يُعدُّ حديث: «وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» من الأحاديث القدسية العظيمة التي رواها الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في صحيح البخاري، وهو من النصوص التي تُبيِّن سعة فضل الله تعالى، وعظيم إحسإنه إلى عباده، وقربه ممن تقرَّب إليه بالطاعات.
وقد أثار هذا الحديث جدلًا بين أهل السنة المثبتين لصفات الله كما جاءت، وبين أهل التأويل الذين صرفوا ألفاظه عن ظاهرها بدعوى التنزيه. ومن أبرز من قرر منهج السلف في هذه المسألة الإمام عبد العزيز بن باز في فتاوى نور على الدرب، حيث بيَّن أن الواجب هو إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل.
كما أن هذا الأثر قد ورد أيضًا في كتب الرافضة، ككتاب عوالي اللئالي لابن أبي جمهور الأحسائي، وكتاب مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي، مما يُظهر أن أصل المعنى مروي في مصادر متعددة، وإن اختلفت مناهج الاستدلال والفهم.
وسيُعالج هذا المقال الحديث من جوانب ثلاثة:
1- ثبوته وصحته.
2- منهج السلف في فهمه وإثباته.
3- مقارنة موجزة مع ما ورد في كتب الرافضة في هذا الباب.
قال الإمام البخاري:
" حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، سَمِعْتُ أبا صَالِحٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إذا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً "
صحيح البخاري - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ - ج 9 ص 121
في فتاوى نور على الدرب للإمام ابن باز:
" حول حديث: «من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا »
س 26: لقد قرأت في رياض الصالحين بتصحيح السيد علوي المالكي، ومحمود أمين النواوي حديثا قدسيا يتطرق إلي هروله الله سبحانه وتعالى، والحديث مروي عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال: «إذا تقرب العبد إلي شبرا تقربت إليه ذراعا وإذا تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة » رواه البخاري.
فقال المعلقان في تعليقهما عليه:
إن هنا من التمثيل وتصوير المعقول بالمحسوس لزيادة أيضًاحه، فمعناه أن من أتى شيئا من الطاعات ولو قليلا أثابه الله بأضعافه، وأحسن إليه بالكثير، وإلا فقد قامت البراهين القطعية على إنه ليس هناك تقريب حسي، ولا مشي، ولا هرولة من الله سبحانه وتعالى عن صفات المحدثين.
فهل ما قالاه في المشي والهرولة موافق لما قاله سلف الأمة على إثبات صفات الله وأمرارها كما جاءت، وإذا كان هناك براهين دالة على إنه ليس هناك مشي ولا هرولة فنرجو منكم أيضًاحها والله الموفق؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد: فلا ريب أن الحديث المذكور صحيح، فقد ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام إنه قال: «يقول الله عز وجل من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ومن تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة »
وهذا الحديث الصحيح يدل على عظيم فضل الله عز وجل، وإنه بالخير إلى عباده أجود، فهو أسرع إليهم بالخير والكرم والجود، منهم في أعمالهم، ومسارعتهم إلى الخير والعمل الصالح.
ولا مانع من إجراء الحديث على ظاهره على طريق السلف الصالح، فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سمعوا هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعترضوه، ولم يسألوا عنه، ولم يتأولوه، وهم صفوة الأمة وخيرها، وهم أعلم الناس باللغة العربية، وأعلم الناس بما يليق بالله وما يليق نفيه عن الله سبحانه وتعالى.
فالواجب في مثل هذا أن يتلقى بالقبول، وأن يحمل على خير المحامل، وأن هذه الصفة تليق بالله لا يشابه فيها خلقه فليس تقربه إلى عبده مثل تقرب العبد إلى غيره، وليس مشيه كمشيه، ولا هرولته كهرولته، وهكذا غضبه، وهكذا رضاه، وهكذا مجيئه يوم القيامة وإتيإنه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده وهكذا استواؤه على العرش، وهكذا نزوله في آخر الليل كل ليلة، كلها صفات تليق بالله جل وعلا، لا يشابه فيها خلقه.
فكما أن استواءه على العرش، ونزوله في آخر الليل في الثلث الأخير من الليل، ومجيئه يوم القيامة، لا يشابه استواء خلقه ولا مجيء خلقه "
فتاوى نور على الدرب – عبد العزيز بن عبد الله بن باز - ج 1 ص 67 – 68
ولقد ورد هذا الأثر في كتب الرافضة، قال ابن أبي جمهور الاحسائي:
(182) وفي الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) إنه قال: " إذا دنى العبد إلى الله تدلى الله إليه، ومن تقرب إليه شبرا تقرب إليه ذراعا، ومن تقرب إليه ذراعا تقرب إليه باعا، ومن أتاه مشيا جاءه هرولة، ومن ذكره في ملاء ذكره في ملاء أشرف، ومن شكره شكره في مقام أسنى، ومن دعاه بغير لحن أجابه، ومن استغفره غفر له "
عوالي اللئالي - ابن أبي جمهور الأحسائي - ج 4 ص 116
وقال ابن فهد الحلي:
"وهو سبحانه يقول في بعض وحيه إلى بعض أنبيائه: من تقدم إلي شبرا تقدمت منه ذراعا، ومن تقدم إلي ذراعا تقدمت منه باعا، ومن جاءني مشيا جئته هرولة"
الرسائل العشر – ابن فهد الحلي - ص 416
وقال النوري الطبرسي:
" 4- 5910 الشيخ أبو الفتوح في تفسيره: أن الله تعالى انزل في بعض كتبه المنزلة: أنا عند ظن عبدي، فليظن بي ما شاء، وانا مع عبدي إذا ذكرني، فمن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملا، ذكرته في ملا خير منه، ومن تقرب الي شبرا، تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب الي ذراعا، تقربت إليه باعا، ومن اتاني مشيا، اتيته هرولة، ومن اتاني بقراب الارض خطيئة أتيته بمثلها مغفرة، ما لم يشرك بي شيئا "
مستدرك الوسائل – النوري الطبرسي – ج 5 ص 298