يُعدُّ نظام الخُمس عند الفرقة الشيعية الاثني عشرية أحد أهم الموارد المالية التي تقوم عليها المرجعية الدينية ومؤسساتها، وقد كان من المفترض ـ بحسب دعاواهم ـ أن يُوظَّف في خدمة الدين ورعاية الفقراء وتنظيم شؤون الدعوة. غير أن الواقع الذي كشف عنه عدد من رموزهم ومفكريهم يُظهر جانباً آخر بالغ الخطورة، يتمثل في تحوّل هذا المورد المالي إلى مدخلٍ لتأثير أصحاب رؤوس الأموال والتجار الكبار في القرار المرجعي وتوجيه مساره.
لقد أفضت ضخامة الأموال المتدفقة عبر الخُمس إلى نشوء علاقة مركبة بين المرجعية وبعض الأثرياء، تجاوزت في كثير من الأحيان إطار العلاقة الشرعية بين المفتي والمقلِّد، لتتحول إلى نفوذ مباشر أو غير مباشر يؤثر في الفتوى، ويضغط على توجهات الحوزة، ويعيد تشكيل الأولويات الدينية والاجتماعية بما يخدم مصالح الممولين. ولم يعد الأمر ـ كما يشير بعض نقادهم ـ مجرد دعم مالي، بل أصبح أداة ضغط قد تُسهم في تثبيت أوضاع اقتصادية فاسدة، أو في تمرير معاملات مشبوهة، أو في تعطيل مشاريع إصلاحية داخل الحوزة.
ويتناول هذا المقال صوراً متعددة من هذا التأثير، بدءاً من التقرب التدريجي لأصحاب الأموال إلى بيوت المراجع، مروراً بدور “البازار” في ترجيح كفة بعض المراجع على حساب آخرين، وانتهاءً بالدعوات الإصلاحية التي طالبت بإعادة هيكلة المرجعية وضبط مواردها المالية، حمايةً لها من الوقوع تحت هيمنة المال ونفوذ شبكاته.
سيطرة أصحاب رؤوس الأموال على المرجعية:
ومن المساوئ الأخرى للخمس سيطرة أصحاب رؤوس الأموال على المرجعية من باب الخمس لتحقيق مآربهم، وكثيراً ما ضج المخلصون من الشيعة من هذه القضية.
يقول أحدهم:
(وسعياً وراء هذه الأهداف، يأخذ المترفون بالتقرب إلى بيوت المراجع شيئاً فشيئاً، ويبدأون بتقديم الهدايا وقسط يسير مما يتوجب عليهم من الحقوق الشرعية، ويتظاهرون بذلك بالالتزام والإيمان، حتى يصل ول إلى تأييد المرجع وكسب ثقته، ولا تبقى علاقة المترفين بكيان المرجعية ضمن إطار علاقة المفتي بالمقلّد، بل تتجاوز ذلك أحياناً إلى التأثير على أفراد بيت المرجع، وعلى أخلاق المرجع ذاته وسلوكه الاجتماعي ونمط تفكيره، وحتى استنباطه للأحكام، مما يهدد رسالة الإفتاء ومهمتها، فبدلاً من أن تسهم الفتوى بحل معضلات المسلمين، وإفشاء العدالة الاجتماعية ومكافحة كنز الأموال، وأخذ الأموال الحرام والأملاك غير المشروعة، تصبح أداة لتثبيت الوضع الموجود، وإضفاء الشرعية عليه وعلى الخاطئة.
وربما وصل الأمر إلى الاستناد إلى سيرة العقلاء والمتشرعة في تسويغ معاملات التجار والعلاقات الحاكمة في السوق، ويتم في هذا السياق توثيق الروايات الضعيفة للهرب من الربا، وتأويل الآيات والروايات الصحيحة الواردة بشأن الربا.
أو إن الأمر يصل إلى حد إغفال ما يهدف إليه الإسلام من مكافحة للفقر والقضاء عليه، فتصبح الطريقة التي يتبعها الأغنياء في دفع الحقوق الشرعية هي الطريقة الصحيحة والدائمة، وحسب تعبير الإمام الخميني: (تغفل الروايات التي تتحدث على مشاركة الفقراء للأغنياء في أموالهم، وعلى لزوم تأمين الأغنياء لحياة الفقراء)[1].
وربما حال أصحاب رؤوس الأموال دون تحقيق النمو والتنظيم في الحوزة، وأعاقوا تطويرها.
فعلى سبيل المثال:
(حاول مؤسس الحوزة العلمية في قم آية الله عبد الكريم الحائري مساعدة بعض الطلاب في تعلم اللغات الأجنبية وبعض العلوم الحديثة، ليتمكنوا من الدعوة إلى الله في أوساط المثقفين وحتى في البلدان الأجنبية، وحين انتشر هذا الخبر، اجتمع بعض تجار طهران وقدموا إلى قممعترضين على عمل الحائري هذا، باعتبار أنهم لا يدفعون سهم الإمام ليتعلم الطلاب لغة الكفار، فإن استمر هذا العمل فإنهم سيضطرون إلى قطعه عنه، فرأى الحائري أن عملهم سيؤدي إلى زوال الحوزة وتقويض العمل الأساس، فانصرف عن عزمه)[2].
ويضيف آخر: (ولعب بازار طهران دوراً كبيراً في تمويل المرجعية منذ القرن التاسع عشر، وكان العامل الضاغط على المرجع السيد محمد حسن الشيرازي في إصدار فتوى تحري مال تنباك عام "1892" التي ألغت اتفاقية حصر التنباك بالشركة البريطانية، والتي كان الشاه ناصر الدين القاجاري قد وقعها مع بريطانيا، لأن البازار كان المتضرر الرئيسي من تلك الاتفاقية. وظل البازار يشكل العامل الحاسم في ترجيح كفة مرجعية أي فقيه، وخاصة المراجع الفرس في العراق، فقد دعم البازار مرجعية السيد أبو الحسن الاصفهاني في مقابل مرجعية الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، المرجع العراقي الشهير في النصف الأول من القرن العشرين، ولأنه لم يجد مصدراً تمويلياً كافياً فقد عجز عن الحلول فيمركز المرجعية العليا بالرغم من علمه الواسع وقدراته السياسية الفائقة، وعندما أصبح السيد محسن الحكيم مرجعاً أعلى في الستينات اضطر إلى أن يبعد جماعة العلماء العربية ويقرب الفرس من حاشيته؛ لأنهم كانوا على علاقة وثيقة ببازار طهران وأقدر على توفير ميزانيته المالية التي كانت تقدر بعشرة آلاف دينار عراقي شهرياً. وانطوى بازار طهران على خطر التغطية على مصادر مالية مشبوهة (شاهنشاهية) كانت تتسلل بزيالتجار لتحقيق مآرب خاصة وتشكيل (لوبيات) في حواشي بعض المراجع للضغط عليهموتوجيههم الوجهة المطلوبة)[3].
وهذه هي المسائل التي كان مرتضي المطهري يطلق عليها في كتاباته الإصلاحية ﴿آفة العوام﴾ ، ومن تأثيرات ﴿دفعة المال﴾ من الذين يسميهم مغنية ﴿إحسان المحسنين﴾ ، وهم من تضطر المرجعية لمداراتهم حرصاً على المصادر المالية.
بل بلغ الأمر بمغنية حدّاً دعاه إلى مهاجمة قطاع من دَفَعة الأموال بعنف، وحث المرجعية على مقاطعتهم وأموالهم، إذ يقول: (لوكنت المرجع في النجف الأشرف لرفضت المعونات من الأيدي القذرة التي تحاول التستر بالإحسان الملطخ بدماء الأبرياء)[4].
وقد دعا محمد باقرالصدر في السبعينات في مقال له تحت عنوان (المرجعية الموضوعية) الى تأسيس أجهزةعلمية ومالية وإدارية وسياسية تابعة للمرجع من أجل تنظيم عمل المرجعية وعلاقاتهاالعامة وتدقيق الحسابات المالية ونقل الخبرات للمراجع القادمين.
وأطلق على المرجعية القائمة اسم (المرجعية الذاتية) وطالب بتطوير شكل الممارسة للعمل المرجعي وتشكيل مجلس يضم علماء الشيعة، وربط المرجع بهذا المجلس، من أجل صون العمل المرجعي من التأثر بالانفعالات الشخصية وتنفيذ سياسة المرجعية الصالحة التي تقرر من خلاللك المجلس، واقترح أن يقوم المجلس بترشيح المرجع الجديد بعد خلو المركز وإسناده وكسب ثقة الأمة إلى جانبه. كما انتقد طريقة تعامل الوكلاء مع (الحقوق المالية الشرعية) وأخذ النسب المئوية من تلك الأموال كالثلث أو الربع «مما يجعل علاقة الوكيل بالمرجعية كعلاقة عامل المضاربة بصاحب رأس المال» واقترح أن تسلم الأموال كاملة الى المرجعية وتقديم رواتب شهرية للوكلاء[5].