عبدالرحمن دمشقية

تُعدّ مسألة البدعة وضبط معناها من القضايا المركزية في علم العقيدة، لما يترتب عليها من أحكام شرعية تتعلق بالإيمان والكفر، والقبول والرد. وقد تناولت المدارس الكلامية هذه القضية بطرائق مختلفة، بحسب تصورها لمصادر التلقي ومعايير الحق والباطل. ومن بين هذه المدارس: الإمامية الاثنا عشرية، التي ربطت كثيرًا من المفاهيم العقدية الكبرى – كالشرك والكفر والطاعة والمعصية – بمسألة الإمامة وولايتها.

وتشير نصوص منسوبة إلى بعض علماء الإمامية إلى موقف شديد من “البدع”، حيث نُقلت عبارات تقضي بإخراج المبتدع من دائرة الإيمان، وربط ذلك بمخالفة ما يرونه أصلًا من أصول الدين، وهو الإمامة. كما تضمّن تراثهم نقاشًا حول فرق غالية كـ“المفوِّضة”، التي نُسب إليها الغلو في الأئمة، وإسناد أفعال الخلق والتدبير إليهم، وهو ما عارضه بعض متقدميهم وعدّوه خروجًا عن التوحيد.

كما يظهر في كتبهم اتجاه في تفسير بعض الآيات القرآنية تفسيرًا خاصًا، يُعاد فيه توجيه ألفاظ الشرك والكفر والعبادة لتدل على معاني مرتبطة بالإمامة والولاية، لا على معناها العام المتفق عليه عند جمهور المسلمين. وقد ترتّب على هذا التأويل نشوء منظومة مفاهيم عقدية جديدة، يُقاس فيها الإيمان والكفر بميزان الولاية لا بمجرد التوحيد المجرد.

ويهدف هذا المقال إلى عرض هذه الأقوال كما وردت في مصادرها، وتحليل بنيتها الفكرية، وبيان أثرها في تغيير دلالة المصطلحات الشرعية الكبرى، مع إبراز الفارق بينها وبين المفهوم القرآني العام للتوحيد والشرك، كما استقرّ عند جمهور الأمة. ولا يقصد البحث إثارة الخصومة، وإنما قراءة هذه النصوص قراءة علمية نقدية، تُظهر كيف تحوّلت الإمامة عند الإمامية إلى محور تدور حوله مفاهيم الإيمان والكفر والطاعة والمعصية.

أهل البدع كفار مرتدون

بل حكموا على كل مبتدع بالكفر. مع أنه ليست كل البدع متساوية مع شناعة البدعة من حيث المبدأ.

فقال شيخ الشيعة المفيد:

 « اتفقت الإمامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار، وأن على الإمام أن يستتيبهم عند التمكن بعد الدعوة لهم وإقامة البينات عليهم فإن تابوا عن بدعهم وصاروا إلى الصواب وإلا قتلهم لردتهم عن الإيمان، وأن من مات منهم على تلك البدعة فهو من أهل النار» (أوائل المقالات: ص16).

هذا مع أن متقدمي الشيعة قد استنكروا ما أحدثه بعض شيعتهم من البدع مثل بدعة الشهادة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بالولاية في الأذان.

فقد صرح ابن بابويه القمي بأن قول الشيعة في الأذان: "أشهد أن علياً ولي الله.. هو من وضع المفوضة" لعنهم الله تعالى

[انظر: من لا يحضره الفقيه: 1/188-189.].

تعريف المفوضة

المفوضة: من غلاة الشيعة، زعموا أن الله خلق محمداً ثم فوض له خلق العالم وتدبيره، ثم فوض محمد تدبير العالم إلى علي فهو المدبر الثاني

(انظر عن المفوضة: مقالات الإسلاميين للأشعري: 1/88، الفرق بين الفرق للبغدادي: ص251، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي: ص90، الخطط للمقريزي: 2/351، ومن كتب الشيعة: انظر المفيد/ تصحيح الاعتقاد: ص64-65، المجلسين/ بحار الأنوار: 25/345).]

تغييرهم معاني الألفاظ الشرعية

إن العقيدة الشيعية تكشف لنا عن تغيير دين الإسلام حيث تحصر كل معاني الإسلام في بيعه رجل، وتغير معاني الألفاظ الشرعية إلى معان باطلة:

فإقام الصلاة بمعنى تولي الإمام الحق أحد الأئمة الإثني عشر.

والتوجه إلى القبلة حقيقته التوجه إلى علي بن أبي طالب.

والشرك بالله صار بمعنى اتخاذ إمام باطل آخر مع الإمام الحق.

والكفر بالله بمعنى جحود إمامة الإمام.

والمشرك بالله هو من أشرك بمبايعة الإمام الباطل بدءا من أبي بكر إلى نهاية الدنيا.

لا تشرك بالإمام إن الشرك لظلم عظيم

الله يقول: لا تشرك بالله. والرافضة يقولون: لا تشرك بالإمام.

الشرك أعظم الذنب لا خروج معه من النار ولا دخول الجنة. لأنه شرك بالله. وقد جعله الرافضة شركا بالإمام.

جاء في الكافي « عن أبي عبد الله قال ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك يعني إن أشركت في الولاية غيره»

(الكافي 1/353 كتاب الحجة. باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية).

قال الرافضة ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا أي: « أي لا تشرك في ولاية علي أحداً»

(مجمع النورين ص85 لأبي الحسن المرندي).

وقال الكاشاني في تفسير الصافي في قوله تعالى ﴿ثم قيل لهم أينما كنتم تشركون قال « أي أين إمامكم الذي اتخذتموه من دون الإمام» (تفسير الصافي4/348 تفسير نور الثقلين 4/536 للحويزي ينابيع المودة للقندوزي الرافضي وإن زعموا أنه حنفي3/402).

عن محمد بن سنان عن الرضا u قال ﴿كبر على المشركين بولاية علي ما تدعوهم إليه يا محمد من ولاية علي. هكذا في الكتاب مخطوطة«

(الكافي 1/346 كتاب الحجة. باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية).

كذلك جاء فيه « عن أبي عبد الله: من أشرك مع إمام إمامته من عند الله من ليست إمامته من الله كان مشركا بالله»

(الكافي1/373).

قال شارح الكافي: « يحتمل أن يراد بالمشرك الكافر والشرك الكفر»

(شرح أصول الكافي6/346).

وذكر الكليني في الكافي أن معصية عليٍّ كفر وأن اعتقاد أولوية غيره بالإمامة شرك..

ٌ (بحار الأنوار 390:23 الكافي الحجة1: 52و54 وانظر الكافي 1/353).

فهذه عقيدة يعلنها الكليني حتى لا يقول قائل أن هذه الروايات قد لا تكون صحيحة.

وهكذا صرفوا الناس عن التوحيد الحقيقي وركبوا في أذهانهم هذا التوحيد الجديد بدلا عنه وهو توحيد الإمامة في علي وأبنائه. والشرك بالله هو الشرك مع علي إماما آخر.

وقد عقد المجلسي هذا الباب التالي:

« باب أنهم عليهم السلام وولايتهم العدل والمعروف والإحسان والقسط والميزان، وترك ولايتهم وأعدائهم الكفر والفسوق والعصيان والفحشاء والمنكر والبغي»

(بحار الأنوار24/187-191).

« باب أنهم الصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر الطاعات، وأعداؤهم الفواحش والمعاصي

(البحار24/286-304).