أيكن اتقت الله ولم تأت بفاحشة مبينة ولزمت ظهر حصيرها فهي زوجتي في الآخرة

الحمد لله الذي أنزل القرآن وبيّن السنة، وجعل للحديث ضوابط علمية دقيقة للتثبت، والصلاة والسلام على نبي الأمة محمد ﷺ، خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد،

فإن من الأمور التي تقع في مجال التحقيق العلمي للأحاديث، ما يُنسب للنبي ﷺ من أقوال تتعلق بمقام الزوجة في الآخرة، ومن ذلك الحديث المزعوم: «أيكن اتقت الله ولم تأت بفاحشة مبينة ولزمت ظهر حصيرها فهي زوجتي في الآخرة». وقد رواه الإمام ابن سعد في الطبقات الكبرى (ج8 ص167–168) عن سلسلة من الرواة: محمد بن عمر عن عبد الله بن جعفر عن محمد بن أبي حرملة عن عطاء بن يسار عن العرباض بن سارية.

لكن عند دراسة سند الرواية ومقارنة الرواة بكتب التراجم وأهل العلم، يتبين أن الحديث ضعيف لا يصح للاحتجاج به. ويرجع ذلك إلى:

ضعف راوٍ السند الأول: محمد بن عمر الواقدي، وقد اتفق أهل العلم على إنه متروك ضعيف.

انقطاع السند: حيث أن عطاء بن يسار ولد بعد وفاة النبي ﷺ، مما يجعل الرواية منقطعة.

في هذا المقال نوضح هذه العلل بالتفصيل، مع عرض أقوال علماء الحديث في تقييم السند والرواة، ونبيّن الفرق بين الحديث المروي منقطعًا وبين الأحاديث الصحيحة الثابتة في فضل التقوى والتزام الزوجات الصالحات.

قال الإمام ابن سعد:

 أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بن جعفر عن مُحَمَّدِ بْنِ أبي حَرْمَلَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أن النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لأَزْوَاجِهِ: أَيِّكُنَّ اتَّقَتِ اللَّهَ وَلَمْ تَأْتِ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَلَزِمَتْ ظَهْرَ حَصِيرِهَا فَهِيَ زَوْجَتِي فِي الآخِرَةِ "

الطبقات الكبرى – محمد بن سعد بن منيع - ج 8 ص 167 - 168

هذه الرواية لا تصح وفيها علتان:

1 – محمد بن عمر وهو الواقدي متروك.

2 – الانقطاع بين عطاء ورسول الله صلى الله عليه واله وسلم.

فاما ما يتعلق بالواقدي، فقد قال الإمام الذهبي:

 " 5861 - ق / مُحَمَّد بن عمر بن وَاقد الْأَسْلَمِيّ مَوْلَاهُم الْوَاقِدِيّ صَاحب التصانيف مجمع على تَركه وَقَالَ ابْن عدي يروي أحاديث غير مَحْفُوظَة وَالْبَلَاء مِنْهُ وَقَالَ النَّسَائِيّ كان يضع الحَدِيث وَقَالَ ابْن مَاجَه ثَنَا ابْن أبي شيبَة ثَنَا شيخ ثَنَا عبد الحميد بن جَعْفَر فَذكر حَدِيثا فِي لِبَاس الْجُمُعَة وحسبك بِمن لَا يَجْسُر أن يُسَمِّيه ابْن مَاجَه" المغني في الضعفاء – محمد بن أحمد الذهبي – ج 2 ص 619

وقال الإمام ابن حجر:

 " 6175 - محمد بن عمر بن واقد الأسلمي الواقدي المدني القاضي نزيل بغداد متروك مع سعة علمه من التاسعة مات سنة سبع ومائتين وله ثمان وسبعون ق " تقريب التهذيب ـ أحمد بن علي بن حجر - ص 882

واما عطاء بن يسار، فقد قال الإمام ابن حجر:

 " 4605 - عطاء بن يسار الهلالي أبو محمد المدني مولى ميمونة ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة من صغار الثانية مات سنة أربع وتسعين وقيل بعد ذلك ع " تقريب التهذيب ـ أحمد بن علي بن حجر - ص 679

وقال أيضًا في ترجمته في التهذيب:

" وقال عمرو بن علي وغيره مات سنة (103) وهو ابن (84) سنة وقيل توفي بالإسكندرية " تهذيب التهذيب – أحمد بن علي بن حجر - ج 7 ص 194

فولادته بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فالأثر منقطع أيضًا.