حديث «ليدخلن عليكم رجل لعين» بين صحة الإسناد وشبهة الطعن في الصحابة
من الروايات التي أثار حولها بعض أهل الأهواء جدلًا واسعًا، حديث: «ليدخلن عليكم رجل لعين»، الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل في المسند بإسناد صححه المحقق شعيب الأرنؤوط على شرط مسلم، وجاء في بعض طرقه عند البزار والطبراني التصريح بأن الداخل هو الحكم بن أبي العاص.
وقد تلقّفت الفرقة الضالة هذه الرواية محاولةً توظيفها للطعن في عقيدة أهل السنة في عدالة الصحابة رضي الله عنهم، مدّعية أن في ذلك تناقضًا مع أصل التعديل العام، أو أن فيه دليلًا على وجود ملعونين في الصحابة. وزاد بعضهم فجمع نصوصًا أخرى في اللعن، ثم قاس عليها بغير علم ولا إنصاف.
غير أن تناول هذا الحديث يحتاج إلى تحرير علمي دقيق، من جهات متعددة:
أولها: بيان صحة الإسناد ومدى دلالته.
وثانيها: تحديد المقصود بالحكم بن أبي العاص، وهل تثبت له الصحبة أصلًا أم لا؟
وثالثها: الفرق بين المنافق الذي أظهر الإسلام وأبطن الكفر، وبين الصحابي الذي ثبتت صحبته وعدالته.
ورابعها: فهم نصوص اللعن في ضوء القواعد الشرعية، وعدم معارضتها بالأحاديث العامة في حسن الخلق دون جمعٍ علمي بين الأدلة.
وقد بيّن أئمة أهل السنة أن الحكم بن أبي العاص مختلف في صحبته، بل نصّ غير وأحد من أهل العلم على إنه لا تثبت له صحبة معتبرة، ومنهم الإمام علي بن أحمد بن حزم الذي صرّح بأن من كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من المنافقين أو ممن لم ترضَ حاله لا يُطلق عليه اسم الصحابة اصطلاحًا. كما ذكر شمس الدين الذهبي في سير أعلام النبلاء ما روي من استهزائه ومشاكله، وذكره ابن أبي حاتم الرازي دون أن يثبت له صحبة صريحة.
فليس كل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم أو عاصره يدخل في مفهوم الصحابي الذي انعقد عليه إجماع أهل السنة في التعديل، بل أن الصحبة وصف شريف له شروط وضوابط عند أهل الحديث.
ليدخلن عليكم رجل لعين:
حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا بن نمير ثنا عثمان بن حكيم عن أبي إمامة بن سهل بن حنيف عن عبد الله بن عمرو قال: «كنا جلوسا عند النبي وقد ذهب عمرو بن العاصي يلبس ثيابه ليلحقني فقال ونحن عنده ليدخلن عليكم رجل لعين فوالله ما زلت وجلا أتشوف داخلا وخارجا حتى دخل فلان» [يعني الحكم].
تعليق شعيب الأرنؤوط:
«إسناده صحيح على شرط مسلم رجاله ثقات رجال الشيخين غير عثمان بن حكيم فمن رجال مسلم» (مسند أحمد2/247 رقم6520).
ولكن ورد عند البزار: «حتى دخل الحكم بن أبي العاص».
ورواه الطبراني في الأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح.
والحكم بن أبي العاص ممن ثبت إنهم من المنافقين. بدليل أن البخاري لم يورده في التاريخ الكبير مع الصحابة فيمن اسمه الحكم. وأورد الهيثمي في (مجمع الزوائد1/9) رواية لعنه عنه تحت باب (منه في المنافقين).
وذكر الذهبي إنه روي إنه كان يحاكي النبي في مشيته وفي بعض حركاته.
(سير أعلام النبلاء2/108)
ولهذا قال ابن حزم «وقد كان في المدينة في عصره عليه السلام منافقون بنص القرآن وكان بها أيضًا من لا ترضي حاله كهيت المخنث الذي أمر عليه السلام بنفيه والحكم الطريد وغيرهما فليس هؤلاء ممن يقع عليهم اسم الصحابة»
(الإحكام في أصول الأحكام2/211).
وذكره ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل3/120) غير إنه لم ينص على أن له صحبة، وهو على غير عادته في ذكر كل من كانت له صحبة. وإنما اكتفى بما نقله عن أبيه إنه أسلم يوم الفتح وقدم على النبي فطرده من المدينة فنزل الطائف حتى قبض في خلافة عثمان».
وقد تهافت الرافضة على هذه الرواية ليكسروا عقيدتنا في تعديل الصحابة. وكان عليهم أن لا يصدقوها. لا سيما إنهم جمعوا أحاديث رواها أهل السنة تتضمن لعن النبي بعض الناس ثم قالوا: «كيف تصح تلكم الروايات وقد قال رسول اللّه (ص): بعثت لأتمم حسن الاخلاق. وقال: من لعن مؤمنا فهو كقتله، وقال: من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة اليه».