إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة والرد على شبه المنكرين في دعوى الجسمية وتأويل آيات النفي
الحمد لله رب العالمين، الذي وصف نفسه بصفات الكمال، ونزَّه ذاته عن مماثلة المخلوقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، المبلِّغ عن ربه أعظم البلاغ وأكمله.
أما بعد؛ فإن مسألة رؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتعالى يوم القيامة من أعظم مسائل الاعتقاد، وأجلِّ أبواب الإيمان بصفات الله عز وجل، وقد دلَّت عليها نصوص الكتاب والسنة دلالة صريحة واضحة، وأجمع عليها سلف الأمة وأئمة الهدى. غير أن بعض الفرق الضالة خالفت في ذلك، فأنكرت الرؤية، واستندت إلى شبه عقلية وتأويلات فاسدة لبعض الآيات، كدعوى أن إثبات الرؤية يستلزم إثبات الجسمية، وأن الجسمية تستلزم التشبيه والتمثيل، أو الاستدلال بقوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، وقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾.
وهذا المقال يعالج هذه الشبهات معالجة علمية مؤصلة، مبنية على فهم صحيح للغة العربية، وقواعد الاستدلال، وجمع النصوص الشرعية بعضها إلى بعض، مع بيان فساد التلازم الذي يدّعيه المنكرون بين الرؤية والجسمية، وتوضيح أن مذهب أهل السنة قائم على إثبات ما أثبته الله لنفسه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
وأما الشبهة الرابعة في قولهم:
لو كان الله يُرى لزم أن يكون جسماً، والجسم ممتنع على الله تعالى؛ لإنه يفيد التركيب؛ وهذا يستلزم التشبيه والتمثيل.
فالجواب:
نقول ابتداء: أن كان يلزم من رؤية الله تعالى أن يكون جسماً؛ فلنثبت الجسمية له سبحانه على سبيل الجدل والتسليم الافتراضي، لكننا نعلم علم اليقين إنه لا يماثل أجسام المخلوقين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:11].
لكننا نقول: لا نسلم إنه لابد أن يكون جسماً حتى يُرى، فالإنسان يرى النور، والنور ليس بجسم.. وهكذا.
ثم أن لفظ الجسم لا يُثبت ولا يُنفى لله حتى يستفصل عن معناه، فإن أريد به ما هو مركب من لحم وعظم وغيرهما فباطل.
وإن أريد به ما هو قائم بذاته متصف بصفات الكمال فهو حق وثابت لله عز وجل، لكن لا يطلق هذا اللفظ لا نفياً ولا إثباتاً، لعدم وروده في الكتاب والسنة، بل نقتصر على ما ورد فيهما.
نكمل رؤية المؤمنون لله:
ولو أخذنا كلمة نظر في اللغة العربية واستعمالاتها لوجدنا إنها تختلف بحسب ما بعدها وبحسب تعديها بالحرف أو بغيره، وبما يأتي بعدها من الصفة فيقول المصنف: فإن عدي بنفسه فمعناه التوقف والانتظار:انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُم [الحديد:13] فإذا قلت: انظر فمعناها توقف لي، وتمهل، وانتظرني، " وإن عدي بـ(في) فمعناه التفكر والاعتبار "، كما قال الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 185] أي: أولم يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض، وهذا في القُرْآن الكريم كثير أَفَلا يَنْظُرُونَ [الغاشية:17]، أي: يتفكرون، فالنظر بمعنى التفكر وبمعنى الاعتبار.
أما أن تعدى إلى مفعوله بـ"إلى" فهذا هو النظر الحسي الحقيقي بالعين والبصر، كما في قوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام:99] فانظروا بمعنى: تأملوا وشاهدوا وطالعوا ذلك بالعين لتتأملوا ذلك وتعلموا دقيق صنع الله سبحانه وَتَعَالَى، وعجيب خلق الله في هذه الثمار إذا أظهرها، وفي هذا الينع إذا أطلعه سبحانه وَتَعَالَى، إضافة إلى أن التعدي كان بـ"إلى" في هذه الآية:﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فقد أُسند الفعل إلى الوجوه، والوجه محل النظر، وهو محل العينين، فلم يعد هناك أي احتمال لأن يكون معنى النظر الانتظار أو التفكر أو التوقف.
الرد على المنكرين في نفي الرؤية:
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
وأما استدلال المنكرين بقوله تعالى:﴿ قَالَ لَنْ تَرَانِي ﴾ [الأعراف:143] وبقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصار﴾ [الأنعام:103] فالآيتان دليل عليهم:
أما الآية الأولى: فالاستدلال منها عَلَى ثبوت رؤيته من وجوه:
الأول: أنكم إذا قلتم أن رؤية الله سبحانه وَتَعَالَى محال كما هو مذهبكم، فيُقَالُ: هل يظن بنبي الله وكليم الله وأعلم الخلق بالله في زمإنه وهو موسى عَلَيْهِ السَّلام أن يسأل أمراً محالاً في حق الله عَزَّ وَجَلَّ. فسؤال موسى عَلَيْهِ السَّلام دليل عَلَى الإمكان، والأنبياء هم أعلم النَّاس وأعرفهم بصفات ربهم عَزَّ وَجَلَّ، أرسلهم الله سبحانه وَتَعَالَى، ليعلموا النَّاس صفات الله سبحانه وَتَعَالَى وما ينبغي له وما لا يجوز أن يطلق عليه وما لا يجوز أن يقال في حقه، فإذا جَاءَ النبي وسأل ربه ذلك، فهذا في ذاته دليل عَلَى إنه ليس بمحال، ومنكرو الرؤية لا يجعلونه ممكن، بل يجعلونه محال استحالة مطلقة، فكانهم أعرف بالله عَزَّ وَجَلَّ وبما يليق به وما لا يليق من نبيه موسى عَلَيْهِ السَّلام!!.
الثاني: إنه سبحانه وَتَعَالَى لم ينكر عَلَى موسى عَلَيْهِ السَّلام سؤال الرؤية، بينما نجد إنه سبحانه وَتَعَالَى ينكر ولو عَلَى الأَنْبِيَاء إذا سألوه وطلبوه أمراً محالاً، لا نقول: إحالة كلية لأن المحال بالمرة لا يسأله الأنبياء، ولكن إذا سألوا أمراً يظنون إنه ممكن وهو مما لم يشأ الله عَزَّ وَجَلَّ أن يفعله، كما سأل نوح عَلَيْهِ السَّلام ربه نجاة ابنه فَقَالَ ﴿رَبِّ أن ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود:45] يستعطف ويسترحم ويسأل ربه سبحانه وَتَعَالَى أن ينجي ابنه، فرد الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عليه بقوله: ﴿ إنه لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إنه عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:46] فسؤال الله عَزَّ وَجَلَّ أمراً قد قطع الله سبحانه وَتَعَالَى بإنه لا يتحقق هذا مما يفعله الجاهلون، ولهذا قال الله سبحانه وَتَعَالَى لنوح عَلَيْهِ السَّلام: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾، فهو ليس من الجاهلين عَلَيْهِ السَّلام، ولكن الرحمة والشفقة الفطرية جعلته يدخل الابن في عموم من ينجو من الأهل فَقَالَ رَبِّ أن ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَق ولكن الله سبحانه وَتَعَالَى ذكر أن الابن خارج عن الوعد وليس داخل فيه، ووعظ نبيه نوحاً أن يسأله مثل ذلك، فلو كان سؤال نبي الله تَعَالَى موسى الكليم من هذا القبيل لقال له أيضًا، لا تفعل ذلك ولا تسألني مثل هذا ولا تطلب مني شيئاً من هذا، وهذا لم يقع ولم يحصل في سؤال الكليم موسى عَلَيْهِ السَّلام.
الثالث: إنه تَعَالَى قَالَ: {لَنْ تَرَانِي} ولم يقل: إنني لا أُرى، أو إنني لا تجوز رؤيتي، أو إنني لست بمرئي، ففرق بين هذا وبين قوله: لَنْ تَرَانِي فهو مجرد نفي لوقوع الفعل، ليس نفياً لإمكان الوقوع مطلقاً.
الرابع: أن "لن" لو كانت للتأبيد لما جاز أن يحدد الفعل بعدها، فلو كانت هذه الأداة في لغة العرب كما يزعمون للتأبيد المطلق لما صح أن يقع بعدها استثناء أو تحديد للفعل، بينما نجد إنه قد جَاءَ ذلك في القرآن، كما في قوله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى لسان أخي يوسف ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف:80] إذا حصل الإذن من أبيه فإنه سيبرح الأرض، فحصل النفي بـ "لن" وحصل معه التحديد، فالنفي يستمر إلى حالة حصول الإذن، فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي.