يُعدّ حديث: «متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ وأنا إنهى عنهما» من أكثر النصوص التي استغلّتها الفرق الضالة للطعن في أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، زاعمين إنه حرّم ما أحلّه الله، وهو ادعاء خطير يقوم على سوء الفهم، وترك الجمع بين النصوص، وإهمال أقوال الصحابة وسياقات الروايات.

والحقيقة أن هذا الحديث لا يمكن فهمه فهمًا صحيحًا إلا من خلال جمع طرقه، والنظر في بقية الأحاديث الصحيحة، ومعرفة فقه الصحابة، وسياق الأحداث التاريخية. فليس كل نهيٍ تحريمًا، وليس كل قولٍ يُفهم على ظاهره دون الرجوع إلى بقية النصوص.

وسيظهر من خلال هذا البحث أن نهي عمر رضي الله عنه لم يكن تشريعًا جديدًا، ولا تحريمًا لما أحلّه الله، بل كان:

في متعة النساء موافقًا لتحريم النبي ﷺ الثابت.

وفي متعة الحج توجيهًا للأفضل والأكمل، لا تحريمًا.

كما يتبين أن من يثير هذه الشبهة يتجاهل النصوص الصريحة في الصحيحين، ويتغافل عن أقوال كبار الصحابة، بل ويقع في التناقض حين يطعن في عمر رضي الله عنه ويُعظّم غيره ممن قال بأقوال أشد في المسألة.

متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أحرمهما

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ أنبأ عبد الله بن محمد بن موسى ثنا محمد بن أيوب أنبأ موسى بن إسماعيل ثنا همام عن قتادة عن أبي نضرة عن جابر رضي الله عنه قال «قلت: أن بن الزبير ينهى عن المتعة وأن بن عباس يأمر بها قال: على يدي جرى الحديث: تمتعنا مع رسول الله e ومع أبي بكر رضي الله عنه فلما ولي عمر خطب الناس فقال أن رسول الله e هذا الرسول وإن هذا القرآن هذا القرآن وإنهما كانتا متعتان على عهد رسول الله e وأنا إنهي عنهما وأعاقب عليهما أحداهما متعة النساء ولا أقدر على رجل تزوج أمرأة إلى أجل إلا غيبته بالحجارة والأخرى متعة الحج أفصلوا حجكم من عمرتكم فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم»

رواه البيهقي في (السنن الكبرى7/206).

وهذا القدح منهم لعمر يلزمهم في أبي ذر رضي الله عنه الذي يعظمه الشيعة. فقد ثبت عنه أن كان يقول: «كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة»

 (مسلم2148).

وفي رواية: عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال قال أبو ذر رضي الله عنه «لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة يعني متعة النساء ومتعة الحج»

(مسلم رقم2150).

وقد ذهب عامة العلماء أن عمر لم يحرم متعة الحج. وإنما كان يرى متعة الحج رخصة تؤدى فيها عمرة وحجة في زيارة وأحدة للبيت. وكان يريد من الناس إتمام العمرة لقوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وكذلك تكثير زيارة البيت حتى لا يزار البيت فقط في الأشهر الحرم. ثم هو صرح بإنه لم ينه عنها نهي تحريم بل يرى تمتع الحج مهتديا بسنة النبي e.

فقد ثبت عن الصُبَيّ بن معبد إنه لما قال لعمر: «إني أحرمت بالحج والعمرة جميعا. قال له عمر: هديت لسنة نبيك» (رواه أحمد في المسند بإسناد صحيح1/14 أو1/246 رقم (83) و(169) و(227) و(254) و(256) و(379) وصححه محققو المسند. ورواه النسائي5/113 وصححه الألباني (صحيح النسائي2/575 ح رقم2550).

وعن ابن عباس قال «سمعت عمر يقول والله إني لا إنهاكم عن المتعة، وإنها لفي كتاب الله، وقد فعلها رسول الله يعني العمرة في الحج»

(سنن النسائي رقم 2719 وصححها الألباني في صحيح النسائي2/578 ح رقم2563).

وروى البيهقي عن علي بن أبي طالب إنه قال لعمر بن الخطاب «إنهيت عن المتعة؟ قال: لا ولكني أردت كثرة زيارة البيت. فقال علي رضي الله عنه: من أفرد الحج فحسن ومن تمتع فقد أخذ بكتاب الله وسنة نبيه e».

وإنما أراد عمر أن لا يخلو بيت الله الحرام من المعتمرين باقي أيام السّنة، ولأن التمتّع كان من السهولة بحيث تُرك الاعتمار في غير أشهر الحج فنهاهم عن التمتع.

وسئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها فقيل له «إنك تخالف أباك قال: أن أبي لم يقل الذي تقولون إنما قال أفردوا العمرة من الحج أي أن العمرة لا تتم في شهور الحج إلا بهدي وأراد أن يزار البيت في غير شهور الحج فجعلتموها أنتم حراما وعاقبتم الناس عليها وقد أحلها الله عز وجل لرسول الله قال فإذا أكثروا عليه قال أفكتاب الله عز وجل أحق أن يتبع أم عمر؟»

(سنن البيهقي5/21 التمهيد8/210 لابن عبد البر وقال مؤلف كتاب حجة الوداع «رجاله ثقات»1/398).

وعن عقيل عن بن شهاب إنه سأل سالم بن عبد الله بن عمر: «لِمَ نهى عمر رضي الله عنه عن المتعة وقد فعل ذلك رسول الله وفعلها الناس معه. فقال أخبرني عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه قال «أن أتم العمرة أن تفردوها من أشهر الحج والحج أشهر معلومات فأخلصوا فيهن الحج واعتمروا فيما سواهن من الشهور»

 (رواه البيهقي في سننه5/21).

قال الطحاوي في شرح معاني الآثار «فأراد عمر رضي الله عنه بذلك تمام العمرة لقول الله عز وجل وأتموا الحج والعمرة لله وذلك أن العمرة التي يتمتع فيها المرء بالحج لا تتم إلا بأن يهدي صاحبها هديا أو يصوم أن لم يجد هديا وإن العمرة في غير أشهر الحج تتم بغير هدى ولا صيام فأراد عمر رضي الله عنه بالذي أمر به من ذلك أي يزار البيت في كل عام مرتين وكره أن يتمتع الناس بالعمرة إلى الحج فيلزم الناس ذلك فلا يأتون البيت إلا مرة وأحدة في السنة فأخبر ابن عمر رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه في هذا الحديث إنه إنما أمر بإفراد العمرة من الحج لئلا يلزم الناس ذلك فلا يأتون البيت إلا مرة وأحدة في السنة لا لكراهته التمتع لإنه ليس من السنة. وإنما كان يريد إرشاد الناس إلى ما هو أفضل منها» انتهى.

والإمام إذا اختار لرعيته الأمر الفاضل، بالشيء نهي عن ضده فكان نهيه عن المتعة على وجه الاختيار لا على وجه التحريم، وهو لم يقل: وأنا أحرمهما كما يكذب الكذاب التيجاني، صاحب أكذوبة (إبحث عن دينك حتى يقال عنك مجنون).

 وإنما قال عمر: إنهى عنهما ثم كان نهيه عن متعة الحج على وجه الاختيار للأفضل لا على وجه التحريم.

وهذا ما صرح به أهل العلم ومنهم البيهقي الذي قال «وجدنا في قول عمر رضي الله عنه ما دل على إنه أحب أن يفصل بين الحج والعمرة ليكون أتم لهما فحملنا نهيه عن متعة الحج على التنزيه وعلى اختيار الأفراد على غيره لا على التحريم وبالله التوفيق»

(سنن البيهقي7/206).

وقد قيل: إنه نهى عن الفسخ، والفسخ حرام عند كثير من الفقهاء، وهو من مسائل الاجتهاد، فالفسخ يحرمه أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، لكن أحمد وغيره من فقهاء الحديث وغيرهم لا يحرمون الفسخ، بل يستحبونه، بل يوجبه بعضهم، ولا يأخذون بقول عمر في هذه المسألة بل بقول: علي، وعمران بن حصين، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم من الصحابة.

أما التحريم المطلق لمتعة الحج فقد ذهب إليه أبو ذر كما في صحيح مسلم عـن إبراهيم التيِّمي عن أبيه عن أبي ذر رضي اللـه عنه قال «كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد خاصة»

(مسلم رقم 1224)

 وأبو ذر من الصحابة المرضيين عند الرافضة فإذا كان الخطأ في مسألة يقتضي القدح والطعن فينبغي أن يشمل أبو ذر أيضًا اللهم إذا كانت القضية هي البحث عن مثالب عمر فقط!

أما متعة النساء فإن عمر لم يحرمها من تلقاء نفسه بل لأن النبي حرَّمها فقد أخرج مسلم في صحيحه عن الربيع بن سبرة الجهني أن أباه حدَّثه، إنه كان مع رسول الله «يا أيها الناس إني قد كنت أذنتُ لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرَّم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهنَّ شيء فليخلِّ سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً»

(مسلم رقم1406).

وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن الزهري عن الحسن بن محمد ابن علي، وأخوه عبد الله عن أبيهما أن علياً رضي الله عنه قال لابن عباس: أن النبي e نهى عن المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر»

(رواه البخاري رقم4825).

 وقال علي بن أبي طالب لمن كان يجيز متعة النساء «إنك لرجل تائه. ألم تعلم أن النبي e حرم عنها يوم خيبر؟»

(رواه مسلم).

وأما الشيعة فقد اعترف بعضهم بهذه الحقيقة قائلا «أن النظرية الفقهية القائلة بأن المتعة حُرِّمت بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب يفندها عمل الإمام علي الذي أقر التحريم في مدة خلافته ولم يأمر بالجواز وفي العرف الشيعي وحسب رأي فقهائنا عمل الإمام حجة لا سيما عندما يكون مبسوط اليد ويستطيع إظهار الرأي وبيان أوأمر الله ونواهيه»

(الشيعة والتصحيح ص120 موسى الموسوي).

رحم الله سعيد بن المسيب الذي أثنى على عمر لموقفه الشديد والصارم حيال المتعة حيث قال:

«رحم الله عمر لولا إنه نهى عن المتعة لصار الزنا جهارا»

(مصنف ابن أبي شيبة3/551 رقم17073).

وصدق رحمه الله/ وهذا من إلهامه. فلولا هذا التشديد وغياب التحريم عن بعض أكابر الصحابة كجابر بن عبد الله وابن عباس لغاب التحريم عن الناس ولانتشر بينهم الزنا وهم يحسبون إنه زواج.

وهذا رد على المقولة الباطلة المنسوبة زورا إلى علي إنه كان يقول وهو بالكوفة: «لولا ما سبق من رأي عمر بن الخطاب - أو قال: من رأي ابن الخطاب ما زنا إلا شقي»

 (مصنف عبد الرزاق7/499).