تُعدُّ مسألة غيرة السيدة فاطمة رضي الله عنها من المسائل التي وردت فيها روايات متعددة في كتب الحديث والتاريخ، سواء في بعض المصادر السنية أو الإمامية. وتتناول هذه الروايات حادثتين مشهورتين: الأولى تتعلق بخبر الجارية التي أُهديت، والثانية بخبر خطبة بنت أبي جهل، وما ترتب على ذلك من حزنٍ وغيرةٍ وموقفٍ نبويٍّ حاسم.

ويهدف هذا المقال إلى عرض النصوص كما جاءت في مصادرها، مثل كتاب الكافي وعلل الشرائع، مع مناقشة ما ذكره بعض الشُّرَّاح كالتبريزي في اللمعة البيضاء، وبيان الأبعاد العقدية والتاريخية لهذه الروايات، وكيف تعامل العلماء معها من حيث الصحة، والدلالة، والتوجيه.

وسنسلط الضوء على مفهوم الغيرة في النصوص الشرعية، ومكانة فاطمة رضي الله عنها في الإسلام، ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فاطمة بضعة مني»، وكيف استُخدم هذا الحديث في سياقات مختلفة عبر التاريخ.

فاطمة غارت فغضبت على علي:

الكافي الجزء 42 صفحة 147 باب 6: كيفية معاشرتها مع علي عليهما السلام

3 - ع: أبي، عن سعد، عن الحسن بن عرفة، عن وكيع، عن محمد بن إسرائيل عن أبي صالح عن أبي ذر رحمة الله عليه قال: كنت أنا وجعفر بن أبي طالب مهاجرين إلى بلاد الحبشة (1) فاهديت لجعفر جارية قيمتها أربعة آلاف درهم، فلما قدمنا المدينة أهداها لعلي عليه السلام تخدمه، فجعلها علي في منزل فاطمة.

فدخلت فاطمة عليها السلام يوما فنظرت إلى رأس علي عليه السلام في حجر الجارية فقالت: يا أبا الحسن فعلتها فقال: لا والله يا بنت محمد ما فعلت شيئا فما الذي تريدين؟ قالت تأذن لي في المصير إلى منزل أبي رسول الله صلى الله عليه واله فقال لها: قد أذنت لك.

فتجللت بجلالها، وتبرقعت ببرقعها، وأرادت النبي صلى الله عليه واله فهبط جبرئيل عليه السلام، فقال: يا محمد أن الله يقرئك السلام ويقول لك: أن هذه فاطمة قد أقبلت تشكو عليا فلا تقبل منها في علي شيئا، فدخلت فاطمة فقال لها رسول الله صلى الله عليه واله: جئت تشكين عليا، قالت: إي ورب الكعبة، فقال لها: ارجعي إليه فقولي له: ر غم أنفي لرضاك.

في علل الشرائع للصدوق:

" 2 - حدثنا علي بن أحمد قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن يحيى عن عمرو ابن أبي المقدام وزياد بن عبد الله قالا: أتى رجل أبا عبد الله " ع " فقال له: يرحمك الله هل تشيع الجنازة بنار ويمشي معها بمجمرة أو قنديل أو غير ذلك مما يضاء به؟ قال فتغير لون أبى عبد الله " ع " من ذلك واستوى جالسا ثم قال: إنه جاء شقي من الأشقياء إلى فاطمة بنت رسول الله (ص) فقال لها: أما علمت أن عليا قد خطب بنت أبي جهل فقالت: حقاما تقول؟ فقال: حقا ما أقول ثلاث مرات فدخلها من الغيرة مالا تملك نفسها وذلك أن الله تبارك وتعالى كتب على النساء غيرة وكتب على الرجال جهادا وجعل للمحتسبة الصابرة منهن من الاجر ما جعل للمرابط المهاجر في سبيل الله، قال: فاشتد غم فاطمة من ذلك وبقيت متفكرة هي حتى أمست وجاء الليل حملت الحسن على عاتقها الأيمن والحسين على عاتقها الأيسر وأخذت بيد أم كلثوم اليسرى بيدها اليمنى ثم تحولت إلى حجرة أبيها فجاء علي فدخل حجرته فلم ير فاطمة فاشتد لذلك غمه وعظم عليه ولم يعلم القصة ما هي فاستحى أن يدعوها من منزل أبيها فخرج إلى المسجد يصلي فيه ما شاء الله ثم جمع شيئا من كثيب المسجد واتكى عليه، فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله ما بفاطمة من الحزن أفاض عليها من الماء ثم لبس ثوبه ودخل المسجد فلم يزل يصلي بين راكع وساجد وكلما صلى ركعتين دعا الله أن يذهب ما بفاطمة من الحزن والغم وذلك إنه خرج من عندها وهي تتقلب وتتنفس الصعداء فلما رآها النبي صلى الله عليه وآله إنها لا يهنيها النوم وليس لها قرار قال لها قومي يا بنية فقامت فحمل النبي صلى الله عليه وآله الحسن وحملت فاطمة الحسين وأخذت بيد أم كلثوم فانتهى إلى علي " ع " وهو نايم فوضع النبي صلى الله عليه وآله رجله على رجل علي فغمزه وقال قم يا أبا تراب فكم ساكن أزعجته ادع لي أبا بكر من داره وعمر من مجلسه وطلحة فخرج علي فاستخرجهما من منزلهما واجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا علي أما علمت أن فاطمة بضعة منى وانا منها فمن إذاها فقد إذاني من إذاني فقد آذى الله ومن إذاها بعد موتى كان كمن إذاها في حياتي ومن إذاها في حياتي كان كمن إذاها بعد موتى،........ "

علل الشرائع - الصدوق - ج 1 ص 185 – 189

فإذا قال أحد أن هذه الرواية ضعيفة، فنقول له قد اثبتها التبريزي في اللمعة البيضاء وشرحها، حيث قال:

 " تنبيه: قد ورد صدور قوله (صلى الله عليه وآله): ((فاطمة بضعة مني)) في بعض الأخبار بنحو آخر طويل لا بأس بذكره ملخصا، من جهة الإشارة إلى بعض المطالب اللازمة، وهو إنه لما رأى المخالفون كثرة ما ورد على الخلفاء من القدح والطعن والنقيصة أراد بعضهم أن يثبت لعلي (عليه السلام) طعنا فيشارك الثلاثة، فلم يجد بعد الفحص إلا أن عليا أغار فاطمة بأن أراد أن يتزوج عليها بنت أبي جهل أو غيرها، فشكته إلى أبيها فقال النبي (صلى الله عليه وآله) في رد علي (عليه السلام) خطابا له: أن فاطمة بضعة مني، إلى آخر الرواية. وقد روى الصدوق (رحمه الله) إنه ذكر تلك المقالة عند الصادق (عليه السلام)، فاستوى جالسا ثم قال: إنه جاء شقي من الأشقياء إلى فاطمة (عليها السلام) ثلاث مرات بهذا الخبر حتى دخلها من الغيرة مالا تملك نفسها، وذلك أن الله تعالى كتب الغيرة على النساء، وجعل على الرجال جهادا، وجعل للمحتسبة الصابرة منهن من الأجر ما جعل للمرابط المجاهد في سبيل الله. فاشتد غم فاطمة لذلك وبقيت متفكرة حتى جاء الليل، فحملت الحسن والحسين (عليهما السلام) وأخذت بيد أم كلثوم، ثم تحولت إلى حجرة أبيها، فجاء علي (عليه السلام) فلم يجدهم في الحجرة، فاطلع على الحالة واستحيى أن يدعوها من منزل أبيها، فخرج إلى المسجد فصلى فيه ما شاء الله، ثم جمع شيئا من كثيب المسجد واتكأ عليه. فلما رأى النبي (صلى الله عليه وآله) غم فاطمة ففهم كيفية الواقعة فقال: قومي يا بنتي، فقامت فحمل النبي (صلى الله عليه وآله) الحسن وفاطمة الحسين، وأخذ بيد أم كلثوم فانتهى إلى علي (عليه السلام) وهو نائم في المسجد، فوضع رجله على رجل علي (عليه السلام) فغمزه وقال له: قم يا أبا تراب، فكم ساكن أزعجته، ادع لي أبا بكر وعمر وطلحة وجماعة أخرى من الأصحاب، فاستخرجهم من منزلهم حتى اجتمعوا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله).

 فقال (صلى الله عليه وآله): يا علي أما علمت أن فاطمة بضعة مني وأنا منها، فمن إذاها فقد إذاني، ومن إذاها بعد موتي كمن إذاها في حياتي، ومن إذاها في حياتي كان كمن إذاها بعد موتي.

 قال: فقال علي (عليه السلام): يا رسول الله بلى، قال: فما دعاك إلى ما صنعت؟ فقال علي (عليه السلام): والذي بعثك بالحق نبيا ما كان ما بلغها، ولا حدثت به نفسي. فقال النبي (صلى الله عليه وآله): صدقت وصدقت فاطمة، فعند ذلك تبسمت حتى بدى ثغرها، فأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) بيد علي (عليه السلام) فشبك أصابعه بأصابعه، فحمل النبي (صلى الله عليه وآله) الحسن وعلي (عليه السلام) الحسين وفاطمة (عليها السلام) أم كلثوم، فأدخلهم النبي (صلى الله عليه وآله) بيتهم، ووضع عليهم قطيفة واستودعهم الله ثم خرج. ولما كان مرض فاطمة (عليها السلام) وجاء الشيخان مع الصحابة إلى عيادتها احتجت عليهم فاطمة بهذه الواقعة، فاستشهدتهم أولا على ذلك فشهدوا حتى أبو بكر وعمر، فقالت (عليها السلام): هل سمعتما النبي (صلى الله عليه وآله) في ليلة كذا جمعكم كذا وقال كذا؟ فقالا: اللهم نعم، قالت: الحمد لله، ثم قالت: اللهم إني أشهدك فاشهدوا يا من حضرني إنهما قد آذياني في حياتي وعند مماتي، واني والله لا أكلمكما من رأسي كلمة واحدة حتى ألقى ربي فأشكو إليه بما صنعتما لي.

فدعى أبو بكر بالويل والثبور وقال:

يا ليت أمي لم تلدني، فقال عمر: عجبا للناس كيف ولوك أمورهم وأنت شيخ قد خرفت، تجزع لغضب فاطمة أمرأة وترضى برضاها، وما يبلغ من غضب أمرأة؟! فقاما وخرجا وسيجئ تفصيل الحالة عند بيان حالة وفاة فاطمة (عليها السلام). وذكر بعض العامة الخبر بوجه آخر، هو إنه لما سمعت فاطمة (عليها السلام) أن عليا يريد أن يتزوج عليها ابنة أبي جهل وشكته إلى أبيها، صعد النبي (صلى الله عليه وآله) المنبر في حضور جماعة الأصحاب وقال: سمعت عليا يريد أن يتزوج عليها ابنة عدو الله على ابنة ولي الله، وما كان هذا يجوز له، فاطمة بضعة مني.. الخ. ولا يخفى أن نحو ذلك الخصام لا يجوز بمرتبة النبي (صلى الله عليه وآله)، وكيف يخاصم لابنته من جهة الزوجية وهو الذي أباح هذه المسألة، والعادة جرت بقبح نحو هذه المخاصمة، حتى أن المأمون لما شكت إليه ابنته أم الفضل أن الجواد (عليه السلام) تسرى عليها كتب إليها: (انا ما زوجناه إياك لنحرم عليه حلالا). وروى أن عثمان لما ضرب رقية زوجته وهي بنت النبي (صلى الله عليه وآله) ضربا مبرحا حتى أثر السياط في بدنها على غير جناية تستحقها، فأتت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) شاكية قال: لا يليق بالمرأة أن تشكو من زوجها. وهكذا كان يفعل أبدا، مع أن فاطمة (عليها السلام) كانت مطهرة معصومة من أدناس نساء الدنيا، فكيف جاز منها اعمال هذه الغيرة البشرية من غير أن تتفحص عن حقيقة الحال؟!.

ثم نقول: أن وقوع الواقعة على ما نقل لا يقدح أيضًا بأحد الطرفين، اما علي (عليه السلام) فلأن هذا أمر مباح أباحه الشريعة وإن كتب الغيرة على الزوجة أيضًا، فللرجل أن يتزوج على المرأة وللمرأة أن تأخذها الغيرة، وأما فاطمة (عليها السلام):

 فأولا: بأن الغيرة من الصفات الفاضلة، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يتمدح بها ويقول: (إن سعد الغيور وأنا أغير من سعد). والتمدح بالغيورية ونفس صفة الغيورية من الأمور المباحة، وإلا فلا يتمدح النبي بالأمور المحرمة على الصحابة. فلعله لاحظ النبي (صلى الله عليه وآله) وفاطمة ما في فلك من كون فاطمة ضرة لغيرها أو غيرها ضرة لها، فيحصل لها تحمل المشقة حينئذ فأخذتهما الغيرة، وقد صدر من بنات الأنبياء ما هو أشد من ذلك، فإن سارة ألزمت إبراهيم (عليه السلام) أن يخرج عنها هاجر وابنها إسماعيل إلى واد غير ذي زرع، ولا ينزل معهما بل يضعهما فيه وهو راكب ويرجع إليها، وقد أمر الله إبراهيم أن يمتثل أمر سارة.

 وثانيا: أن المعصومين (عليهم السلام) قد يتنزلون عن مراتبهم إلى مراتب البشرية، ويقع منهم الرضا والغضب والمحاورات المتعارفة لحكم ومصالح ملحوظة، مثل أن لا يظن بهم الربوبية، كما وقع من الغلاة والمفوضة، ومثل أن يتعقبه المحبة القويمة والخلة المستقيمة. وثالثها: أن هذا كان كما يظهر من سياق الرواية إتماما للحجة بنحو أبلغ وآكد على الصحابة عند غصب فدك والعوالي، حيث إنه غصب بعضهم ورضى الآخرون، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يعلم بوقوع تلك القضية، وكذا فاطمة وعلي (عليهما السلام)، ففعلوا كذلك من باب المقدمة والتمهيد والتوطئة، فلم تكن المقدمة قادحة بوجه من الوجوه، وذلك واضح عند أهل البصيرة "

اللمعة البيضاء - التبريزي الأنصاري - ص 140 – 144