روايات تحليل الخمس عند الشيعة:
نصوص صريحة بإسقاط الوجوب وتناقض المذهب في أخطر فريضة مالية
يُعدّ الخمس من الركائز المالية الكبرى في المذهب الشيعي، بل من أهم مصادر تمويل طبقته الدينية، ومع ذلك فإن المتتبع لكتبهم المعتمدة يُفاجأ بكمٍّ هائل من الروايات التي تنص صراحة على تحليل الخمس للشيعة وإسقاط وجوبه عنهم، بل واعتبار دفعه سبباً في فساد المولد وانتشار الزنا – والعياذ بالله – وفقاً لنصوص منسوبة إلى أئمتهم.
وتكمن الخطورة في أن هذه الروايات لم ترد في كتب هامشية أو مصادر ضعيفة، بل جاءت في أصول المذهب مثل الكافي للكليني، وعلل الشرائع وكمال الدين للصدوق، وتهذيب الأحكام للطوسي، مع تصحيح وتوثيق كبار علمائهم لها، الأمر الذي يكشف تناقضاً جذرياً في البنية العقدية والفقهية للمذهب الشيعي.
هذا المقال يتناول بالتحليل والنقد روايات إباحة الخمس وتحليله للشيعة في زمن الحضور والغيبة، ويبيّن كيف تحوّل الخمس من كونه – بزعمهم – حقاً إلهياً ثابتاً، إلى حكم متقلّب يُحلَّل تارة، ويُحرَّم تارة أخرى، بحسب المصلحة والمرحلة، وهو ما يفضح أن الخمس في الفكر الشيعي ليس فريضة شرعية مستقرة، بل أداة مذهبية استُخدمت لاحقاً للسيطرة المالية باسم الإمام الغائب.
روايات تحليل الخمس للشيعة وإنه ليس بواجب:
في علل الشرائع للصدوق: " (باب 106 - العلة التي من أجلها جعلت الشيعة في حل من الخمس).
1 - حدثنا محمد بن الحسن رضي الله عنه قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار عن العباس بن معروف عن حماد بن عيسى عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر (ع) إنه قال: أن أمير المؤمنين (ع) حللهم من الخمس - يعني الشيعة - ليطيب مولدهم.
2 - وبهذا الإسناد عن زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير عن أبي جعفر (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع) هلك الناس في بطونهم وفروجهم لأنهم لا يؤدون إلينا حقنا، إلا وان شيعتنا من ذلك وأبنائهم في حل.
3 - حدثنا أحمد بن محمد رضي الله عنه، عن أبيه عن محمد بن أحمد عن الهيثم النهدي، عن السندي بن محمد عن يحيى بن عمران الزيات، عن داود الرقي قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: الناس كلهم يعيشون في فضل مظلمتنا إلا انا أحللنا شيعتنا من ذلك " اهـ
علل الشرائع - الصدوق - ج 2 ص 377
وفي كمال الدين للصدوق:
" 4 –حدثنا محمد بن محمد بن عصام الكليني رضي الله عنه قال: حدثنا محمد بن يعقوب الكليني، عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت علي فورد [ ت في ] التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلام:........ وأما الخمس فقد أبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حل إلى وقت ظهور أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث..... " اهـ
كمال الدين وتمام النعمة - الصدوق - ص 483 – 485
وفي الكافي:
" 16 - عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ ضُرَيْسٍ الْكُنَاسِيِّ قَالَ قَالَ أبو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) مِنْ أَيْنَ دَخَلَ عَلَى النَّاسِ الزِّنَا قُلْتُ لَا أَدْرِي جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ مِنْ قِبَلِ خُمُسِنَا أهل الْبَيْتِ إلا شِيعَتَنَا الْأَطْيَبِينَ فَإنه مُحَلَّلٌ لَهُمْ لِمِيلَادِهِمْ " اهـ
الكافي – الكليني – ج 1 ص 546، وقال المجلسي في مرآة العقول عن الرواية – حسن – ج 6 ص 278
وقال الطوسي في تهذيب الاحكام:
" فان قال قائل: إذا كان الأمر في أموال الناس على ما ذكرتموه من لزوم الخمس فيها وفي الغنائم ما وصفتم من وجوب اخراج الخمس منها وكان حكم الأرضين ما بينتم من وجوب اختصاص التصرف فيها بالأئمة عليهم السلام اما لأنها يختصون برقبتها دون سائر الناس مثل الأنفال والأرضين التي ينجلي أهلها عنها، أو للزوم التصرف فيها بالتقبيل والتضمين لهم مثل أرض الخراج وما يجري مجراها، فيجب أن لا يحل لكم منكح ولا يتخلص لكم متجر ولا يسوغ لكم مطعم على وجه من الوجوه وسبب من الأسباب. قيل له: أن الأمر وإن كان على ما ذكرتموه من السؤال من اختصاص الأئمة عليهم السلام بالتصرف في هذه الأشياء فان لنا طريقا إلى الخلاص مما ألزمتموناه، اما الغنائم والمتاجر والمناكح وما يجرى مجراها مما يجب للإمام فيه الخمس فإنهم عليهم السلام قد أباحوا لنا ذلك وسوغوا لنا التصرف فيه، وقد قدمنا فيما مضى ذلك، ويؤكده أيضًا ما رواه:
(399) * 21 - سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي عمارة عن الحرث بن المغيرة النصري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له أن لنا أموالا من غلات وتجارات ونحو ذلك، وقد علمت أن لك فيها حقا قال: فلم أحللنا إذا لشيعتنا إلا لتطيب ولادتهم!!؟ وكل من والى آبائي فهم في حل مما في أيديهم من حقنا فليبلغ الشاهد الغائب.
* (400) * 22 - وعنه عن أبي جعفر علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب لأبي جعفر عليه السلام من رجل يسأله أن يجعله في حل من مأكله ومشربه من الخمس فكتب بخطه: من اعوزه شئ من حقي فهو في حل.
* (401) * 23 - محمد بن الحسن الصفار عن يعقوب بن يزيد عن الحسن بن علي الوشا عن القاسم بن بريد عن الفضيل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من وجد برد حبنا في كبده فليحمد الله على أول النعم، قال: قلت جعلت فداك ما أول النعم؟ قال: طيب الولادة، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: قال أمير المؤمنين عليه السلام لفاطمة عليها السلام: أحلي نصيبك من الفئ لآباء شيعتنا ليطيبوا، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام إنا أحللنا أمهات شيعتنا لآبائهم ليطيبوا.
* (402) * 24 - محمد بن الحسن الصفار عن الحسن بن الحسن ومحمد بن علي بن محبوب وحسن بن علي ومحسن بن علي بن يوسف جميعا عن محمد بن سنان عن حماد بن طلحة صاحب السابري عن معاذ بن كثير بياع الأكسية عن أبي عبد الله عليه السلام قال: موسع على شيعتنا أن ينفقوا مما في أيديهم بالمعروف، فإذا قام قائمنا عليه السلام حرم على كل ذي كنز كنزه حتى يأتوه به يستعين به. فاما الأرضون: فكل أرض تعين لنا إنها مما قد أسلم أهلها عليها فإنه يصح لنا التصرف فيها بالشراء منهم والمعاوضة وما يجري مجراهما، واما أراضي الخراج وأراضي الأنفال والتي قد انجلى أهلها عنها فانا قد أبحنا أيضًا التصرف فيها ما دام الإمام عليه السلام مستترا فإذا ظهر يرى هو عليه السلام في ذلك رأيه فنكون نحن في تصرفنا غير آثمين، وقد قدمنا ما يدل على ذلك، والذي يدل عليه أيضًا ما رواه:
(403) 25 - سعد بن عبد الله عن أبي جعفر عن الحسن بن محبوب عن عمر بن يزيد قال: رأيت أبا سيار مسمع بن عبد الملك بالمدينة، وقد كان حمل إلى أبي عبد الله عليه السلام مالا في تلك السنة فرده عليه فقلت له: لم رد عليك أبو عبد الله عليه السلام المال الذي حملته إليه؟ فقال: اني قلت له حين حملت إليه المال: اني كنت وليت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم وقد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم وكرهت أن احبسها عنك أو اعرض لها وهي حقك الذي جعله الله تعالى لك في أموالنا فقال: وما لنا من الأرض وما أخرج الله منها إلا الخمس!! يا أبا سيار الأرض كلها لنا فما أخرج الله منها من شئ فهو لنا قال، قلت له انا احمل إليك المال كله فقال لي: يا أبا سيار قد طيبناه لك وحللناك منه فضم إليك مالك وكل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم محللون، ويحل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في أيدي سواهم (1) قل كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم عنها صغرة.
* (404) * 26 - محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن الحسين عن الحسن ابن محبوب عن عمر بن يزيد قال: سمعت رجلا من أهل الجبل يسأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اخذ أرضا مواتا تركها أهلها فعمرها وأكرى إنهارها وبنى فيها بيوتا وغرس فيها نخلا وشجرا قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: من أحيا أرضا من المؤمنين فهي له وعليه طسقها يؤديه إلى الإمام في حال الهدنة، فإذا ظهر القائم عليه السلام فليوطن نفسه على أن تؤخذ منه.
* (405) * 27 - علي بن الحسن بن فضال عن جعفر بن محمد بن حكيم عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي عن الحرث بن المغيرة النصري قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فجلست عنده فإذا نجية قد استأذن عليه فاذن له فدخل فجثى على ركبتيه ثم قال: جعلت فداك اني أريد أن أسألك عن مسألة والله ما أريد بها إلا فكاك رقبتي من النار فكإنه رق له فاستوى جالسا فقال له: يا نجية سلني فلا تسألني اليوم عن شئ إلا أخبرتك به، قال جعلت فداك ما تقول في فلان وفلان قال: يا نجية أن لنا الخمس في كتاب الله ولنا الأنفال ولنا صفو الأموال، وهما والله أول من ظلمنا حقنا في كتاب الله، وأول من حمل الناس على رقابنا، ودماؤنا في أعناقهما إلى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت، وان الناس ليتقلبون في حرام إلى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت، فقال نجية: انا لله وانا إليه راجعون ثلاث مرات هلكنا ورب الكعبة قال: فرفع فخذه عن الوسادة فاستقبل القبلة فدعا بدعاء لم أفهم منه شيئا إلا انا سمعناه في آخر دعائه وهو يقول: (اللهم انا قد أحللنا ذلك لشيعتنا) قال: ثم أقبل إلينا بوجهه، وقال: يا نجية ما على فطرة إبراهيم عليه السلام غيرنا وغير شيعتنا " اهـ.
تهذيب الأحكام - الطوسي - ج 4 ص 142 – 145
وقد ذكر محمد العاملي الاباحة فيما يتعلق بالإمام من الخمس فقال: " والأصح إباحة ما يتعلق بالإمام عليه السلام من ذلك خاصة، للأخبار الكثيرة الدالة عليه، كصحيحة علي بن مهزيار، قال: قرأت في كتاب لأبي جعفر عليه السلام من رجل يسأله أن يجعله في حل من مأكله ومشربه من الخمس فكتب بخطه: " من أعوزه شئ من حقي فهو في حل ". وصحيحة الحارث بن المغيرة النصري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت له: أن لنا أموالا من غلات وتجارات ونحو ذلك، وقد علمت أن لك فيها حقا قال: " فلم أحللنا إذا لشيعتنا إلا لتطيب ولادتهم، وكل من والى آبائي فهم في حل مما في أيديهم من حقنا، فليبلغ الشاهد الغائب ". وصحيحة زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام إنه قال: " أن أمير المؤمنين عليه السلام حللهم من الخمس " يعني الشيعة. وصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: هلك الناس في بطونهم وفروجهم، لأنهم لا يؤدون إلينا حقنا، إلا وإن شيعتنا من ذلك وأبناءهم في حل ". وصحيحة عمر بن يزيد، قال: رأيت أبا سيار مسمع بن عبد الملك بالمدينة وكان قد حمل إلى أبي عبد الله عليه السلام مالا في تلك السنة فرده عليه، فقلت له: لم رد عليك أبو عبد الله عليه السلام المال الذي حملته إليه؟ فقال: إني قلت له حين حملت إليه المال: إني كنت وليت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم وقد جئت بخمسها إليك ثمانين ألف درهم، وكرهت أن أحبسها عنك أو أعرض لها وهي حقك الذي جعله الله لك في أموالنا فقال: " وما لنا في الأرض وما أخرج الله منها إلا الخمس!؟ يا أبا سيار، الأرض كلها لنا فما أخرج الله منها من شئ فهو لنا " قال قلت له " أنا أحمل إليك المال كله، فقال لي: " يا أبا سيار قد طيبناه لك وحللناك منه، فضم إليك مالك، وكلما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون يحل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا ". وموثقة يونس بن يعقوب، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فدخل عليه رجل من القماطين فقال: جعلت فداك تقع في أيدينا الأرباح والأموال وتجارات نعرف أن حقك فيها ثابت، وإنا عن ذلك مقصرون فقال: " ما أنصفناكم أن كلفناكم ذلك اليوم ". ونقل عن ابن الجنيد إنه قال: لا يصح التحليل إلا لصاحب الحق في زمإنه، إذ لا يسوغ تحليل ما يملكه غيره. قال المصنف في المعتبر: وهذا ليس بشئ، لأن الإمام لا يحل إلا ما يعلم أن له الولاية في تحليله، ولو لم يكن له ذلك لاقتصر في التحليل على زمإنه ولم يقيده بالدوام. ويشكل بأن أكثر الأخبار المعتبرة خالية من التقييد بالدوام لكنها ظاهرة في ذلك كما يرشد إليه التعليل المستفاد من صحيحة الحارث بن المغيرة بطيب الولادة، وقوله عليه السلام: " فهم في حل مما في أيديهم من حقنا، فليبلغ الشاهد الغائب " وفي صحيحة الفضلاء " " إلا وإن شيعتنا من ذلك وأبناءهم في حل ". واعلم إنه ربما ظهر من قول المصنف رحمه الله: ثبت إباحة المناكح والمساكن والمتاجر في حال الغيبة، عدم إباحة ما عدا ذلك من الأنفال في زمن الغيبة، لأن أحد التفسيرات للمناكح: إنها السراري التي تسبى من دار الحرب بغير إذن الإمام عليه السلام، وهي من الأنفال عند أكثر الأصحاب، واحد التفسيرات للمساكن: إنها المتخذة في أرض الأنفال، وللمتاجر: إنها المتخذة منها أيضًا، وهو خلاف ما صرح به الأكثر، بل أطبق عليه الجميع من أن الأرض الميتة المختصة به عليه السلام يملكها المحيي في زمن الغيبة من غير إذن. والذي صرح به العلامة في المنتهى إباحة المناكح في حال ظهور الإمام وغيبته، وقال: أن ذلك قول علمائنا أجمع، ثم قال: وألحق الشيخ المساكن والمتاجر، واستدل عليه بما ظاهره إباحة الجميع كذلك. وبهذا. التعميم صرح في التذكرة فقال: وقد أباح الأئمة عليهم السلام لشيعتهم المناكح والمساكن والمتاجر في حال ظهور الإمام وغيبته. وعلى هذا فلا يكون في تخصيص ذلك دلالة على تحريم ما عدا ذلك من الأنفال في حال الغيبة بوجه، ولو اقتصر في تفسير الثلاثة على ما يتعلق بالأخماس ليكون الاستثناء منها خاصة كما هو ظاهر كلام المفيد في المقنعة والشيخ في النهاية كان أولى. وكيف كان فالمستفاد من الأخبار المتقدمة إباحة حقوقهم عليهم السلام من جميع ذلك والله تعالى أعلم. قوله: (الرابعة، ما يجب من الخمس يجب صرفه إليه مع وجوده، ومع عدمه قيل: يكون مباحا، وقيل: يجب حفظه ثم يوصي به عند ظهور أمارة الموت، وقيل: يدفن، وقيل: يصرف النصف إلى مستحقه ويحفظ ما يختص به بالوصاة أو الدفن، وقيل: بل تصرف حصته إلى الأصناف الموجودين أيضًا، لأن عليه الإتمام مع عدم الكفاية وكما يجب ذلك مع وجوده فهو واجب عليه عند غيبته، وهو الأشبه). أما وجوب صرف الخمس كله إلى الإمام عليه السلام مع حضوره فمشكل على إطلاقه، لكن الأمر فيه هين. وإنما الإشكال في حكمه في حال الغيبة وقد اختلف فيه كلام الأصحاب اختلافا كثيرا. قال المفيد في المقنعة: اختلف الأصحاب في حديث الخمس عند الغيبة، وذهب كل فريق منهم إلى مقال، فمنهم من يسقط فرض اخراجه لغيبة الإمام بما تقدم من الرخص فيه من الأخبار، وبعضهم يذهب إلى كنزه ويتأول خبرا ورد أن الأرض تظهر كنوزها عند ظهور الإمام، وإنه عليه السلام إذا قام دله الله تعالى على الكنوز فيأخذها من كل مكان، وبعضهم يرى صلة الذرية وفقراء الشيعة على وجه الاستحباب، وبعضهم يرى عزله لصاحب الأمر عليه السلام فإن خشي إدراك الموت قبل ظهوره وصى به إلى من يثق به في عقله وديانته فيسلمه إلى الإمام عليه السلام أن أدرك قيامه وإلا وصى به إلى من يقوم مقامه في الثقة والديانة، ثم على هذا الشرط إلى أن يظهر إمام الزمان عليه السلام، وهذا القول عندي أوضح من جميع ما تقدم، لأن الخمس حق لصاحب لم يرسم فيه قبل غيبته [ رسما ] حتى يجب الانتهاء إليه فوجب حفظه عليه إلى وقت إيابه والتمكن من إيصاله إليه أو وجود من انتقل إليه الحق، ويجري ذلك مجرى الزكاة التي يعدم عند حلولها مستحقها، ولا يجب عند عدم ذلك سقوطها، ولا يحل التصرف فيها على حسب التصرف في الأملاك، ويجب حفظها بالنفس أو الوصية بها إلى أن يقوم بإيصالها إلى مستحقها من أهل الزكاة من الأصناف، وإن ذهب ذاهب إلى ما ذكرناه في شطر الخمس الذي هو خالص الإمام عليه السلام، وجعل الشطر الآخر لأيتام آل محمد صلى الله عليه وآله وأبناء سبيلهم ومساكينهم على ما جاء القرآن لم يبعد إصابته الحق في ذلك، بل كان على صواب. انتهى كلامه رحمه الله. والذي جزم به المصنف ومن تأخر عنه صرف الجميع إلى الأصناف الموجودين مع احتياجهم إليه، أما النصف المستحق لهم فظاهر، وأما ما يختص به عليه السلام فلما ذكره المصنف من وجوب إتمام ما يحتاجون إليه من حصته مع ظهوره عليه السلام، وإذا كان هذا لازما له في حال حضوره كان لازما له في غيبته، لأن الحق الواجب لا يسقط بغيبته من يلزمه ذلك، ويتولاه المأذون له على سبيل العموم، وهو الفقيه المأمون من فقهاء أهل البيت عليهم السلام. وهو جيد لو ثبت الأصل المذكور، لكنه موضع كلام كما سلف. وربما أيد ذلك بأن مثل هذا التصرف لا ضرر فيه على المالك بوجه فينتفي المانع منه، بل ربما يعلم رضاه به إذا كان المدفوع إليه من أهل الاضطرار والتقوى، وكان المال معرضا للتلف مع التأخير كما هو الغالب في مثل هذا الزمان، فيكون دفعه إلى من ذكرناه إحسانا محضا وما على المحسنين من سبيل. وهو حسن لولا ما تلوناه سابقا من الأخبار المتضمنة لتحليلهم عليهم السلام لشيعتهم من ذلك، وطريق الاحتياط بالنسبة إلى المالك واضح. والله تعالى أعلم بحقائق أحكامه " اهـ.
مدارك الأحكام - محمد العاملي - ج 5 - شرح ص 421 – 427