منزلة قول الإمام في الفكر الإمامي الاثني عشري
تُعدّ مسألة مصدر التشريع وحدود العصمة من أهم القضايا العقدية التي تميّز بين المدارس الإسلامية المختلفة، إذ يتوقف عليها فهم الوحي، وضبط العلاقة بين النص الإلهي وكلام البشر. وقد ظهر في التراث الإمامي الاثني عشري اتجاه يمنح الإمام منزلة خاصة في البيان والتفسير، حتى نُقلت نصوص تفيد أن قوله يُنزّل منزلة قول الله تعالى، وأن الردّ عليه يُعدّ ردًا على الله، بل وُصف في بعض الروايات بأنه على حدّ الشرك بالله.
وقد أثار هذا التصور إشكالات عقدية ومنهجية، خاصة عند ورود روايات متعارضة منسوبة إلى الأئمة، حيث لجأ بعض علماء الإمامية إلى مبدأ “التقية” لتفسير هذا التعارض. غير أن هذا المسلك يفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول طبيعة كلام الإمام، وهل يُعدّ وحيًا معصومًا ككلام الله، أم اجتهادًا بشريًا يُحتمل فيه الخطأ والصواب.
كما ترتّب على هذا المفهوم موقف شديد من المخالف، حيث نُقل عن بعض أعلامهم أن المخالفة في مسألة واحدة من مسائل الدين تُلحق صاحبها بحكم من خالف في جميعها، وهو ما يعكس مركزية الإمامة في البناء العقدي لديهم، وتحويلها إلى معيار للحكم على الإيمان والكفر، والطاعة والرد.
ويهدف هذا المقال إلى عرض النصوص التي تقرر مساواة قول الإمام بقول الله في بعض المصادر الإمامية، وتحليل آثار هذا التصور على مفهوم العصمة، والتقية، وحكم المخالف، مع إبراز الفارق بين هذا المسلك وبين المفهوم القرآني العام للوحي والتشريع كما استقرّ عند جمهور المسلمين.
قال الإمام يعني عندهم يساوي قال الله
وهذا ضرب لصميم مذهبهم. ولهذا لما رأى الحر العاملي أن في هذه الروايات إشكال كبير اضطر أن يستعمل بلسم التقية المنقذ من كل ورطة وتناقض، فقال «هذا محمول على التقية»
(وسائل الشيعة51/83).
الراد على الإمام مشرك لأن قال الإمام هو قال الله
فعن أبي عبد الله قال «الراد علينا كالراد على الله والرد علينا على حد الشرك بالله»
(الكافي للكليني1/67 والكافي ص425 للصلاح الحلبي وكتاب الاجتهاد والتقليد ص388 للخوئي وتهذيب الأصول3/147 للخميني بحار الأنوار1/192 و101/262).
وهذا يجعل كلام الإمام بمنزلة كلام الله.
فقد زعم المازندراني أنه يجوز لمن يروي عن أبي عبد الله قولاً أن يقول (قال الله تعالى) لأن قول الإمام كقول الله. قال: «إن حديث كل واحد من الأئمة الطاهرين هو قول الله عز وجل، ولا اختلاف في أقوالهم كما لا اختلاف في قول الله»
(شرح أصول الكافي2/225 للمازندراني).
ولكن يشكل على قولهم هذا بأنهم قد رووا عن الأئمة أقوالاً كثيرة مخالفة للصواب وحملوها على التقية.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو:
هل يتكلم الله على التقية؟
أليس هذا من الطعن في الله عز وجل؟
المخالف في واحدة كالمخالف في الجميع
قال ابن بابويه «واعتقادنا فيمن خالفنا في شيء واحد من أمور الدين كاعتقادنا فيمن خالفنا في جميع أمور الدين»
(الاعتقادات: ص116 وانظر الاعتقادات للمجلسي: ص100).