هل قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ينفي رؤية الله؟ دراسة لغوية وعقدية في مسألة رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة

تُعدّ مسألة رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة من أعظم مسائل العقيدة، لما يترتب عليها من بيان كمال نعيم أهل الجنة، وإثبات ما أثبته الله لنفسه من غير تشبيه ولا تعطيل. وقد دلّت نصوص كثيرة من القرآن والسنة على أن أعظم نعيم أهل الجنة هو النظر إلى وجه الله الكريم، رؤيةً حقيقية تليق بجلاله وعظمته، بلا كيفية ولا إحاطة.

غير أن من أشهر ما يُستدل به على نفي الرؤية قوله تعالى:
﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: 103].
فزعم بعضهم أن هذه الآية تنفي رؤية الله مطلقًا، محتجين بأن نفي الإدراك يستلزم نفي أصل الرؤية.

وهذا المقال يحرّر محل النزاع في هذه الآية، ويبيّن الفرق بين الإدراك والرؤية في لغة العرب، ويوضح أن الآية في حقيقتها ليست دليلًا على نفي الرؤية، بل هي دليل على تنزيه الله عن الإحاطة به مع إثبات أصل الرؤية.

وأما الشبهة الثالثة في قوله تعـالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام:103].

فالجواب:

أن الآية فيها نفي الإدراك لا نفي الرؤية. والإدراك مثلما هو معلوم في اللغة العربية أعم من الرؤية، والرؤية لا تستلزم الإدراك؛ إلا ترى أن الرجل يرى السماء ولا يحيط بها إدراكاً، وكذا الحال مع البحر!

فإذا أثبتنا أن الله تعالى يُرى؛ لم يلزم من هذا الإثبات أن يُدرك سبحانه بهذه الرؤية؛ لأن الإدراك أخص معنى من مطلق الرؤية.

ولهذا نقول: أن نفي الإدراك يدل على وجود أصل الرؤية؛ لأن نفي الأخص يدل على وجود الأعم، ولو كان الأعم منتفياً؛ لوجب نفيه.

ولقيل: لا تراه الأبصار؛ لأن نفيه يقتضي نفي الأخص، ولا عكس، ولإنه لو كان الأعم منتفياً؛ لكان نفي الأخص إيهاماً وتلبيساً ينزَّه عنه كلام الله عز وجل، وعلى هذا تكون الآية دليلاً على من ينفي لا دليلاً له.

نبذة عن المقال