الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد،

فإن من منهج الفرقة الرافضية الضالة إثارة الشبهات حول نصوص السنة الصحيحة، وخاصة ما كان منها ثابتًا في أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، كصحيح الإمام البخاري رحمه الله. ومن ذلك اعتراضهم على حديث بدء الوحي، حين قال النبي ﷺ: «لقد خشيت على نفسي»، فزعموا أن في ذلك شكًّا في ربه سبحإنه وتعالى، أو ترددًا في اليقين.

وهذا الاعتراض في حقيقته ناشئ عن سوء فهم للنصوص، وجهلٍ بمقام النبوة، بل وتناقض ظاهر مع ما تقرره كتبهم المعتمدة، ومع ما جاء في القرآن الكريم نفسه من بيان حال النبي ﷺ قبل نزول الوحي. فإن الله تعالى يقول:
﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾، ويقول سبحانه: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾.

فهل في ذلك طعن في النبوة؟ أم هو بيان لحقيقة انتقال النبي ﷺ من حال البشرية قبل الوحي إلى مقام الرسالة بالوحي؟

سنعرض في هذا المقال تفصيل هذه الشبهة، والجواب عنها من وجوه متعددة، مع بيان التناقض الواقع عند من أثارها، وبيان أن الحديث في حقيقته منقبة عظيمة لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، ودليل على عظيم تثبيتها للنبي ﷺ في أول لحظات الرسالة.

إني خشيت على نفسي (لما أتاه الوحي أول مرة):

رواه البخاري1/4 حديث رقم3 باب كيف كان بدء الوحي.

وقد اعترض الرافضة على هذه الرواية قائلين: هل يجوز أن يكون النبي شاكا في ربه.

(أضواء على الصحيحين2/242 محمد صادق النجمي، دراسات في الحديث ص270 هاشم معروف الحسيني).

ولكن أليسوا يقولون: كل ما خالف القرآن: ﴿فماذا عساهم أن يقولوا في هذه الآية ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى.

وجاء في كتب الرافضة « أما سمعت قول الله عز وجل: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ثم قال: أي شئ يقول أصحابكم في هذه الآية، أيقرون إنه كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الايمان؟ فقلت: لا أدري جعلت فداك ما يقولون فقال لي: بلى قد كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الايمان».

(الكافي1/274 بحار الأنوار81/266).

وهكذا صار علي أفضل من نبينا صلوات الله وسلامه عليه. لأن عليا أتى بالشهادتين عند خروجه من بطن أمه. بينما الرسول لم يكن يدري قبل النبوة ما الكتاب ولا الايمان.

وأما ما جاء في طبقات ابن سعد1/195 «وإني لأخشى أن أكون كاهنا» ففي الرواية معمر بن راشد. قال الحافظ « حديثه الذي حدث به بلده مضطرب لإنه كان يحدث في بلده من كتبه على الصحة، وأما إذا رحل فحدث من حفظه بأشياء وهم فيها. اتفق على ذلك أهل العلم به كابن المديني والبخاري وأبي حاتم ويعقوب ابن شيبة وغيرهم»

(التلخيص الحبير3/168).

وقال الذهبي «له أوهام معروفة»

(ميزان الاعتدال6/480).

إن هذا الحديث الذي يثيرون الشكوك ضده هو من مناقب خديجة العظيمة فإنه يكشف عن كمال عقلها ورشدها ومؤازرتها للنبي صلى الله عليه وسلم في أحلك أوقاته. وهذه الكلمات تكتب بماء الذهب وتبين أن من تحلى بجماع صفات البر والحرص على الخير فلا يخذله الله بخلاف الكهان فإنهم أخبث الناس وأكذبهم.