براءة آل أبي بكر من دعوى نزول آية الأحقاف في عبد الرحمن
يُعَدُّ فهم أسباب النزول من أهم مفاتيح تفسير القرآن الكريم، إذ به يتبين السياق الصحيح للآيات، ويُدفع التحريف وسوء التأويل. ومن المواضع التي وقع فيها الجدل ما رواه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في صحيح البخاري بشأن قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ [الأحقاف: 17].
حيث زعم مروان بن الحكم أن الآية نزلت في الصحابي الجليل عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه، فأنكرت أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها ذلك إنكارًا صريحًا، وبيَّنت أن الله تعالى لم يُنزل فيهم – أي في آل أبي بكر – شيئًا من القرآن على وجه الذم، وإنما أنزل براءتها في حادثة الإفك، وهي آيات المدح والتكريم في سورة النور.
وقد تناول العلماء هذا الحديث شرحًا وتحقيقًا، وبيّنوا وجه الصواب فيه، وردّوا على شبهات بعض الفرق الضالة التي حاولت توظيف النصوص للطعن في مقام الصحابة رضي الله عنهم، فكان كلامهم ميزانًا علميًا دقيقًا في بيان الحق ودحض الباطل.
قال الإمام البخاري:
" 4827 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أبو عَوَانَةَ، عَنْ أبي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، قَالَ: كان مَرْوَانُ عَلَى الحِجَازِ اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ فَخَطَبَ، فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لِكَيْ يُبَايَعَ لَهُ بَعْدَ أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي بَكْرٍ شَيْئًا، فَقَالَ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا، فَقَالَ مَرْوَانُ: أن هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ، ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ [الأحقاف: 17]، فَقَالَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ إلا أن اللَّهَ أَنْزَلَ عُذْرِي»
صحيح البخاري - بَابُ ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ: أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أن أخرج وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ، وَيْلَكَ آمِنْ أن وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، فَيَقُولُ: مَا هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: 17] – ج 6 ص 133
لقد ردت أم المؤمنين على من ادعى أن الآية نازلة في ذم عبد الرحمن بن أبي بكر، فبينت أن الله تعالى قد انزل براءتها في القران الكريم عندما ذمها البعض وطعن في عرضها رضي الله عنها، ولقد تكلم العلماء فيما يتعلق بهذا الموضوع، فقال الحافظ ابن حجر: " قَوْلُهُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ إلا أن اللَّهَ أَنْزَلَ عُذْرِي أَيِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النُّورِ فِي قِصَّةِ أهل الْإِفْكِ وَبَرَاءَتِهَا مِمَّا رَمَوْهَا بِهِ وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقَالَتْ عَائِشَةُ كَذَبَ وَاللَّهِ مَا نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَاللَّهِ مَا أُنْزِلَتْ إلا فِي فلَان بن فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ لَوْ شِئْتَ أن أُسَمِّيَهُ لَسَمَّيْتُهُ وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ أبا مَرْوَانَ وَمَرْوَانُ فِي صُلْبِهِ وَأخرج عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ مِينَاءَ إنه سَمِعَ عَائِشَةَ تُنْكِرُ أن تَكُونَ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي بكر وَقَالَت إِنَّمَا نزلت فِي فلَان بن فُلَانٍ سَمَّتْ رَجُلًا وَقَدْ شَغَبَ بَعْضُ الرَّافِضَةِ فَقَالَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أن قَوْلَهُ ثَانِيَ اثْنَيْنِ لَيْسَ هُوَ أبا بَكْرٍ وَلَيْسَ كَمَا فَهِمَ هَذَا الرَّافِضِيُّ بَلِ الْمُرَادُ بِقَوْلِ عَائِشَةَ فِينَا أَيْ فِي بَنِي أبي بَكْرٍ ثُمَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ عُمُومِ النَّفْيِ وَإِلَّا فَالْمَقَامُ يُخَصَّصُ وَالْآيَاتُ الَّتِي فِي عُذْرِهَا فِي غَايَةِ الْمَدْحِ لَهَا وَالْمُرَادُ نَفْيُ إِنْزَالِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الذَّمُّ كَمَا فِي قِصَّةِ قَوْلِهِ وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ إلى آخِرِهِ........ "
فتح الباري – أحمد بن علي بن حجر - ج 8 ص 577
وقال العيني:
" قَوْله: (فِينَا) أَرَادَت بِهِ بني أبي بكر لِأَن أبا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. نزل فِيهِ ﴿ثَانِي اثْنَيْنِ﴾ (التَّوْبَة: 04) وَقَوله: ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه﴾ (الْفَتْح: 92) وَقَوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ والأولون﴾ وَفِي آي كَثِيرَة "
عمدة القاري - أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى العينى – ج 19 ص 170