يُعد حديث «نحن أحق بالشك من إبراهيم» من النصوص التي أثار حولها بعض أهل الأهواء شبهات قديمة ومتجددة، زاعمين أن في الحديث ما يدل على وقوع الشك من نبي الله إبراهيم عليه السلام، أو من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، مستدلين بقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. ثم يضيفون إلى ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه الإمامان محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه، ومسلم بن الحجاج في صحيحه كذلك، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بالشك من إبراهيم».

وقد استغلّت بعض الفرق الضالة – وعلى رأسها الإمامية الاثنا عشرية – هذا النص للطعن في عصمة الأنبياء، أو لإثارة الشكوك حول كمال يقينهم، في محاولة لإسقاط الثقة بمقام النبوة، أو لتقرير أصول فاسدة تخالف ما أجمع عليه أهل السنة والجماعة من تنزيه الأنبياء عن الشك في أصول الإيمان.

غير أن العلماء المحققين من أهل السنة تصدّوا لهذه الشبهة قديمًا، وبيّنوا أن الحديث لا يتضمن إثبات شك لا لإبراهيم عليه السلام ولا لنبينا صلى الله عليه وسلم، وإنما خرج مخرج التواضع، أو نفي الشك بطريق الأولى. فقد أوضح ذلك أئمة كبار، كالإمام ابن قتيبة في كتابه تأويل مختلف الحديث، والإمام الخطابي في أعلام الحديث، وكذلك الإمام ابن الجوزي في كشف المشكل من حديث الصحيحين، وغيرهم من أئمة الهدى.

وسيتناول هذا المقال – بعون الله – بيان المعنى الصحيح للحديث، وشرح توجيهات العلماء له، وبيان وجه التلازم بين الآية والحديث، مع ردّ الشبهات المثارة حوله، وإظهار كمال يقين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأن سؤال إبراهيم عليه السلام كان لزيادة الطمأنينة لا لرفع شك، وأن مقام النبوة منزه عن الريب في قدرة الله تعالى.

نحن أحق بالشك من إبراهيم

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللهقال: «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي. ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي..».

رواه البخاري3/1233 حديث رقم3192 باب قوله عز وجل ونبئهم عن ضيف إبراهيم و4/1650 حديث رقم4263 باب وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى. ورواه مسلم1/133 حديث رقم151 باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة.

توجيهات الحديث:

يقول ابن قتيبة رحمه الله تعالى:

قال قوم سمعوا الآية شك إبراهيم ولم يشك نبينا صلى الله عليه وسلم فقال الرسول صلى الله عليه وسلم أنا أحق بالشك من إبراهيم عليه السلام تواضعا منه وتقديما لإبراهيم على نفسه يريد أنا لم نشك ونحن دونه فكيف يشك هو

تأويل"

مختلف الحديث لابن قتيبة صفحة 91 -92

يقول الخطابي رحمة الله تعالى:

مذهب الحديث التواضع والهضم من النفس وليس في قوله نحن أحق بالشك من إبراهيم اعتراف بالشك على نفسه ولا علي إبراهيم عليه السلام ولكن فيه نفي الشك عن كل وأحد منهما يقول إذا لم اشك أنا ولم أرتب في قدرة الله تعالى على احياء الموتى إبراهيم اولي بان لا يشك فيه

أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري للخطابي المجلد الثالث صفحة 545 -546

وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى:

مخرج هذا الحديث مخرج التواضع وكسر النفس وليس في قوله نحن أحق بالشك اثبات شك له ولا لإبراهيم وانما يتضمن نفي الشك عنهما

كشف المشكل من حديث الصحيحين لأبي الفرج الجوزي المجلد الثالث صفحة 358