لم يكن الخُمس عند الفرقة الشيعية الاثني عشرية مجرد مورد مالي داخلي تتداوله الحوزات الدينية، بل تحول مع الزمن إلى أداة نفوذ خطيرة جذبت أنظار القوى الاستعمارية، وفي مقدمتها بريطانيا، التي أدركت مبكراً أن المال طريقٌ فعّال للسيطرة على القرار الديني ومن خلاله التأثير في الواقع السياسي والاجتماعي في العراق وإيران.

فبعد إحكام بريطانيا قبضتها على العراق، بدأت تتدخل في الأموال الخيرية المخصصة للحوزة، وتتحكم في آليات توزيعها، محاولةً توظيفها لمدّ نفوذها داخل المرجعية، وصناعة توازنات تخدم مصالحها في مواجهة الدولة العثمانية تارة، والنفوذ الروسي في إيران تارة أخرى. ولم يكن الهدف مساعدة الفقراء أو دعم طلاب العلم، بل تحويل المال إلى أداة سياسية لشراء الولاءات، وترجيح كفة بعض المراجع، ومعاقبة آخرين، بل والتأثير في اختيار المرجع الأعلى نفسه.

وقد أدرك بعض كبار المراجع خطورة هذا المسار، فرفضوا استلام الأموال التي وقعت تحت الهيمنة البريطانية، بينما قبل بها آخرون من المراتب الأدنى، مما فتح باباً واسعاً للتغلغل الاستعماري في نسيج الحوزة، وأدخل المرجعية في دائرة التجاذبات الدولية. ويستعرض هذا المقال مظاهر ذلك التدخل، وأدواته، ونتائجه، وصولاً إلى مرحلة الاحتلال البريطاني المباشر للعراق وما ترتب عليه من تعميق السيطرة على مفاصل التمويل الديني.

المستعمر البريطاني والخمس:

وكذلك دخل المستعمر البريطاني على خط الخمس، ففي العراق وبعد سيطرة بريطانيا على تلك الدولة في منتصف القرن التاسع عشر بدأت سيطرتها على الأموال الخيرية المخصصة للحوزة، وراحت تتلاعب فيها وفي طريقة توزيعها في محاولة لمد نفوذها في الحوزة والسيطرة على المرجعية والتدخل عبرها في شئون العراق وإيران قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها، وهذا ما دفع المرجع الأعلى يومذاك الشيخ مرتضى الأنصاري للامتناع عن تسلم تلك الأموال التي هيمنت عليها بريطانيا، ولكن مراجع آخرين من الدرجة الثانية استمروا في استلام (الخيرية) وتوزيعها على الطلبة.

وفي بداية القرن العشرين حاول المقيم البريطاني المعين في بغداد ميجور نيو مارش استعمال (الخيرية) لأغراض سياسية ووسيلة لزيادة المحسوبية وتوسيع النفوذ والتأثير على انتخاب المرجع الأعلى.

وحاول الوزير البريطاني في إيران السير آرثر هاردنغ استخدام نفوذ بعض المراجع الذين يستلمون (الخيرية) للتأثير على الأوضاع السياسية في إيران وقطع الطريق على السياسات الروسية في إيران. وهذا ما دفع عدداً من المراجع الكبار كالميرزا خليل والسيد كاظم اليزدي والسيد محمد إسماعيل الصدر عام(1908م) إلى رفض قبول أي سهم من (الخيرية) والاقتراح بتوزيعها على الفقراء، فاتجه المقيمون البريطانيون في بغداد للتفكير باستيراد مجتهدين متعاطفين من الهند يقبلون باستلام (الخيرية) وتوزيعها في العراق.

وقد أثار تدخل المقيم البريطاني في بغداد عام (1912م) لوريمر في عملية توزيع (الخيرية) قلق السلطات العثمانية من تزايد النفوذ البريطاني في العراق وخاصة في صفوف الشيعة والمرجعية، وحاولت حل اللجان التي شكلها لوريمر لتوزيع المال، ومنعت الرعايا العثمانيين وخاصة العرب من الانضمام إلى عضوية اللجان في كربلاء والنجف، وطلبت من القنصل الفارسي في بغداد أنيمارس ضغطاً على الأعضاء الفرس لتقديم استقالاتهم.

ولكن احتلال بريطانيا للعراق في الحرب العالمية الأولى أتاح لها مرة أخرى إمكانية توسيع نفوذها في صفوف الحوزة من خلال عملية توزيع الأموال (الخيرية) التي استمرت بها بعد الحرب.

وأصبح البريطانيون أقدر على التلاعب بالنسيج القومي العربي الفارسي الهندي في الحوزة وتفضيل قوم على قوم.

وفي عام (1933م) قرر البريطانيون عدم إعطاء أية منحة لمن شارك في أي شكل من أشكال التحريض السياسي ضدهم وأسقطوا في ذلك العام اسم الشيح محمد حسين كاشف الغطاء من قائمة المتلقين بسبب نشاطاته المعارضة للحكم الموالي لهم في العراق، وجمدوا عام (1934م) اللجنة الموزعة في كربلاء[1].

 

______________________________________________________________________

[1] المرجعية الدينية الشيعية.. دولة في الدولة، لأحمد الكاتب.