الحمد لله الذي اصطفى نبيه ﷺ وأعطاه النصرة من أصحابه الكرام، ورفع شأن الصحابة رضي الله عنهم، والصلاة والسلام على خير من بعثه الله رحمة للعالمين.

أما بعد، فإن من أسوأ أساليب الفرق الضالة تدليس الحقائق وتزييف التاريخ لإشاعة الأكاذيب عن الصحابة الكرام، ومن ذلك إدعاء أن بعض الصحابة رضي الله عنهم قد حاولوا قتل النبي ﷺ، وهو ما لم يثبت بشيء من الصحة على الإطلاق.

وقد بين الإمام ابن حزم رحمه الله بوضوح أن هذه الروايات ساقطة ومكذوبة، وأن مصدرها الوليد بن جميع، الذي لم يُعرف من وضع هذه الأخبار، مؤكداً أن كل ما جاء عن طريقه في هذا الباب باطل لا أساس له من الصحة. ويهدف هذا المقال إلى توضيح موقف الإمام ابن حزم من هذه الأكاذيب، مع تقديم الأدلة الصحيحة على فضائل الصحابة الكرام وصدق ولائهم للنبي ﷺ، وكشف التلاعب الكاذب للرافضة.

بيان تدليس الرافضة:

لقد سمعت كذب، وتدليس الرافضة بادعائهم أن الإمام ابن حزم يقول بأن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص قد حاولوا اغتيال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فأقول أن هذا من الكذب الواضح، والتدليس الفاضح من كلب نابح، فالإمام ابن حزم رحمه الله اورد هذه الفرية، وبين إنها من المكذوب، الموضوع الذي يحاسب الله تعالى واضعه، حيث قال رحمه الله: " وَأَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فَسَاقِطٌ، لِإنه مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ - وَهُوَ هَالِكٌ - وَلَا نَرَاهُ يَعْلَمُ مَنْ وَضَعَ الْحَدِيثَ فَإنه قَدْ رَوَى أَخْبَارًا فِيهَا أن أبا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَطَلْحَةَ، وَسَعْدَ بْنَ أبي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَرَادُوا قَتْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وَإِلْقَاءَهُ مِنْ الْعَقَبَةِ فِي تَبُوكَ - وَهَذَا هُوَ الْكَذِبُ الْمَوْضُوعُ الَّذِي يَطْعَنُ اللَّهُ تَعَالَى وَاضِعَهُ - فَسَقَطَ التَّعَلُّقُ بِهِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ "

المحلى - أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم - ج 12 ص 160

فالإمام ابن حزم بين بطلان هذا الشيء، وقد حكم بتضعيف الوليد بن جميع، ومع إنه ضعفه، فإنه برأه من أن يضع الأحاديث، ثم ذكر إنه قد روى اخبارا فيها أن أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة وسعد رضي الله عنهم جميعا ارادوا قتل النبي، ثم حكم عليها بالكذب، فأقول:

1 – لا يوجد اي إسناد حديث فيه أن هؤلاء الصحابة الكرام قد حاولوا قتل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، والمفهوم من كلام الإمام ابن حزم أن اسماء هؤلاء الصحابة الكرام قد أُقحم في اخبار الوليد بن جميع ولا دخل له بها فكلام ابن حزم واضح جدا بقوله: (ولَا نَرَاهُ يَعْلَمُ مَنْ وَضَعَ الْحَدِيثَ فَإنه قَدْ رَوَى أَخْبَارًا فِيهَا أن أبا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَطَلْحَةَ، وَسَعْدَ بْنَ أبي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَرَادُوا قَتْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وَإِلْقَاءَهُ مِنْ الْعَقَبَةِ فِي تَبُوكَ - وَهَذَا هُوَ الْكَذِبُ الْمَوْضُوعُ الَّذِي يَطْعَنُ اللَّهُ تَعَالَى وَاضِعَهُ) فكل شيء جاء عن طريق الوليد بن جميع فهو مكذوب عليه ولا دخل له به كما صرح الإمام ابن حزم.

2 – هل يستطيع اي أحد أن ياتي لنا ولو بسند وأحد يذكر أن هؤلاء الصحابة الكرام قد حاولوا أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم؟!!!، ووالله لو وجدوا إسنادا وأحدا لأتوا به.

3 – لقد جاءت الروايات الصحيحة الصريحة بفضائل هؤلاء الصحابة الكرام، ومن ضمنها روايات لحذيفة رضي الله عنه.

ففي صحيح مسلم:

 " حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ وَأحمد بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ أبي أُوَيْسٍ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أبي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان عَلَى جَبَلِ حِرَاءٍ فَتَحَرَّكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْكُنْ حِرَاءُ فَمَا عَلَيْكَ إلا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ وَعَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدُ بْنُ أبي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ "

صحيح مسلم - بَابُ مِنْ فَضَائِلِ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - ج 4 ص 1880

وفيه: " 40 - (2410) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَأمر بْنِ رَبِيعَةَ، أن عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَهِرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ، لَيْلَةً، فَقَالَ: «لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ» قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ سَمِعْنَا خَشْخَشَةَ سِلَاحٍ، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟» قَالَ: سَعْدُ بْنُ أبي وَقَّاصٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا جَاءَ بِكَ؟» قَالَ: وَقَعَ فِي نَفْسِي خَوْفٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجِئْتُ أَحْرُسُهُ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ نَامَ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ فَقُلْنَا: مَنْ هَذَا؟ "

مسلم - بَابٌ فِي فَضْلِ سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ج 4 ص 1875

ولقد صرح حذيفة رضي الله عنه بتزكية امير المؤمنين عمر رضي الله عنه.

 قال الإمام البزار:

" 2885 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَأحد بْنُ غِيَاثٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أبي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: دُعِيَ عُمَرُ، لِجِنَازَةٍ، فَخَرَجَ فِيهَا أَوْ يُرِيدُهَا فَتَعَلَّقْتُ بِهِ فَقُلْتُ: اجْلِسْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإنه مِنْ أُولَئِكَ، فَقَالَ: «نَشَدْتُكَ اللَّهَ أَنَا مِنْهُمْ»، قَالَ: «لَا وَلَا أُبَرِّئُ أحدا بَعْدَكَ»"

مسند البزار - أبو بكر أحمد بن عمرو البزار – ج 7 ص 292

وقال الإمام الهيثمي:

 " 4225 - وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: دُعِيَ عُمَرُ لِجِنَازَةٍ، فَخَرَجَ فِيهَا أَوْ يُرِيدُهَا، فَتَعَلَّقْتُ بِهِ فَقُلْتُ: اجْلِسْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ; فَإنه مِنْ أُولَئِكَ، فَقَالَ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ، أَنَا مِنْهُمْ؟ قَالَ: لَا، وَلَا أُبَرِّئُ أحدا بَعْدَكَ رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ "

مجمع الزوائد – أبو الحسن علي بن أبي بكر الهيثمي – ج 3 ص 42

وقال العلامة البوصيري:

 " 1916 - وَعَنْ حُذَيْفَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: "مَاتَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فَلَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: مَا مَنَعَكَ أن تُصَلِّي عَلَيْهِ؟ قَالَ: قُلْتُ: إنه مِنْهُمْ. فَقَالَ: أَبِاللَّهِ مِنْهُمْ أَنَا؟ قُلْتُ: لَا. فَبَكَى".

رَوَاهُ مُسَدِّدٌ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ " إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة – أبو العباس أحمد بن أبي بكر البوصيري – ج 2 ص 474

وكذلك نقل حذيفة رضي الله عنه أمر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم للامة بالاقتداء بابي بكر وعمر رضي الله عنهما.

 قال الإمام ابن حبان:

" 6902 - أَخْبَرَنَا أحمد بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سَالِمٍ الْمُرَادِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ، عن ربعي بن حراش عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "إِنِّي لَا أَرَىبَقَائِي فِيكُمْ إلا قَلِيلًا، فَاقْتَدُوا بِالَّذِينَ مِنْ بَعْدِي - وَأَشَارَ إلى أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ - واهتدوا بهدي عمار، وما حدثكم بن مسعود فاقبلوه[1]".

ولولا الاطالة لذكرت اكثر من مائة رواية متصلة السند، وبتصحيح العلماء الافذاذ لها في فضائل هؤلاء الصحابة الكرام من المبشرين بالجنة.

تنبيه:

ومع أن الكلام الصحيح في الحُكمِ على الوليد بن جميع أن مرتبته في الحديث لا تنزل عن الحسن، إلا أن الإمام ابن حزم لم ينفرد بتضعيفه كما يزعم بعض جهلة الرافضة، بل أن بعض الائمة قد ضعفوا الوليد بن جميع رحمه الله قال الحافظ ابن حجر: " 230 بخ م د ت س البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي الوليد بن عبد الله بن جميع الزهري المكي الكوفي وقد ينسب إلى جده روى عن أبي الطفيل وعكرمة ومجاهد وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن بن خلاد وإبراهيم النخعي وعن جده وقيل عن جدته وغيرهم وعنه ابنه ثابت وحفص بن غياث ووكيع ويحيى القطان وأبو أحمد الزبيري وابن فضيل وأبو أسامة ويزيد بن هارون وعبيد الله وموسى وأبو نعيم وآخرون قال أحمد وأبو داود ليس به بأس وقال بن معين والعجلي ثقة وقال أبو زرعة لا بأس به وقال أبو حاتم صالح الحديث وقال عمرو بن علي كان يحيى بن سعيد لا يحدثنا عنه فلما كان قبل موته بقليل حدثنا عنه وذكره بن حبان في الثقات قلت وذكره أيضًا في الضعفاء وقال ينفرد عن الاثبات بما لا يشبه حديث الثقات فلما فحش ذلك منه بطل الاحتجاج به وقال بن سعد كان ثقة له أحاديث وقال البزار احتملوا حديثه وكان فيه تشيع وقال العقيلي في حديثه اضطراب وقال الحاكم لو لم يخرج له مسلم لكان أولي "

تهذيب التهذيب – أحمد بن علي بن حجر - ج 11 ص 122

وقال الإمام ابن الجوزي:

" 3644 - الْوَلِيد بن جَمِيع يروي عَن عبد الرَّحْمَن بن خَالِد قَالَ ابْن حبَان ينْفَرد عَن الْأَثْبَات بِمَا لَا يشبه حَدِيث الثِّقَات فَلَمَّا فحش ذَلِك مِنْهُ بَطل الِاحْتِجَاج بِهِ "

الضعفاء والمتروكون – عبد الرحمن بن علي بن الجوزي – ج 3 ص 183

وقال الإمام الذهبي:

" 6848 - م مُتَابعَة د ت س ق / الْوَلِيد بن جَمِيع هُوَ ابْن عبد الله قَالَ ابْن حبَان فحش تفرده فَبَطل الإحتجاج بِهِ وَقَالَ الْحَاكِم لَو لم يذكرهُ مُسلم لَكان أولى قَالَ أبو حَاتِم صَالح الحَدِيث وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره "

المغني في الضعفاء – محمد بن أحمد الذهبي - ج 2 ص 721

______________________________________________________

[1] حديث صحيح، إسناده حسن...." صحيح ابن حبان – تحقيق شعيب الارناؤوط – ج 15 ص 327 – 329