منع الكتابة إلى التدوين الرسمي: حقيقة جمع السنة وأمر عمر بن عبد العزيز
يُثير بعض الطاعنين في السنة النبوية شبهة قديمة متجددة، مفادها أن الحديث لم يُدوَّن إلا بعد قرون من وفاة النبي ﷺ، وأن ذلك يفتح باب الشك في ثبوته وصحته. وقد تلقف هذه الشبهة بعض المستشرقين، وروّج لها الرافضة قديمًا وحديثًا للطعن في مصادر أهل السنة والجماعة.
غير أن القراءة العلمية المنصفة لتاريخ تدوين السنة تكشف بوضوح أن السنة مرت بمرحلتين رئيستين: مرحلة الكتابة الفردية في عهد الصحابة، ثم مرحلة التدوين الرسمي في عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله، الذي أصدر أمره الشهير: «انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء».
وقد نقل هذا النص الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في صحيح البخاري، مما يدل على أن التدوين الرسمي للسنة كان مبكرًا ومنضبطًا، ولم يكن عملًا عشوائيًا أو متأخرًا كما يدّعي المغرضون.
وسيُبيِّن هذا المقال المراحل التاريخية لتدوين السنة، والفرق بين المنع المؤقت للكتابة وبين الإذن بها، ودور عمر بن عبد العزيز في التحول محمد بن شهاب الزهري صحيح البخاري صحيح مسلم
تنقسم مرحلة تدوين السنة النبوية إلى مرحلتين:
مرحلة الكتابة الفردية ومرحلة الكتابة الجماعية.
وكان الصحابة لا يكتبون عن النبي غير القرآن، امتثالا لأمره فيما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال: «لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن، ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه».
وذلك لئلا يختلط القرآن بالسنة، وهم حديثو عهد بالقرآن وأسلوبه، ولم يذع القرآن، ولم ينتشر على ألسنتهم بعد. ولكن لما شاع القرآن بين المسلمين، وأصبحوا يتلونه آناء الليل وأطراف النهار، سمح لهم بكتابة الحديث، بل أمر به بعضهم في بعض المناسبات. كما روى البخاري ومسلم وغيرهما أن أبا شاه اليمني التمس من رسول الله أن يكتب له شيئا مما سمعه من خطبته عام فتح مكة، فقال «كتبوا لأبي شاه».
وقد كتب بعض الصحابة الحديث، وثبت امتلاك عدد منهم لصحف خاصة، دونوا فيها أحاديثه عليه الصلاة والسلام. فقد روى البخاري عن أبي هريرة إنه قال: «ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثا مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان يكتب ولا أكتب». وكان لعبد الله بن عمرو بن العاص صحيفة يسميها الصادقة، وذكر مسلم في صحيحه كتابا في قضاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقد كانت كتابة الحديث في عصر الصحابة رضوان الله عليهم كتابة فردية لم تأخذ الصفة الرسمية العامة.
ولما توفي رسول الله طرحت فكرة جمع السنة من قبل الدولة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واستشار الصحابة في ذلك، ولبث يستخير الله في ذلك شهرا، ثم عدل عن ذلك خشية اشتباه السنة بالقرآن، في زمن لم ينته فيه الصحابة من جمع القرآن وتحريره في مصحف وأحد.
وهكذا تناقل الصحابة الحديث شفاها مع بعض الكتابات الفردية المتفرقة، واستمر الأمر على ذلك إلى أوائل عصر التابعين.
مرحلة التدوين الرسمي
ولما أفضت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز سنة تسع وتسعين هجرية، أمر بجمع الحديث وتدوينه، قال البخاري: «وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء. وأبو بكر بن حزم كان نائب عمـر بن عبد العزيز في الإمارة والقضاء على المدينة، وتوفي عمر بن عبد العزيز قبل أن يبعث إليه ما كتبه»
(صحيح البخاري1/186ح34).
وأول من استجاب لهذا الطلب الإمام محمد بن شهاب الزهري (ت:124هـ) ثم شاع التدوين في الطبقة التي بعده.
وممن جمع الحديث في الأمصار ابن جريج في مكة وابن إسحاق في المدينة (ت:150هـ)، والربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة[(ت:167هـ) وسفيان الثوري (ت:161هـ) في الكوفة. والأوزاعي (ت:157هـ) في الشام. وهشام ومعمر باليمن.
وكان هؤلاء في عصر وأحد ولا يدرى أيهم أسبق في التصنيف.
وميزة التدوين في هذا العصر أن الحديث كان ممزوجا غالبا بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين كما في موطأ الإمام مالك.
ثم عني العلماء بعد عصر التابعين بإفراد أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وتجريدها من الفتاوى وأقوال الصحابة والتابعين.
ويعد القرن الثالث الهجري العصر الذهبي لتدوين السنة، حيث وقف عدد من العلماء حياتهم وجهودهم على طلب السنة والرحلة من أجلها، ومن هؤلاء الإمام البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود، والنسائي، وأحمد بن حنبل وغيرهم» (الحديث النبوي للدكتور محمد لطفي الصباغ).
وبعد هذا تبطل الشبهة الرافضية القديمة التي اقتبسها المستشرقون وأرادوا بها الطعن في تدوين السنة النبوية