كثرت في الآونة الأخيرة الشبهات المثارة حول مقام النبي ﷺ، خاصة من قبل الفرق الضالة التي تسعى إلى تشويه العقيدة الصحيحة عبر التعلق بروايات واهية أو ضعيفة، لا تثبت عند التحقيق العلمي. ومن أبرز هذه الشبهات ما يتعلق بدعوى "انتقال النبي في الأصلاب" أو الاستدلال بأحاديث تتضمن مفاهيم باطلة كـ"تجول الأرواح"، وهي أفكار لا تستند إلى دليل صحيح من كتاب أو سنة.
والمنهج العلمي عند أهل السنة قائم على التثبت من صحة الروايات سندًا ومتنًا، لا على مجرد النقل دون تحقيق. ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال في تفكيك هذه الشبهات، وبيان ضعف أدلتها، وكشف التناقض الواضح عند من يستدل بها، خاصة ممن يخالفون أصولهم العقدية حين يعجزون عن إثبات معتقداتهم.
وسيتم في هذا المقال تحليل أبرز الروايات التي يُستدل بها، وبيان عللها الحديثية، مع إظهار الإلزام العقدي على من يحتج بها، في ضوء أقوال علمائهم أنفسهم.
عرض الشبهة:
يستدل بعضهم بروايات تُنسب إلى النبي ﷺ أو إلى الصحابة، ومن ذلك ما يُروى في سياق شبهات "ما زلت أتقلب في الأصلاب"، أو روايات تشير إلى رؤية النبي ﷺ للصحابي جعفر بن أبي طالب بعد استشهاده في هيئة الملائكة.
ومن ذلك ما رواه الطبري في تاريخه:
أن النبي ﷺ قال: أن جعفر مرَّ في نفر من الملائكة وله جناحان.
كما يُستدل بروايات أخرى ضعيفة لتقرير أفكار باطلة، مثل تجول الأرواح أو إثبات أمور غيبية لا دليل صحيح عليها.
ما زلت اتقلب في الأصلاب:
وقال مقبل الوادعي في (تتبع أوهام الحاكم التي سكت عنها الذهبي3/251) ما نصه: «سعدان بن الوليد بيّاع السابري ما وجدت له ترجمة ولا ذكراً إلا في ترجمة الحسن بن بشر من تهذيب الكمال».
وقال الألباني «لم أجد من ترجمه»
(سلسلة الضعيفة5/64 إرواء الغليل6/332).
وهو عين ما قاله شعيب الأرناؤوط. مما يدل على إنه مجهول الحال وإن قلت رواياته.
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر قال: «لما أتى رسول الله مصاب جعفر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد مرَّ جعفر البارحة في نفر من الملائكة له جناحان مختضب القوادم بالدم يريدون بيشة أرضا باليمن».
وروى الطبري في تاريخه (2/151).
وسنده ضعيف لعنعنة ابن إسحاق وهو مدلس، ولإرساله، عبد الله بن أبي بكر من الخامسة.
قال الحافظ:
«روى الدارقطني في الغرائب لمالك بإسناد ضعيف عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رأسه إلى السماء فقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
فقال الناس يا رسول الله ما كنت تصنع هذا؟ قال: مر بي جعفر بن أبي طالب في ملأ من الملائكة فسلم علي»
(الإصابة1/487).
فلا يفرح به المتصوفة ممن يعتقدون بتجول الأرواح في الأسواق والبيوت، فإنه ضعيف. ولا يفرحن به من يقولون نحن أشاعرة فإنهم يشترطون عادة في العقائد المتواتر.
قال الرازي:
«فثبت أن خبر الوأحد مظنون.. لا يجوز التمسك به لقوله تعالى ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾
(أساس التقديس171).
وقال الجويني:
«لا يحكم بصدق خبر الوأحد وإن تلقته الأمة بالقبول»
(البرهان في أصول الفقه11/379 فقرة520 رقم).
فيا لها من مذلة وتناقض أن لا يجدوا من الروايات ما يتهافتون عليه تهافت الذباب إلا ما كان ضعيفا يناقضون به مذهبهم في العقائد إذا تأشعروا.