتنة، وإن فتنة أمتي المال)).
فتشبَّهُوا بمن نزلت فيهم الآية، الذين كانوا يتسلمون أموالاً باهظة من الناس بشتى السبل والحجج ويبيعونهم الجنة بصكوك الغفران، فتشددوا في أمر هذا السُحت وتساهلوا فيما دون ذلك من عقائد أيما تساهل كسائر العبادات والإباحة الجنسية وغيرها.
تبدأ القصة عند هؤلاء بمولود لم يرَ النور كما أثبت المحققين منهم ذلك، (والأمر كما قالوا). ثم زعموا أن هذا المولود قد اختفى وإنه المهدي الموعود، وأن نوَّابه هم القائمون بالواسطة بينه وبين شيعته، وإنهم المخولون باستلام الخمس الذي شرعه الله عز وجل لبني هاشم عوض الزكاة، كما في قوله:﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى..﴾ [الأنفال:41]، وإنهم الباب بين الناس وقربى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
وحيث أن الآية السابقة تتحدث عن غنائم الحروب -والحروب تخاض تحت أمرة خلفاء المسلمين وهم المتصرفون في الغنائم، وبهذا لا يصلهم منها شيء؛ لأن الناس يعلمون إنه لا صلة لهم بآل البيت وإنما هم أدعياء لمعدوم، وكذلك لا يجري عليهم من العطايا والرواتب التي يجريها الخلفاء للعلماء لينشغلوا بطلب العلم عن طلب الرزق؛ لأنهم لا يرونهم على الإسلام، بما يؤمنون به من عقائد ما أنزل الله به من سلطان كالشرك والغلو والقول بتحريف القرآن والطعن في خير هذه الأمة، وغيرها-فإنهم عمدوا إلى هذه الآية -وهي الوحيدة في القرآن الواردة في الخمس- فحملوها على المتشابه، وزعموا أن المقصود بالغنيمة في الآية هو مطلق الكسب وليس غنائم الحروب وحسب، رغم أن القرآن قد فرَّق بينهما كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أخرجنَا لَكُم مِّنَ الأرض... الآية﴾ [البقرة: 267]، فصدق فيهم قوله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أم الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾ [آل عمران: 7].
وعززوا دعمهم بحمل الآية على سار المكاسب بروايات نسبوها إلى أئمة آل البيت رحمهم الله، وروايات أخرى في وجوب إخراج الخمس والترهيب من منعه، إلا أن العقل لم يسعفهم في ذلك، ولا أيَّدهم النقل، حتى أقروا بأن وجوب الخمس في جميع المغانم والمكاسب مما انفردت به الإمامية دون غيرهم من فرق المسلمين.
ثم مهدوا لذلك بالقول بكفر الأنظمة الحاكمة وعدم شرعيتها، وأن هذه الأنظمة منعوا الأئمة حقوقهم، وهو من حقهم وضروري لشؤون الشيعة وحاجاتهم ولنشر دين الله. حينئذٍ فرضوا الأرباح على شيعتهم، ثم أوجبوا على الشيعة دفع الخمس لهم بحجة إنهم يمثلون آل البيت. وقالوا بكفر من استحل الخمس، فانفتح الباب، واشتد التنافس بينهم في أكل أموال الناس بالباطل، حتى قال الصادق رحمه الله: «إن الناس أولعوا بالكذب علينا، أن الله افترض عليهم لا يريد منهم غيره، وإني أحدث أحدهم بالحديث فلا يخرج من عندي حتى يتأوله على غير تأويله، وذلك إنهم لا يطلبون بحديثنا وبحبنا ما عند الله، وإنما يطلبون الدنيا، وكل يحب أن يدعى رأساً».
وقال شريك:
«كان جعفر بن محمد رجلاً صالحاً مسلماً ورعاً، فاكتنفه قوم جهال يدخلون عليه ويخرجون من عنده ويقولون: حدثنا جعفر بن محمد، ويحدثون بأحاديث كلها منكرات كذب موضوعة على جعفر، يستأكلون الناس بذلك، ويأخذون منهم الدراهم». وقد أكد الباقر رحمه الله ذلك حيث قال: «الشيعة ثلاثة أصناف، وذكر منهم: وصنف يستأكلون بنا»، وفي رواية: « صنف يأكلون الناس بنا».
بل بلغ بالبعض أن ادعى انتسابه لآل البيت، كأبي منصور العجلي الذي عزى نفسه إلى الباقر رحمه الله فتبرء منه وطرده.
واليوم هناك العشرات من أبي منصور كما سترى، ولا باقر لهم. ومع اشتداد الصراع بين هؤلاء الزنادقة الذين تستروا بولاءات زائفة لأهل البيت من أجل المال، بان المستور.
حتى قال أحدهم:
«ما دخلنا مع أبي القاسم الحسين بن روح في هذا الأمر إلا ونحن نعلم فيما دخلنا فيه، لقد كنا نتهارش على هذا الأمر كما تتهارش الكلاب على الجيف».
واليوم هناك المئات دخلوا في هذا الأمر يتهارشون عليه كما تتهارش الكلاب على الجيف، كما سترى. لا هَمَّ لهم سوى جمع المال باسم آل البيت، ولا رادع يردعهم ولا دين يمنعهم، وهم يكررون أفعال أجدادهم الذين اندسوا في مدارس الأئمة رحمهم الله، والأئمة منهم براء، وهم براء من الأئمة أيضًا كما يروون من أن علي بن أبي حمزة البطائني وزياد بن مروان القندي، وعثمان بن عيسى الرواسي، كلهم كانوا وكلاء للإمام الكاظم، وكان عندهم أموال جزيلة، فلما مضى الإمام الكاظم وقفوا عليه طمعاً في الأموال التي بين أيدهم، وأنكروا إمامة الرضا رحمه الله وجحدوه.
ونحن أن شاء الله تعالى في هذا الكتاب المختصر، سنتناول مسألة الخمس عند المسلمين عامة وعند الشيعة خاصة باعتبار إنها ضرورة من ضروريات مذهبهم، بل ولا يقوم المذهب إلا به، ونبين حقيقتها، وذلك في بابين:
الباب الأول: تعريف الخمس ومشروعيته من الكتاب والسنة وأقوال علماء المسلمين من شيعة وسنة.
ثم بيان حقيقة الخمس عند الشيعة ومنزلتها وجذورها ومراحلها التاريخية.
الباب الثاني: دراسة الأسس الروائية لمسألة الخمس وبيان تهافت كل الروايات التي استند عليها الشيعة في إثبات الخمس فيما سوى غنائم الحروب والركاز.
ثم نعرج باختصار على ذكر نماذج من مساوئ الخمس وذلك من خلال بيان الصراع الدائر في الحوزات الدينية عند الشيعة بين طلبة العلم والمراجع من أجل الخمس. وغيرها من المسائل التي تجدها في ثنايا هذا الكتاب.
نسأل الله أن يوفقنا لما فيه الخير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله صحبه وسلم.