قصة رجم القردة في الجاهلية بين صحيح البخاري وروايات الرافضة

من الشبهات التي يثيرها بعض الطاعنين في السنة النبوية، ويتلقفها أتباع الفرق الضالة للطعن في صحيح الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، ما يُروى عن عمرو بن ميمون رحمه الله إنه قال: «رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قردة قد زنت فرجموها، فرجمتها معهم». فيتوهم الجاهل أن هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، أو إنه تقرير شرعي، ثم يبني على هذا الوهم اعتراضات باطلة.

والحقيقة أن هذا الأثر ليس حديثًا نبويًا، بل هو أثر مقطوع من كلام التابعي عمرو بن ميمون، يصف فيه ما ظنه أو شاهده في الجاهلية، ولا علاقة له بالتشريع الإسلامي. ولم يُخرجه الإمام البخاري في كتاب الحدود أو في باب تشريع الرجم، وإنما أورده في سياقٍ يُفهم منه إثبات أن عمرو بن ميمون من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية.

وقد نصّ على ذلك الإمام محمد بن أحمد القرطبي في تفسيره، مبينًا أن إيراده للدلالة على إدراك عمرو بن ميمون للجاهلية، لا للاحتجاج بمضمونه.

ثم أن طائفة من أهل العلم استنكرت هذا الأثر من جهة المعنى، ومنهم الإمام يوسف بن عبد الله بن عبد البر، الذي بيّن أن إضافة الزنا إلى غير مكلف وإقامة الحدود على البهائم أمر منكر. كما تكلم فيه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وناقش أسانيده، وبيّن وجوه النكارة فيه.

ومع ذلك، نجد من يطعن في صحيح البخاري بسبب هذا الأثر، بينما تغضّ هذه الفرق الضالة الطرف عن روايات موجودة في كتبهم تنسب إلى بعض البهائم أفعالًا أعجب وأشد غرابة، كما في كتاب علل الشرائع للصدوق، وما نقله محمد باقر المجلسي في بحار الأنوار، من قصة بهيمة عرفت أختها فقطعت ذكرها بأسنانها حتى ماتت! وهي روايات لا تقل غرابة – بل تزيد – ومع ذلك لا نراهم يطعنون في مصادرهم كما يطعنون في كتب أهل السنة.

قال الإمام البخاري:

" 3849 - حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ، قَدْ زَنَتْ، فَرَجَمُوهَا، فَرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ» "

صحيح البخاري - القَسَامَةِ فِي الجَاهِلِيَّةِ – ج 5 ص 44

هذا الأثر المروي عن عمرو بن ميمون رحمه الله مقطوع وليس من كلام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فهو مبني على فهم هذا التابعي لما راه في الجاهلية، فالأثر لا تأثير فيه على الناحية الشرعية، وسبب ايراد الإمام البخاري لهذا الأثر هو اثبات أن عمرو بن ميمون من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية.

 ففي تفسير القرطبي:

" فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فَإِنَّمَا أخرجهَا الْبُخَارِيُّ دَلَالَةً عَلَى أن عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ قَدْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَلَمْ يُبَالِ بِظَنِّهِ الَّذِي ظَنَّهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. "

تفسير القرطبي - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي – ج 1 ص 442

إن المعتبر في التشريع هو قول النبي صلى الله عليه واله وسلم، ولهذا سمى الإمام البخاري كتابه بالجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، اي أن ما جاء فيه مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فهو المعتبر في التشريع، فلا يصح لأحد أن يعترض على صحيح الإمام البخاري بشيء.

فهذا الأثر ليس على شرط الإمام البخاري حتى يقول أحد إنه حجة.

وقد حكم الإمام الألباني على هذا الأثر بالنكارة، حيث قال: " (31) قلت: هذا أثر منكر؛ إذ كيف يمكن لإنسان أن يعلم أن القردة تتزوج، وأن من خلقهم المحافظة على العرض، فمن خان قتلوه؟ ثم هب أن ذلك أمر واقع بينها، فمن أين علم عمرو بن ميمون أن رجم القردة إنما كان لأنها زنت؟!

وأنا أظنُّ أن الآفة من شيخ المصنف نعيم بن حماد؛ فإنه ضعيف متهم، أو من عنعنة هشيم؛ فإنه كان مدلسًا، لكن ذكر ابن عبد البر في" الاستيعاب" (3/ 1205) إنه رواه عباد بن العوام أيضًا عن حصين= =كما رواه هشيم مختصراً.

قلتُ: وعباد هذا ثقة من رجال الشيخين، وتابعه عيسى بن حطان عن عمرو بن ميمون به مطولاً. أخرجه الإسماعيلي. وعيسى هذا وثقه العجلي، وابن حبان، وروايته مفصلة تبعد النكارة الظاهرة من رواية نعيم المختصرة، وقد مال الحافظ إلى تقويتها؛ خلافاً لابن عبد البر. والله أعلم "

مختصر صحيح البخاري – محمد ناصر الدين الألباني – ج 2 ص 535 – 536

وقد استنكر هذا الأثر الإمام ابن عبد البر، حيث قال بعد أن ذكره:

 " وَهَذَا عِنْدَ جماعة أهل العلم منكر إضافة الزنا إلى غير مكلف، وإقامة الحدود فِي البهائم، ولو صح لكانوا من الجن، لأن العبادات فِي الجن والإنس دون غيرهما، وقد كان الرجم في التوراة "

الاستيعاب – يوسف بن عبد الله بن عبد البر – ج 3 ص 1206

ولقد ورد في كتب الرافضة أن بعض البهائم قد قطع ذكره لإنه جامع اخته.

 قال الصدوق:

1 - حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال: حدثنا أحمد بن إدريس ومحمد بن يحيى العطار جميعا قالا: حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن أحمد بن إبراهيم بن عمار قال: حدثنا ابن نويه رواه، عن زرارة قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام كيف بدء النسل من ذرية آدم عليه السلام فإن عندنا أناس يقولون أن الله تبارك وتعالى أوحى إلى آدم عليه السلام أن يزوج بناته من بنيه وان هذا الخلق كله أصله من الاخوة والأخوات؟ قال أبو عبد الله: سبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، يقول من يقول هذا أن الله عز وجل جعل أصل صفوة خلقه وأحبائه وأنبيائه ورسله وحججه والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات من حرام، ولم يكن له من القدرة ما يخلقهم من الحلال وقد أخذ ميثاقهم على الحلال والطهر والطاهر الطيب والله لقد نبأت أن بعض البهائم تنكرت له أخته فلما نزا عليها ونزل كشف له عنها وعلم إنها أخته أخرج غرموله ثم قبض عليه بأسنانه ثم قلعه ثم خر ميتا "

علل الشرائع - الصدوق - ج 1 ص 17، ووسائل الشيعة - الحر العاملي - ج 20 - ص 366، والتفسير الصافي - الفيض الكاشاني - ج 1 ص 415، وتفسير نور الثقلين - الحويزي - ج 1 ص 430، وقصص الأنبياء - الجزائري - ص 61 – 62

وقال المجلسي: " بيان: الغرمول بالضم: الذكر "

بحار الأنوار - المجلسي - ج 11 - ص 222

كيف تنكرت البهيمة لاخيها؟!.

هل في عرف البهائم أن الذي يجامع اخته يقتل نفسه؟!.