التقية ومنزلتها في المذهب الإمامي: وجوبها، درجاتها، وتأثيرها على العقيدة
من المسائل العقدية التي أثارت جدلاً واسعًا بين المسلمين قضية التقية، لما لها من آثار مباشرة على العقيدة، والتعامل مع المخالفين، ورواية الأحكام الدينية.
لقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن التقية رخصة استثنائية أباحها الله تعالى عند الإكراه أو الخوف على النفس، مع ضوابط شرعية معلومة دلّ عليها الكتاب والسنة، وعمل بها بعض الصحابة عند الضرورة.
أما الشيعة الإمامية، فقد رفعوا التقية من منزلة الرخصة المؤقتة إلى أصل ديني ثابت، وجعلوها فريضة دائمة، مرتبطة بالإيمان نفسه، حتى صار تركها عندهم خروجًا عن الدين، ووسيلة لإخفاء العقيدة والحفاظ على أسرار أهل البيت عليهم السلام.
غير أن الشيعة الإمامية جعلوا التقية أصلاً ثابتًا من أصول مذهبهم، ورفعوها من منزلة الرخصة المؤقتة إلى منزلة الفريضة الدائمة، وربطوها بالإيمان نفسه، حتى صارت عندهم من ضرورات الدين، لا يُعذر تاركها، ولا يُتصوَّر الإيمان الكامل بدونها.
أولًا: حقيقة التقية عند الشيعة
ليست التقية عند الإمامية مجرد رخصة عند الخوف أو الضرورة، كما هو معروف عند جمهور أهل السُّنة، بل هي في تصورهم أصل ديني ثابت، وركن من أركان المذهب، واجب العمل به إلى قيام القائم (المهدي المنتظر).
فالتقية – عندهم –:
ليست: حالة استثنائية
ولا: رخصة عند الإكراه فقط
بل هي:
نظام دائم في التعامل مع المخالفين في المذهب، بل ومع غيرهم أحيانًا، ولو في حال الأمن.
ولهذا يمكن القول:
إن تفسيرهم للتقية هو في ذاته تطبيق عملي للتقية؛ لأنهم يُظهرونها للناس بصورة الضرورة الاضطرارية، بينما يقررون في كتبهم أنها أصل ديني ملازم للإيمان.
ثانيًا: منزلة التقية في المذهب الإمامي
نصّ علماؤهم على أن التقية:
· واجبة وجوب الصلاة
· لا يجوز رفعها إلى قيام القائم
· من تركها خرج عن دين الإمامية
· هي تسعة أعشار الدين
· لا إيمان ولا دين لمن لا تقية له
وجعلوا تركها من الكبائر المهلكات.
ومن عباراتهم:
· أن تاركها كمن ترك الصلاة
· وأنها من ضرورات مذهب التشيع
· وأنها فريضة في دولة الظالمين
· وأنها باقية إلى قيام القائم
بل صرّح بعضهم أن:
من ترك التقية قبل خروج المهدي فقد خرج عن دين الله ودين الأئمة.
ثالثًا: نسبتها إلى النبي ﷺ والأئمة
وضعوا روايات كثيرة على ألسنة:
· النبي ﷺ
· علي رضي الله عنه
· الباقر
· الصادق
· الرضا
تجعل التقية:
· من دين الله
· أحب العبادات
· أفضل أعمال المؤمن
· شرط الإيمان
· شرط النجاة من النار
· سبب رفعة العبد
· وسبب فداء الشيعي بغيره يوم القيامة
ومن ألفاظها:
· «لا دين لمن لا تقية له»
· «التقية من ديني ودين آبائي»
· «تسعة أعشار الدين في التقية»
· «التقية ترس المؤمن»
· «ما عبد الله بشيء أحب إليه من التقية»
بل زعموا: أن العبادة كلها لا تُقبل إلا في ظل التقية.
رابعًا: إطلاقها بلا ضابط
لم يقف الأمر عند تقرير أصلها، بل جعلوها:
جائزة في كل شيء اضطر إليه ابن آدم وصاحبها أعلم بموضعها
فهي عندهم:
· بلا ضابط شرعي منضبط
· ولا معيار موضوعي
· بل مردها إلى تقدير الشخص نفسه
وهذا يفتح باب:
· الكذب باسم الدين
· وتناقض الروايات
· واختلاف الأحكام
· واضطراب النقل
وكل ذلك يُرد عندهم إلى: التقية
خامسًا: المفارقة الكبرى
قرروا أن:
من يعمل بالتقية أفضل من أصحاب المهدي أنفسهم
بحجة أنهم:
· يصلّون في تقية
· ويصومون في تقية
· ويحجون في تقية
· ويشهدون في تقية
ومع ذلك قالوا:
إن زمن المهدي زمن العدل وارتفاع التقية
فتناقضوا: كيف يكون زمن الخوف والتقية أفضل من زمن العدل والظهور؟
سادسًا: التناقض الداخلي في كلام علمائهم
مع هذا الغلو، نجد بعض كبارهم يقولون:
التقية حرام، وإظهار الحق واجب مهما كانت النتيجة
وهذا يهدم:
· دعوى أنها واجبة دائمًا
· ويثبت أنها ليست أصلًا مطلقًا
· بل وسيلة ظرفية
لكنهم لم يضبطوا هذا التناقض، فبقي المذهب مترددًا بين:
وجوب دائم وتحريم في مواضع دون معيار منضبط جامع.
🔹 الخلاصة
التقية في المذهب الإمامي ليست:
· مجرد رخصة شرعية عند الإكراه
بل هي:
· أصل عقدي
· وشرط إيماني
· ووسيلة لتبرير التناقض
· وسند لاختلاف الروايات
· ومخرج لتبدل الأحكام
ومع هذا: فإن هذا التصور يصطدم بـ:
· العقل
· والنقل
· وسيرة الأئمة وأصحابهم
· ومبدأ البلاغ والبيان في الدين
إذ كيف يكون:
دين الله قائمًا على الكتمان الدائم؟
وكيف يكون الحق لا يُظهر إلا عند الغيبة؟
وكيف تُجعل المخالفة الظاهرة أصلًا في النجاة؟