السمهودي بين التصوف والتاريخ: قراءة علمية في ترجمته والرد على الشبهات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كثيرًا ما يُثار الجدل حول بعض علماء الإسلام المتأخرين، خاصةً من كانت لهم صلة بالتصوف أو كتبوا في فضائل النبي ﷺ والسيرة والتاريخ المدني. ومن بين هؤلاء الإمام المؤرخ المحدّث نور الدين علي بن عبد الله السمهودي، صاحب كتاب وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى، والذي يُستشهد به أحيانًا في مسائل عقدية أو في موضوعات تتعلق بالتصوف والزيارة والآثار.
وفي المقابل، نجد من يطعن فيه طعنًا مطلقًا، ويصفه بالغلو أو التلبس بالبدع، مستندًا إلى بعض العبارات الواردة في كتب متأخرة، مثل ما نُقل في كتاب الجموع البهية للعقيدة السلفية للعلامة محمد الأمين الشنقيطي (جمع أبي المنذر المنياوي).
وهنا تظهر الحاجة إلى قراءة علمية منصفة، تُميّز بين الترجمة التاريخية، والانتماء الفقهي، والممارسة الصوفية السائدة في عصره، وبين الحكم العقدي المنهجي، بعيدًا عن التهويل أو التقديس المطلق.
السَّمْهُودِيُّ:
(1) - السمهودي من كبار الصُّوفِيَّة، وَمن الغلاة فِي النَّبِي - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقد اشْتَمَل كتاباته على بدع وخرافات، وَأَحَادِيث مُنكرَة وموضوعات مكذوبات، مَعَ مَا فِيهِ من حق، وَلكنه مشوب بباطل.
الجموع البهية للعقيدة السلفية للعلامة الشنقيطي جمع أبو المنذر المنياوي ج 1 ص 277
وفيها جار الله بن عبد العزيز بن عمر بن محمد بن محمد بن فهد الهاشمي [1] المكّي الشافعي الإمام العلّامة المسند المؤرّخ.
ولد ليلة السبت العشرين من رجب سنة إحدى وتسعين وثمانمائة، بمكّة، ونشأ بها في كنف أبويه، فحفظ القرآن العظيم وكتبا، منها «الأربعين النووية» و «المنهاج الفقهي» وسمع من السّخاوي، والمحبّ الطّبري، وأجاز له جماعة، كعبد الغني البساطي وغيره، ولازم والده في القراءة والسماع، وتوجه معه للمدينة وجاورا بها سنة تسع وتسعمائة، وسمع بها من لفظ والده تجاه الحجرة الشريفة الكتب الستة، و «الشفا» لعياض، وغيرها، وعلى السيد السّمهودي بعضها، وتاريخه «الوفا» و «فتاواه» وألبسه خرقة التصوف، ولما عاد إلى مكّة أكثر على والده من قراءة الكتب الكبار والأجزاء الصغار، وانتفع بإرشاده، وخرّج الأسانيد والمشيخات لجماعة من مشايخه وغيرهم.
شذرات الذهب / سنة اربع وخمسين وتسعمائة ج 10 ص 433
عَليّ بن عبد الله بن أحمد بن أبي الْحسن عَليّ بن عِيسَى بن مُحَمَّد بن عِيسَى نور الدّين أبو الْحسن بن الْجمال الحسني السمهودي القاهري الشَّافِعِي نزيل الْحَرَمَيْنِ والماضي أبوهُ وجده وَيعرف بالشريف السمهودي.... درس الصالحية وَمِمَّا قَرَأَهُ عَلَيْهِ بحثا قِطْعَة من شرح ألفية الْعِرَاقِيّ وَمن بُسْتَان العارفين للنووي وبجامع عمر وَجَمِيع الرسَالَة القشيرية وَسمع عَلَيْهِ المسلسل بِشَرْطِهِ وَالْبُخَارِيّ مرَارًا بأفوات وَقطعَة من مُسلم وَمن مُخْتَصر جَامع الْأُصُول للبارزي وَمن أخر تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ وَألبسهُ خرقَة التصوف وَقَرَأَ على النَّجْم بن قَاضِي..
الضوء اللامع لأهل القرن التاسع ج 5 ص 245 من اسمع علي
الشبهة المثارة:
الشبهة تقول: إن السمهودي من كبار الغلاة في النبي ﷺ، وأن كتبه مليئة بالموضوعات والخرافات، وأنه صوفي غالٍ لا يُوثق به.
الرد العلمي
1️⃣ التفريق بين المؤرخ والمحدّث الناقد
كتاب وفاء الوفا كتاب تاريخي موسوعي، يجمع الروايات بأسانيدها، وفيه الصحيح والضعيف، كما هي طريقة كثير من المصنفين في التواريخ.
وجود أحاديث ضعيفة في كتاب تاريخي لا يعني إن المؤلف يعتقد صحتها جميعًا.
2️⃣ طبيعة كتب الفضائل في القرون المتأخرة
كتب الفضائل والمناقب في العصور المتأخرة توسعت في جمع الروايات، وكان منهج الجمع أوسع من منهج كتب الأحكام.
وهذا لا يساوي الحكم على المؤلف بأنه وضّاع أو مبتدع في أصول الاعتقاد.
3️⃣ التوثيق العام للعلماء له
◘ ترجم له كبار أهل العلم.
◘ وصفوه بالإمام والعلامة والمؤرخ.
◘ لم يُجمع علماء عصره على تبديعه أو إسقاطه.
4️⃣ مسألة الغلو في النبي ﷺ
ينبغي التفريق بين:
◘ تعظيم مشروع ثابت بالنصوص.
◘ وبين الغلو المخالف للدليل.