رواية «لقد علمت أن عليًّا أحبُّ إليك من أبي»، وبيان علل يونس بن أبي إسحاق ومخالفتها

تُعدُّ مسألة المفاضلة بين الصحابة رضي الله عنهم من القضايا التي كثر فيها الجدل، وتعلَّق بها بعض أهل الأهواء قديمًا وحديثًا لإثارة النزاع وبثِّ الشبهات. ومن الروايات التي يكثر الاستشهاد بها في هذا السياق خبرُ قول أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها: «لقد علمت أن عليًّا أحبُّ إليك من أبي»، عند استئذان أبيها أبو بكر الصديق رضي الله عنه على النبي ﷺ.

وقد أخرج هذا الخبر في بعض المصنفات، كـمسند أحمد، وسنن النسائي، وسنن أبي داود، مع اختلافٍ في ألفاظه وأسانيده، وزيادةٍ انفرد بها بعض الرواة دون غيرهم.

وتبرز أهمية هذا البحث من جهتين:

الأولى: أن هذه الزيادة تخالف ما ثبت في الصحيح من تصريح النبي ﷺ بحبِّه لعائشة، ثم لأبيها، كما في صحيح البخاري.

والثانية: أن مدار هذه الزيادة على رواية يونس بن أبي إسحاق عن أبيه، وقد تكلَّم الأئمة في حفظه، خاصة في روايته عن أبيه، وبيَّنوا أن فيها زياداتٍ وأوهامًا.

ومن هنا كان لزامًا دراسة الإسناد والمتن دراسةً حديثيةً منضبطة، بعيدًا عن التوظيف المذهبي، مع الاقتصار على قواعد أهل الحديث في الترجيح بين الروايات.

رواية لقد علمت أن عليا أحب إليك من أبي:

حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو نعيم ثنا يونس ثنا العيزار بن حريث قال قال النعمان بن بشير قال: «استأذن أبو بكر على رسول الله فسمع صوت عائشة عاليا وهى تقول والله لقد عرفت أن عليا أحب إليك من أبي ومنى مرتين أو ثلاثا. قال فاستأذن أبو بكر فدخل فأهوى إليها فقال يا بنت فلانة لا أسمعك ترفعين صوتك على رسول الله ».

رواه أحمد في (المسند4/275) والنسائي في سننه (5/139) والبزار في مسنده (8/223) وقال الهيثمي «رواه البزار ورجاله رجال الصحيح ورواه الطبراني بإسناد ضعيف» (مجمع الزوائد9/127). وضعفه الألباني (ضعيف أبي داود ص491). وفيه يونس بن أبي إسحاق وهو ثقة ولكن أبا داود صرح بإنه كان يرسل. وفي (المعرفة والتاريخ2/173) أن أحمد بن حنبل كان يفضل الرواية من أخيه إسرائيل عليه.

الرواية ضعيفة السند وتتعارض مع ما ورد في الصحيح أن النبي سئل «أي الناس أحب إليك قال عائشة فقلت من الرجال؟ فقال أبوها قلت ثم من؟ قال عمر بن الخطاب» (البخاري3462).

وهذا كاف في رد هذه الرواية لمعارضتها للصحيح الذي يثبت أفضلية أبي بكر عند النبي على سائر الصحابة.

قاعدة متعلقة بهذه الرواية:

هذه الرواية وما شابهها من الروايات المتضمنة لقول عائشة (لقد علمت أن عليا أحب إليك من أبي) جاءت معلولة. فيها انقطاع بين يونس وبين العيزار وهو أبو إسحاق. وأما الروايات السالمة من الانقطاع فإنها خالية من هذه الزيادة.

بعبارة أخرى: كل الروايات التي عنعن فيها يونس عن العيزار أو التي صرح فيها بالتحديث عنه في رواية أبي نعيم عنه سواء، نجد فيها ذكر لفظة (علي أحب إليك مني). أما الرواية التي في سنن أبي داود لا نجد ذكر لفظة (علي أحب إليك مني) ولكن الرواية ضعيفة لأن روايته عن أبي إسحاق كما قال العلماء.

وإليك تلك الروايات:

1- حدثنا يحيى بن معين ثنا حجاج بن محمد ثنا يونس بن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن النعمان بن بشير قال: «استأذن أبو بكر رحمة الله عليه على النبي e فسمع صوت عائشة عاليا فلما دخل تناولها ليلطمها وقال إلا أراك ترفعين صوتك على رسول الله e فجعل النبي e يحجزه وخرج أبو بكر مغضبا فقال النبي e حين خرج أبو بكر: كيف رأيتني أنقذتك من الرجل؟ قال: فمكث أبو بكر أياما ثم استأذن على رسول الله e فوجدهما قد اصطلحا فقال لهما أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما فقال النبي صلى الله عليه وسلم. قد فعلنا قد فعلنا».

وهذه رواها أبو داود في سننه (2/718) وهي رواية موصولة وتجد فيها الواسطة بين يونس والعيزار وهو (أبو إسحاق) والد يونس. ولهذا فإنه ليس فيها لفظة (علي أحب إليك مني). بخلاف الرواية التي سبقتها فإنها منقطعة. وتضمنت قول عائشة الضعيف «لقد علمت أن عليا أحب إليك من أبي بكر».

رواية أخرى:

أخبرني عبدة بن عبد الرحيم قال أخبرنا عمرو بن محمد قال أخبرنا يونس بن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن النعمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم فسمع صوت عائشة عاليا وهي تقول والله لقد علمت أن عليا أحب إليك من أبي...».

وهذه الرواية رواها النسائي في (سنن الكبرى5/139) سقط منها أبو إسحاق. وبالتالي فهي منقطعة.

رواية أخرى:

أخبرني عبدة بن عبد الرحيم المروزي قال نا عمرو بن محمد يعني العنقزي قال أنا يونس بن أبي إسحاق عن عيزار بن حريث عن النعمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم فسمع صوت عائشة عاليا وهي تقول والله لقد علمت أن عليا أحب إليك من أبي».

وهذه رواها النسائي في (سننه5/365 وانظر خصائص علي1/126).

وحاصل قول الحافظ في يونس:

 إنه «ثقة يحصل له وهم قليل» (تقريب التهذيب2/348). وقول يحيى بن معين لما سئل عن يونس «فيونس أحب إليك أو إسرائيل؟ قال: كل ثقة»

(تهذيب الكمال32/492 الكامل في الضعفاء لابن عدي7/179).

إلا أن الوثاقة درجات متفاوتة. هذا بالرغم من قول أبي حاتم «كان صدوقا لكن لا يحتج بحديثه»

(الجرح والتعديل9/243).

وكذلك فضل أحمد إسرائيل عليه، ففي تهذيب الكمال (2/519)

«سئل أحمد: من أحب إليك يونس أو إسرائيل في أبي إسحاق؟

قال: إسرائيل، لإنه كان صاحب كتاب»

(الجرح والتعديل2/330 المعرفة والتاريخ2/170).

 وفي تهذيب التهذيب:

 «وإسرائيل مقدم على أبيه يونس في حديث أبي إسحاق كما قال أحمد «ويونس بن أبي إسحاق قد تكلم العلماء في حفظه»

(تهذيب التهذيب11/381).

وقال صالح بن أحمد عن علي بن المديني سمعت يحيى وذكر يونس بن أبي إسحاق فقال «كانت فيه غفلة شديدة وكانت فيه سجية». وقال الأثرم «سعت أحمد يضعف حديث يونس عن أبيه وقال حديث إسرائيل أحب إلي منه». وقال أبو طالب عن أحمد «في حديثه زيادة على حديث الناس قلت يقولون إنه سمع في الكتب فهي أتم قال إسرائيل إنه قد سمع وكتب فلم يكن فيه زيادة مثل يونس» وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه «حديثه مضطرب». وقال أيضًا «سألت أبي عن عيسى بن يونس قال عن مثل عيسى تسأل؟ قلت فأبوه؟ يونس قال كذا وكذا».

فهنا قد اختلف على يونس في المتن والسند ولم يذكر هذه اللفظ أحد غيره ممن روى الحديث والمتن الذي رواه مخالف للروايات الأصح منه.

فبين أن السبب هو كون إسرائيل عنده كتاب لحديث جده أبي إسحاق بخلاف والده يونس. وقد قدم يونس ابنه إسرائيل على نفسه في حديثه عن أبي إسحاق. جاء في تهذيب الكمال نقلا عن تاريخ بغداد عن يعقوب بن شيبة. وقال في موضع آخر: «حدثني أحمد بن داود الحداني قال: سمعت عيسى بن يونس يقول: كان أصحابنا سفيان وشريك - وعدّ قوما - إذا اختلفوا في حديث أبي إسحاق يجيؤون إلى أبي، فيقول: اذهبوا إلى ابني إسرائيل، فهو أروى عنه مني، وأتقن لها مني، وهو كان قائد جده»

(تهذيب الكمال2/522).

وفي يونس بن أبي إسحاق آفة أخرى وهي التدليس. فقد ذكره الحافظ في الطبقة الثانية في (كتاب طبقات المدلسين1/37).

فقال: «يونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي حافظ مشهور كوفي يقال إنه روى عن الشعبي حديثا وهو حديثه عن الحارث عن علي رضي الله عنه حديث أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة فأسقط الحارث».

والظاهر إنهم ضعفوه في روايته عن أبيه فقط.

ويوضح ذلك قول أحمد «قال أبو طالب قال أحمد بن حنبل يونس بن أبي إسحاق حديثه فيه زيادة على حديث الناس قلت يقولون إنه سمع في الكتب فهي أتم قال إسرائيل ابنه قد سمع من أبي إسحاق وكتب فلم يكن فيه زيادة مثل ما يزيد يونس»

(تهذيب الكمال32/492 موسوعة أقوال الإمام أحمد9/384).

قلت: فأطلق أحمد القول بأن في أحاديثه زيادة على الناس ثم قيد ذلك بحديثه عن أبيه. وعلى ذلك يحمل ما جاء من أقوال لأحمد فيه مثل قول عبد الله بن أحمد بن حنبل «سألت أبي عن يونس بن أبي إسحاق فقال حديثه مضطرب وقال في موضع آخر سألت أبي عن عيسى بن يونس فقال عن مثل عيسى يسأل قلت فأبوه يونس قال كذا وكذا»

(الجرح والتعديل9/243).

وبالجملة:

 فيونس ثقة لكن ليس مثل ابنه ولا ابيه والكل ثقات. وقد جاء في (الجرح6/291)

«نا عبد الرحمن انا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل فيما كتب إلى قال سألت أبى أيما أصح حديثا عيسى بن يونس أو أبوه يونس بن أبى إسحاق فقال لا بل عيسى أصح حديثا فقلت له عيسى أو اخوه إسرائيل قال ما أقربهما». وعند العقيلي «حدثنا أحمد بن محمد بن هاني قال سمعت أبا عبد الله وذكر يونس بن أبي إسحاق وضعف حديثه عن أبيه وقال: حديث إسرائيل أحب إلي منه»

(الجرح والتعديل32/491).