حوار مروان وعبد الرحمن: دراسة حديثية وتحليل تاريخي
يُعدّ الحوار الذي دار بين مروان بن الحكم وعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما من الوقائع التي كثر حولها الجدل، لا سيما في سياق الحديث عن مسألة توريث الحكم في عهد معاوية رضي الله عنه، وما قيل بشأن بيعة يزيد. وقد تناولت كتب السنة هذه الروايات بأسانيد متعددة، منها ما أخرجه البزار وأبو يعلى والنسائي، ومنها ما جاء مختصرًا في صحيح البخاري دون بعض الزيادات.
ويهدف هذا المقال إلى دراسة تلك الروايات دراسة حديثية دقيقة، من حيث الأسانيد والعلل، وبيان مواضع الاتفاق والاختلاف بينها، مع تحليل ما أُثير حول شخصية مروان بن الحكم، وما نُسب إليه من اتهامات، ومناقشة أقوال الأئمة في ذلك وفق منهج أهل الحديث القائم على التثبت والعدل والإنصاف.
كما يسعى المقال إلى التفريق بين ما ثبت بدليل صحيح، وما هو منقول بأسانيد منقطعة أو ضعيفة، بعيدًا عن التوظيف الجدلي أو القراءة الانتقائية للنصوص. فالميزان في مثل هذه القضايا هو التحقيق العلمي المجرد، لا العاطفة ولا الخلفيات المذهبية.
قال ابن أبي حاتم:
«حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن العلاء حدثنا يحيى بن أبي زائدة عن إسماعيل بن أبي خالد أخبرني عبد الله بن المديني قال: «إني لفي المسجد حين خطب مَرْوان، فقال: أن الله أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيا حسنا، وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر عمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: أهرقلية؟! أن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده، ولا أحدا من أهل بيته، ولا جعلها معاوية في ولده إلا رحمة وكرامة لولده. فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه: أف لكما؟ فقال عبد الرحمن: ألست ابن اللعين الذي لعن رسول الله e أباك؟ قال: وسمعتهما عائشة فقالت: يا مروان، أنت القائل لعبد الرحمن كذا وكذا؟ كذبتَ، ما فيه نزلت، ولكن نزلت في فلان بن فلان. ثم انتحب مروان، ثم نزل عن المنبر حتى أتى باب حجرتها، فجعل يكلمها حتى انصرف».
أخرجه البزار (1624) وأبو يعلى كما في (فتح الباري8/440) وقال الهيثمي «رواه البزار وإسناده حسن» (مجمع الزوائد5/241). وقد وقع اختلاف في اسم الراوي عبد الله المديني. وفي (الفتح8/577): عبد الله المدني. وعند البزار: عبد الله البهي (البحر الزخار6/241). وهو مولى مصعب بن الزبير، يقال اسم أبيه يسار. صدوق يخطئ كما قال الحافظ ابن حجر في (التقريب1/549).
صححه إسناده الألباني. وليس في هذا الخبر وصفا متعلقا بمروان وإنما بأبيه الحكم الذي ثبت لعن النبي له.
وورد عند البخاري من دون هذه الزيادة:
حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عَوانة، عن أبي بِشْر عن يوسف بن مَاهَك قال: «كان مَرْوان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخطب وجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا، فقال: خذوه. فدخل بيت عائشة رضي الله عنها فلم يقدروا عليه، فقال مروان: أن هذا الذي أنزل فيه وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أن أخرج وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن، إلا أن الله أنزل عُذرِي» (البخاري4827).
ورواه النسائي:
حدثنا علي بن الحسين حدثنا أميَّة بن خالد حدثنا شعبة عن محمد بن زياد قال: «لما بايع معاوية لابنه، قال مروان: سُنَّة أبي بكر وعمر. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سنة هرقل وقيصر فقال مروان هذا الذي أنزل الله فيه والذي قال لوالديه أف لكما الآية. فبلغ ذلك عائشة فقالت كذب والله ما هو به ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته ولكن رسول الله لعن مروان ومروان في صلبه فمروان فضض من لعنة الله».
إسناده منقطع: أخرجه النسائي في الكبرى (11491) والحاكم في (المستدرك4/481) من طريق علي ين الحسين الدرهمي به، وصرواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين. وتعقبه الذهبي وقال: «فيه انقطاع، لم يسمع من عائشة».
والفرق بينه وبين الروايات السابقة إنه يثبت تصريح النبي في لعن مروان باسمه، بينما الروايات الأخرى قصر فيها اللعن على الحكم والد مروان.
وعاب الإسماعيلى على البخارى تخريج حديثه وعد من موبقاته إنه رمى طلحة أحد العشرة يوم الجمل وهما جميعا مع عائشة فقتل، ثم وثب على الخلافة بالسي، واعتذرت عنه في مقدمة شرح البخارى. وقول عروة بن الزبير: كان مروان لا يتهم في الحديث، هو في رواية ذكرها البخارى..... في قصة نقلها عن مروان، عن عثمان في فضل الزبير».
قوله إنه رمى طلحة رضي الله عنه يوم الجمل فقتله تحتاج إلى إثبات فقد كان مروان في جيش عائشة كما ذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة فكيف يرمي طلحة وهو معه؟
قال الذهبي:
«مروان بن الحكم الأموي أبو عبد الملك قال البخاري لم ير النبي قلت روى عن بسرة وعن عثمان وله أعمال موبقة نسأل الله السلامة رمى طلحة بسهم وفعل وفعل» (ميزان الاعتدال4/89).
ورحم الله الذهبي فقد قال ذلك بدون سند ولا دليل. وهذا خروج عن قانونه وطريقته في الجرح والتعديل فإما أن يثبت هذا بإسناد صحيح عنه وإلا رددنا ما قال بالدليل من قواعده افي الجرح والتعديل. والله تعالى يقول ﴿إِنَّ اللّهَ يَأمركُمْ أن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا وَإذا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ أن اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ أن اللّهَ كان سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ سورة النساء58.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:
في (لسان الميزان7/382 رقم4802) مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية الأموي أبو عبد الملك المدني روى عن عثمان وعلي رضي الله عنهما وعنه ابنه عبد الملك وسهل بن سعد رضي الله عنه.
ولم يزد على ذلك والصواب ما قاله في اللسان وليس في التهذيب فقد كان مدققا محققا في اللسان أكثر من التهذيب بكثير وكان يرد على الذهبي كثيرا وهنا لم يذكر كلام الذهبي، فهذا يدل قطعا على أن ما نسب لمروان من قبائح ليس صحيحا وإلا لذكره هنا كعادته وفي الإصابة لم يذكر الحافظ ابن حجر أي شيء عن تلك الرواية المزعومة التي تنص على إنه قتل طلحة فكيف يقتله وهو في جيشه.
وأما قول الحافظ ابن حجر إنه كان من أسباب قتل عثمان رضي الله عنه فهذا على قول الغوغاء المنافقين الذين خرجوا على عثمان رضي الله عنه بغير وجه حق.