الدعاء وآدابه واستحبابه من منظور أهل السنة (2)

الدعاء عبادة عظيمة وركيزة من ركائز القرب من الله تعالى، وقد أمر الله عباده بالتضرع إليه وطلب حاجاتهم، وجعل له آداباً وآليات يستحب للمسلم اتباعها ليكون دعاؤه مقبولاً ومستجاباً. ومن أهم هذه الآداب ملازمة الصبر، وطلب الحلال، وصلة الرحم، والعمل الصالح، وكذلك التمسك بالتأمين على الدعاء، والتأكيد على دعاء المؤمنين بظهر الغيب، والاختيار للتوسل للغير قبل الدعاء للنفس، والحرص على العموم في الدعاء أثناء الصلاة أو أمام الجماعة.
وقد جاء في أحاديث أهل البيت عليهم السلام، رغم انحرافهم وضلالتهم، إشارات إلى فضل هذه الآداب، وكيف أن الدعاء إذا اجتمع مع الأعمال الصالحة والنية الخالصة، يفتح خزائن الله للرزق، ويصرف المكروه عن الداعي. ويبرز هذا المقال استحباب الدعاء وآدابه وفق ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام، مع التركيز على القواعد الشرعية العامة في استجابة الدعاء وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

استحباب الدعاء للمؤمنين والمسلمين وتقديم الدعاء لهم على نفسه:

استحباب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والأموات، واختيار الداعي الدعاء لهم على الدعاء لنفسه.

عن الصادق عليه السلام قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما من مؤمن دعا للمؤمنين والمؤمنات إلا رد الله عليه مثل الذي دعا لهم به من كل مؤمن ومؤمنة مضى من أول الدهر أو هو آت إلى يوم القيامة وإن العبد ليؤمر به إلى النار يوم القيامة فيسحب، فيقول المؤمنون والمؤمنات: يا رب، هذا الذي كان يدعو لنا فشفعنا فيه فيشفعهم الله عز وجل فيه فينجو. وفي رواية: ما من مؤمن ولا مؤمنة مضى من أول الدهر أو هو آت إلى يوم القيامة إلا وهم شفعاء لمن يقول في دعائه: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، وإن العبد ليؤمر به إلى النار [1].

وعن الكاظم عليه السلام، أنه كان يقول:

من دعا لاخوانه من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وكل الله به عن كل مؤمن ملكا يدعو له[2].

وعن الرضا عليه السلام قال:

ما من مؤمن يدعو للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إلا كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة منذ بعث الله آدم إلى أن تقوم الساعة[3].

استحباب الدعاء للرزق:

عن الصادق عليه السلام قال:

 ادع في طلب الرزق في المكتوبة وأنت ساجد: يا خير المسؤولين، يا خير المعطين، ارزقني وارزق عيالي من فضلك فإنك ذو الفضل العظيم[4].

وعن الصادق عليه السلام قال:

 إن الله عز وجل جعل أرزاق المؤمنين من حيث لا يحتسبون، وذلك أن العبد إذا لم يعرف وجه رزقه كثر دعاؤه[5].

وعن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الرزق لينزل من السماء إلى الأرض على عدد قطر المطر إلى كل نفس بما قدر لها، ولكن لله فضول فاسألوا الله من فضله [6].

 وقد كان أئمة آل البيت خير مثال لكل ما مر، كيف لا وهم اعلم الخلق بقوله عزوجل: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: 3].

 فكانت أقوالهم وأفعالهم مصداقاً لهذا. ولا يسعنا إيراد كل ما ورد عنهم في الباب، ولكن في نقل بعض أدعيتهم كفاية لبيان الغاية.

فعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال:

 إن أفضل ما توسل به المتوسلون إلى الله سبحانه الإيمان به وبرسوله والجهاد في سبيله، فإنه ذروة الاسلام، وكلمة الاخلاص فإنها الفطرة. وإقام الصلاة فإنها الملة. وإيتاء الزكاة فإنها فريضة واجبة. وصوم شهر رمضان فإنه جنة من العقاب. وحج البيت واعتماره فإنهما ينفيان الفقر ويرحضان الذنب. وصلة الرحم، فإنها مثراة في المال، ومنسأة في الأجل. وصدقة السر فإنها تكفر الخطيئة. وصدقة العلانية فإنها تدفع ميتة السوء. وصنائع المعروف فإنها تقي مصارع الهوان أفيضوا في ذكر الله فإنه أحسن الذكر. وارغبوا فيما وعد المتقين فإن وعده أصدق الوعد. واقتدوا بهدى نبيكم فإنه أفضل الهدى. واستنوا بسنته فإنها أهدى السنن[7].

وعنه أيضاً في وصيته للحسن رضي الله عنهما:

واعلم أن الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن لك في الدعاء وتكفل لك بالإجابة، وأمرك أن تسأله ليعطيك وتسترحمه ليرحمك، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبه عنك، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة، ولم يعاجلك بالنقمة، ولم يعيرك بالإنابة ولم يفضحك حيث الفضيحة بك أولى، ولم يشدد عليك في قبول الإنابة، ولم يناقشك بالجريمة، ولم يؤيسك من الرحمة. بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة، وحسب سيئتك واحدة، وحسب حسنتك عشرا، وفتح لك باب المتاب. فإذا ناديته سمع نداءك، وإذا ناجيته علم نجواك فأفضيت إليه بحاجتك، وأبثثته ذات نفسك، وشكوت إليه همومك، واستكشفته كروبك، واستعنته على أمورك، وسألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطاء غيره من زيادة الاعمار وصحة الأبدان وسعة الأرزاق. ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب نعمته واستمطرت شآبيب رحمته. فلا يقنطنك إبطاء إجابته فإن العطية على قدر النية. وربما أخرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل وأجزل لعطاء الآمل. وربما سألت الشئ فلا تؤتاه وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا، أو صرف عنك لما هو خير لك. فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته. فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله وينفى عنك وباله. فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له [8].

ومن أدعيته عليه السلام: اللهم يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلجه، وسرح قطع الليل المظلم بغياهب تلجلجه، وأتقن صنع الفلك الدوار في مقادير تبرجه، وشعشع ضياء الشمس بنور تأججه، يا من دل على ذاته بذاته، وتنزه عن مجانسة مخلوقاته وجل عن ملائمة كيفياته، يا من قرب من خطرات الظنون، وبعد عن لحظات العيون، وعلم بما كان قبل أن يكون[9].

وعنه أيضا عليه السلام جاء فيه: يا من لا تحويه الفكر يا من لا يدركه بصر يا من لا يخفى عليه اثر يا رازق البشر يا مقدر كل قدر[10].

وروي عنه عليه السلام في دعاء رد الضالة:

 تصلي ركعتين وتقول بعد فراغك منهما رافعا يدك إلى السماء: اللهم راد الضالة والهادي من الضلالة صل على محمد وآل محمد، واحفظ علي ضالتي وارددها إلي سالمة يا أرحم الراحمين فإنها من فضلك وعطائك، يا عباد الله في الأرض ويا سيارة الله في الأرض ردوا علي ضالتي فإنها من فضل الله وعطائه[11].

وعن الحسين عليه السلام في دعاءه في يوم عرفة يقول:

كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك، عميت عين لا تراك، ولا تزال عليها رقيبا، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيبا، إلهي أمرت بالرجوع إلى الآثار فارجعني إليك بكسوة الأنوار، وهداية الاستبصار حتى أرجع إليك منها كما دخلت إليك منها، مصون السر عن النظر إليها، ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها، إنك على كل شئ قدير. إلهي هذا ذلي ظاهر بين يديك، وهذا حالي لا يخفى عليك، منك أطلب الوصول إليك وبك أستدل عليك فاهدني بنورك إليك، وأقمني بصدق العبودية بين يديك، إلهي علمني من علمك المخزون، وصني بسرك المصون، إلهي حققني بحقايق أهل القرب، واسلك بي مسلك أهل الجذب، إلهي أغنني بتدبيرك لي عن تدبيري، وباختيارك عن اختياري، وأوقفني على مراكز اضطراري، إلهي أخرجني من ذل نفسي، وطهرني من شكي وشركي، قبل حلول رمسي، بك أنتصر فانصرني وعليك أتوكل فلا تكلني، وإياك أسئل فلا تخيبني، وفي فضلك أرغب فلا تحرمني وبجنابك أنتسب فلا تبعدني.. والدعاء طويل[12].

ومن أدعية زين العابدين عليه السلام:

 الحمد لله الذي لم يشهد أحدا حين فطر السماوات والأرض ولا اتخذ معينا حين برأ النسمات لم يشارك في الإلهية، ولم يظاهر في الوحدانية، كلت الألسن عن غاية صفته، وانحسرت العقول عن كنه معرفته، وتواضعت الجبابرة لهيبته، وعنت الوجوه لخشيته، وانقاد كل عظيم لعظمته، فلك الحمد متواترا متسقا ومتواليا مستوسقا وصلواته على رسوله أبدا، وسلامه دائما سرمدا [13].

وقوله: يا من هو أحد بلا ضد يا من هو فرد بلا ند يا من هو صمد بلا عيب يا من هو وتر بلا كيف يا من هو قاض بلا حيف يا من هو رب بلا وزير يا من هو عزيز بلا ذل يا من هو غنى بلا فقر يا من هو ملك بلا عزل يا من هو موصوف بلا شبيه [14].

 

_______________________________________________________________________

[1]  الكافي، للكليني، 2/508، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/114، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/314، الصحيفة الصادقية، لباقر شريف القرشي، 29، مكيال المكارم، للميرزا محمد تقي الأصفهاني، 1/46، روضة الواعظين، للفتال النيسابوري، 327

[2]  ثواب الأعمال، للصدوق، 161، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/115، الفتاوى الميسرة، للسيستاني 175، حواريات فقهية، لمحمد سعيد الحكيم 138

[3]  ثواب الأعمال، للصدوق، 161، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/116، بحار الأنوار، للمجلسي، 90/386

[4]  الكافي، للكليني، 2/551، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 6/372، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 5/512، 15/235، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 4/132، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 3/438، 4/170، منتقى الجمان، لحسن صاحب المعالم، 2/354

[5]  الكافي، للكليني، 5/84، التوحيد، للصدوق، 402، من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 3/165، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/121، بحار الأنوار، للمجلسي، 100/36، نور البراهين، لنعمة الله الجزائري، 2/399، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 17/38، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 4/186، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 2/1071، تفسير نور الثقلين، للحويزي، 5/126، 354

[6]  قرب الاسناد، للحميري القمي، 117، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 7/121، الفصول المهمة في أصول الأئمة، للحر العاملي، 1/270، بحار الأنوار، للمجلسي، 90/288، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 4/123، تفسير الميزان، للطباطبائي، 3/144

[7]  نهج البلاغة - خطب الإمام علي (عليه السلام)، 1/215، علل الشرائع، للصدوق، 1/247، تحف العقول، لإبن شعبة الحراني، 149، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 16/289، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 12/345، معدن الجواهر، لإبي الفتح الكراجكي، 70، الأمالي، للطوسي 216، بحار الأنوار، للمجلسي، 66/386، 71/410، 74/289، 398، 79/209، 93/177، 367، 96/16، 97/12، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 8/21، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 10/300، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 2/405، 4/342، 8/482

[8]  نهج البلاغة - خطب الإمام علي (عليه السلام)، 3/47، مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة)، للميرجهاني، 2/119، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 15/198، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 9/365، موسوعة الإمام الجواد (عليه السلام)، للحسيني القزويني، 2/572، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 3/2632، 4/3417، نهج السعادة، للمحمودي، 4/302 (الحاشية)، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، في الكتاب والسنة والتاريخ، لمحمد الريشهري، 6/221، 9/211، الخير والبركة في الكتاب والسنة، لمحمد الريشهري 148

[9]  التوحيد، للصدوق، 35 (الحاشية)، الأمالي، للمفيد 254 (الحاشية)، بحار الأنوار، للمجلسي، 84/339، 91/243، مكاتيب الرسول، للأحمدي الميانجي، 2/190، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، لهادي النجفي، 10/148، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، في الكتاب والسنة والتاريخ، لمحمد الريشهري، 9/306، موسوعة العقائد الإسلامية، لمحمد الريشهري، 3/23

[10]  المصباح، للكفعمي، 258، بحار الأنوار، للمجلسي، 91/395، 92/399، موسوعة كلمات الإمام الحسين (عليه السلام)، للجنة الحديث في معهد باقر العلوم (عليه السلام)،/973

[11]  مكارم الأخلاق، للطبرسي 398، بحار الأنوار، للمجلسي، 88/374، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 7/290، 16/479

[12]  شرح أصول الكافي، للمولي محمد صالح المازندراني، 3/87 (الحاشية)، بحار الأنوار، للمجلسي، 64/142، 95/225، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 7/41، 10/260،

موسوعة كلمات الإمام الحسين (عليه السلام)، للجنة الحديث في معهد باقر العلوم (عليه السلام)،/959، ميزان الحكمة، لمحمد الريشهري، 3/1907، صحيفة الحسين (عليه السلام)،، جمع جواد القيومي، 214، التعليقة على الفوائد الرضوية، للقاضي سعيد القمي، 65، جامع السعادات، لمحمد مهدي النراقي، 3/135، موسوعة العقائد الإسلامية، لمحمد الريشهري، 3/24

[13]  الصحيفة السجادية (ابطحي)، للإمام زين العابدين (عليه السلام)، 544، المصباح، للكفعمي، 113، بحار الأنوار، للمجلسي، 87/176

[14]  المصباح، للكفعمي، 256، بحار الأنوار، للمجلسي، 91/393، شرح الأسماء الحسنى، للملا هادى السبزواري، 1/245