تُعدّ مسألة رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة من أعظم مسائل الاعتقاد، وأدقّها بحثًا في أبواب الأسماء والصفات. وقد دلّ الكتاب والسنة على أن أعظم نعيم أهل الجنة هو لذة النظر إلى وجه الله الكريم، رؤيةً حقيقية تليق بجلاله وعظمته، من غير تكييف ولا تمثيل ولا إحاطة.

غير أن من أشهر ما يُستدل به على نفي الرؤية قوله تعالى لموسى عليه السلام:
﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف: 143].

وزعم بعضهم أن أداة (لن) تفيد النفي المؤبّد، فاستدلوا بها على امتناع الرؤية مطلقًا في الدنيا والآخرة.

وهذا المقال يحرّر محل النزاع في هذه الآية، ويعرض وجوه الرد العلمية على هذه الشبهة، من جهة اللغة، والسياق القرآني، والنصوص الأخرى، وأقوال أهل العلم.

وأما الشبهة الثانية وهي قولهم:

إن الله عز وجل قال لموسى: (لن تراني) و(لن) تفيد النفي المؤبد كما في اللغة العربية.

وهذا قول باطل من وجوه:

الأول: أن (لن) ليست للنفي المؤبد، وبرهـان ذلك كما قـال سبحانه عن المشركين: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [البقرة:95] أي: الموت، ومع ذلك فإن الكفار سيقولون بعد مدة في النار: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77] والكفار لم يتمنوه فقط بل طلبوه، فدل على أن (لن) لا تفيد النفي المؤبد.

ولله در ابن مالك النحوي حين قال:

ومن رأى النفي بلن مؤبدا فقوله اردد وسواه فاعضدا

الثاني: أن موسى طلب الرؤيا في الدنيا بقوله لربه: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:143] أي: الآن، فأخبره الله بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي أي: في الدنيا، فدل على جواز الطلب، لكن بين الله له تعذر تحقق ذلك في الدنيا، وهو فهم معلوم؛ لإنه لم يقل سبحانه لنبيه: إني لا أرى.

وهذا ما فهمه آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فعن الرضا عليه السلام قال: لما بعث الله عز وجل موسى بن عمران واصطفاه نجياً وفلق له البحر ونجَّى بني إسرائيل وأعطاه التوراة والألواح رأى مكانه من ربه عز وجل، فقال موسى: يا رب، فإن كان آل محمد كذلك، فهل في أصحاب الأنبياء أكرم عندك من صحابتي؟ قال الله عز وجل: يا موسى، أما علمت أن فضل صحابة محمد على جميع صحابة المرسلين كفضل آل محمد على جميع آل النبيين، وكفضل محمد على جميع النبيين، فقال موسى: يا رب، ليتني كنت أراهم! فأوحى الله عز وجل إليه: يا موسى، إنك لن تراهم فليس هذا أوان ظهورهم، ولكن سوف تراهم في الجنات، جنات عدن والفردوس بحضرة محمد، في نعيمها يتقلبون، وفي خيراتها يتبحبحون تفسير الإمام العسكري: (31)، بحار الأنوار: (13/340)، تأويل الآيات: (411)

الثالث: أن رؤية الله تعالى في الدنيا مستحيلة؛ لأن الحال البشرية لا تقوى على تحمل رؤية الله عز وجل؛ كيف وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل: (إن لله سبعين ألف حجاباً من نور وظلمة لو كشفها عن وجهه لأحرقت سبحات وجهه ما أدرك بصره من خلقه)

عوالي اللآلي: (4/106)، بحار الأنوار: (55/45).

ومعلوم أن بصر الله يدرك كل شيء يرى.

وهذا ملاحظ ومعلوم أن عين البشر لا تحتمل رؤية كل شيء في الحياة الدنيا، ومن أمثلة ذلك ضعفها عن رؤية الشمس المتواجدة يومياً، وهي من المخلوقات الضعيفة، فكيف الحال برؤية وجه الجبار سبحانه وتعالى الذي هو أعظم شأناً ووجوداً ونوراً من المخلوقات الضعيفة؟

الرابع: أن موسى عليه السلام كان أعلم بربه من هؤلاء النفاة، ولهذا نجده قد طلب ما يجوز له طلبه، لكن الله سبحانه أخبره إنه لم يحن وقت الرؤية بعد، بمثال ضربه له سبحانه وهو تعليق الرؤية بقدرة الجبل العظيمة من تحمل رؤيته.
ومما يدل على جواز وصحة ما سأله كليم الله موسى عليه السلام: أن الله لم ينكر عليه طلبه، مثل ما أنكر على نوح عليه السلام لما سأله ما لا يجوز له، وهو نجاة ابنه الكافر.

قال تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إنه لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إنه عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أن تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ [هود:46]، وبهذا الوجه يتبين أن الآية دليل عليهم لا لهم.