حقيقة التقية عند الشيعة ومنزلتها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فإن من المسائل العقدية التي كثر حولها الجدل بين المسلمين مسألة التقية، لما يترتب عليها من آثار في باب الاعتقاد والرواية والتعامل مع المخالفين. وقد أجمع أهل السُّنة والجماعة على أن التقية رخصة استثنائية شرعها الله تعالى في حال الإكراه والخوف على النفس، بضوابط شرعية معلومة، دلّ عليها الكتاب والسنة، وعمل بها بعض الصحابة عند الضرورة.
غير أن الشيعة الإمامية جعلوا التقية أصلاً ثابتًا من أصول مذهبهم، ورفعوها من منزلة الرخصة المؤقتة إلى منزلة الفريضة الدائمة، وربطوها بالإيمان نفسه، حتى صارت عندهم من ضرورات الدين، لا يُعذر تاركها، ولا يُتصوَّر الإيمان الكامل بدونها.
ويهدف هذا المقال إلى بيان:
§ المعنى اللغوي والشرعي للتقية.
§ مشروعيتها في الإسلام عند أهل السُّنة.
§ نماذج من صبر علماء أهل السُّنة على الأذى دون اتخاذ التقية منهجًا دائمًا.
§ حقيقة التقية في المذهب الإمامي ومنزلتها عند علمائهم.
§ الآثار العقدية المترتبة على جعل التقية أصلًا دينيًا دائمًا.
وذلك بأسلوب علمي توثيقي، يُظهر الفرق بين التقية المشروعة بضوابطها الشرعية، وبين ما آل إليه مفهومها في الفكر الإمامي من توسّع وإطلاق.
فبيانهم وتفسيرهم للتقية بهذه الصورة هو في ذاته أول تطبيق عملي للتقية، فهي تقية مركبة أن صح التعبير، وإليك بيان ذلك:
يعتقد الشيعة - خلافاً لما مر - أن التقية واجبة لا يجوز تركها إلى يوم القيامة، وأن تركها بمنزلة ترك الصلاة، وإنها تسعة أعشار الدين، ومن ضروريات مذهب التشيع، ولا يتم الإيمان إلا بها، وليست رخصة في حال الضرورة كما مر، بل هي ضرورة في ذاتها، وإنما تكون من مخالفيهم في المذهب.
يقول الصدوق:
اعتقادنا في التقية إنها واجبة، من تركها بمنزلة من ترك الصلاة.
وقال: والتقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم، فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله وعن دين الإمامية، وخالف الله ورسوله والأئمة[1].
ويقول صاحب الهداية:
والتقية واجبة لا يجوز تركها إلى أن يخرج القائم، فمن تركها فقد دخل في نهي الله عز وجل ونهي رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- والأئمة صلوات الله عليهم[2].
ويقول عباس القمي:
التقية فريضة واجبة علينا في دولة الظالمين، فمن تركها فقد خالف دين الإمامية وفارقه[3].
ويقول العاملي:
الأخبار متواترة صريحة في أن التقية باقية إلى أن يقوم القائم[4].
وجعلوا تركها من الموبقات التي تلقي بصاحبها في قعر جهنم، كما ذكر ذلك الخميني في المكاسب المحرمة، وروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك: أن من صلى الخمس كفر الله ذنوبه ولم يبق عليه شيء من الذنةب إلا الموبقات، وهي جحد النبوة أو الإمامة أو ظلم إخوإنه أو ترك التقية[5].
ثم ناقض الخميني نفسه في موضع حيث قال:
أن التقية حرام، وإظهار الحقائق واجب مهما كانت النتيجة[6].
وقد وضعوا على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين علي رضي الله عنه وبقية أئمة أهل البيت رحمهم الله ما يؤيد هذا الاعتقاد:
فرووا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنه قال: تارك التقية كتارك الصلاة[7].
ومثله عن الصادق رحمه الله إنه قال:
لو قلت: أن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً[8].
ورووا: تارك التقية كافر[9].
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: « التقية من دين الله، ولا دين لمن لا تقية له، والله لو لا التقية ما عبد الله» [10].
ورووا عن علي رضي الله عنه إنه قال: « التقية ديني ودين أهل بيتي» [11].
وعن الباقر رحمه الله إنه قال:
«التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان - وفي لفظ ولا دين -لمن لا تقية له» [12].
وعن الصادق رحمه الله إنه قال:
«إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له» [13].
وعنه أيضًا إنه قال: «إن التقية ترس المؤمن، والتقية حرز المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له» [14].
وقوله: «لا خير فيمن لا تقية له، ولا إيمان لمن لا تقية له» [15].
وقوله: «أبى الله عز وجل لنا ولكم في دينه إلا التقية» [16].
وقوله: «التقية من دين الله عز وجل، قلت - أي: الراوي-: من دين الله؟ قال: أي والله من دين الله» [17].
وقوله: «لا دين لمن لا تقية له، وإن التقية لأوسع مما بين السماء والأرض. وقال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يتكلم في دولة الباطل إلا بالتقية» [18].
وقوله: «يغفر الله للمؤمنين كل ذنب ويطهر منه الدنيا والآخرة، ما خلا ذنبين: ترك التقية، وتضيع حقوق الإخوان» [19].
ورووا عن الرضا رحمه الله إنه قال:
«لا دين لمن لا ورع له، ولا إيمان لمن لا تقية له، أن أكرمكم عند الله عز وجل أعملكم بالتقية» [20].
ولم يقتصر الأمر على هذا، بل وضعوا روايات ترغب في العمل بالتقية، فرووا عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إنه قال: مثل مؤمن لا تقية له كمثل جسد لا رأس له[21].
وعن علي رضي الله عنه إنه قال: «التقية من أفضل أعمال المؤمنين» [22].
وعن زين العابدين رحمه الله إنه سئل:
«من أكمل الناس في خصال الخير؟ قال: أعملهم بالتقية» [23].
وعن الباقر إنه قال للصادق رحمهما الله:
«ما خلق الله شيئاً أقر لعين أبيك من التقية، والتقية جنة المؤمن» [24].
وعنه أيضًا إنه قال: «أشرف أخلاق الأئمة والفاضلين من شيعتنا التقية» [25].
وعن الصادق عليه السلام إنه قال:
«ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخبء. قيل: وما الخبء؟ قال: التقية» [26].
وعن سفيان بن سعيد عن الصادق عليه السلام قال:
«يا سفيان! عليك بالتقية؛ فإنها سنة إبراهيم الخليل عليه السلام» [27].
وعنه أيضًا قال: «إنكم على دين من كتمه أعزه الله، ومن إذاعه أذله الله» [28].
وعن حبيب بن بشير عن الصادق قال:
« سمعت أبي يقول: لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب إلي من التقية، يا حبيب! إنه من كانت له تقية رفعه الله، يا حبيب! من لم يكن له تقية وضعه الله» [29].
وقال: «استعمال التقية في دار التقية واجب، ولا حنث ولا كفارة على من حلف تقية» [30].
وقال: «إن التقية واسعة، وليس شيء من التقية إلا وصاحبها مأجور عليها» [31].
وعنه أيضًا إنه قال: «يؤتى بالوأحد من مقصري شيعتنا في أعماله بعد أن صان الولاية والتقية وحقوق إخوإنه، ويوقف بازائه ما بين مائة وأكثر من ذلك إلى مائة ألف من النصاب - أي: أهل السُنة - فيقال له: هؤلاء فداؤك من النار. فيدخل هؤلاء المؤمنون الجنة وأولئك النصاب النار» [32].
بلزعموا أن ذلك تُرك إلى أهواء الناس دون ضوابط، فرووا عن الصادق رحمه الله إنه قال: «التقية في كل ضرورة، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به. وفي رواية: التقية في كل شيء مضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله» [33].
ثم جعلوا العامل بها خيراً من أصحاب مهديهم المنتظر، فرووا عن الصادق عليه السلام إنه قال وقد سُئل: «أيهما أفضل: نحن أو أصحاب القائم عليه السلام؟ قال: فقال لي: أنتم أفضل من أصحاب القائم، وذلك أنكم تمسون وتصبحون خائفين على إمامكم وعلى أنفسكم من أئمة الجور، أن صليتم فصلاتكم في تقية، وإن صمتم فصيامكم في تقية، وإن حججتم فحجكم في تقية، وإن شهدتم لم تقبل شهادتكم، وعد أشياءً من نحو هذا مثل هذه. فقلت: فما نتمنى القائم عليه السلام إذا كان على هذا. قال: فقال لي: سبحان الله! أما تحب أن يظهر العدل ويأمن السبل وينصف المظلوم[34].
[1] الاعتقادات للمفيد (107- 108).
[2] الهداية للصدوق (53)، وانظر: بحار الأنوار للمجلسي (72/421) مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (12/254) مستدرك سفينة البحار للنمازي (10/416)
[3] الكنى والألقاب لعباس القمي (1/141)
[4] مرآة الأنوار للعاملي (337).
[5] المكاسب المحرمة (2/163)
[6] التقية في الفكر الإسلامي مركز الرسالة (103)، دروس في الجهاد والرفض (55).
[7] بحار الأنوار للمجلسي (72/412).
[8] الهداية للصدوق (251)، المكاسب المحرمة، للخميني (2/144)، القواعد الفقهية لناصر مكارم الشيرازي (1/490)، من لا يحضره الفقيه، للصدوق (2/127)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (7/94، 10/131، 16/211، 11/466)، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي (12/254)، مستطرفات السرائر، لابن إدريس الحلي (583)، بحار الأنوار للمجلسي (50/181، 64/103، 72/414، 421)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (14/513، 586)، مستدرك سفينة البحار، للنمازي (0/416، 420)، كشف الغمة، للإربلي (3/182)، الكنى والألقاب، لعباس القمي (1/142)
[9] فقه الرضا، لعلي بن بابويه (338)، بحار الأنوار للمجلسي (75/347)، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي (10/417)
[10] مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (12/253)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (14/504)، فقه الصادق للروحاني (11/417 (ش))، كتاب سليم بن قيس (416).
[11] مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (12/252)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (14/504).
[12] الكافي، للكليني (2/219)، مشكاة الأنوار، لعلي الطبرسي (90) دعائم الإسلام للقاضي النعمان المغربي (1/110)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (16/204، 210، 236) مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (12/255، 16/68) جامع الأخبار (95)، مفتاح الكرامة (12/379).
[13] بحار الأنوار للمجلسي (66/486، 75/394، 399، 423، 79/172، 80/267)، الخصال، للصدوق (1/14) المحاسن، للبرقي (259)، الكافي، للكليني (1/217، 2/217)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (16/204، 215).
[14] بحار الأنوار للمجلسي (75/394، 437)، قرب الإسناد للحميري (17) نور الثقلين للحويزي (3/89) الكافي للكليني (2/221) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (16/227).
[15] بحار الأنوار للمجلسي (75/397) المحاسن للبرقي (257) العلل (51) مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (12/254).
[16] الكافي للكليني (2/218) بحار الأنوار للمجلسي (75/428)
[17] علل الشرائع للصدوق (51) بحار الأنوار للمجلسي (75/425) الكافي للكليني (2/217)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (16/209، 215) مشكاة الأنوار (43).
[18] بحار الأنوار للمجلسي (75/412) جامع الأخبار (95) مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (12/256) مشكاة الأنوار (42).
[19] بحار الأنوار للمجلسي (68/163، 74/229، 75/409، 415) تفسير الإمام العسكري (128) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/474، 16/223) جامع الأخبار (95).
[20] بحار الأنوار للمجلسي (75/395) كمال الدين للصدوق (346) نور الثقلين للحويزي (4/47) منتخب الأثر (220).
[21] تفسير الإمام العسكري (320) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/473) بحار الأنوار للمجلسي (74/229، 75/414) مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (9/48) جامع الأخبار (110).
[22] بحار الأنوار للمجلسي (75/414) تفسير الإمام العسكري (127) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/473، 16/222) جامع الأخبار (94).
[23] بحار الأنوار للمجلسي (75/417) تفسير الإمام العسكري (128).
[24] الخصال (1/14) بحار الأنوار للمجلسي (75/394، 398، 412، 432، 78/287) المحاسن للبرقي (258) جامع الأخبار (95) الكافي للكليني (2/220) التحف (307) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (16/204، 211) مشكاة الأنوار (43) مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (12/257، 289).
[25] بحار الأنوار للمجلسي (75/415) تفسير الإمام العسكري (127).
[26] بحار الأنوار للمجلسي (75/396) معاني الأخبار (162) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (16/207، 219).
[27] بحار الأنوار للمجلسي (13/135، 75/396) معاني الأخبار (386) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (16/208).
[28] بحار الأنوار للمجلسي (75/397، 412) المحاسن للبرقي (257) جامع الأخبار (110) الكافي للكليني (2/222) الرسائل، للخميني (2/185).
[29] بحار الأنوار للمجلسي (75/398، 426) المحاسن للبرقي (256) الكافي للكليني (2/217) مشكاة الأنوار (41).
[30] بحار الأنوار للمجلسي (75/394، 395، 104/218) الخصال (2/153) عيون أخبار الرضا (2/124) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (15/49، 50، 16/210، 23/226).
[31] الكافي، للكليني (3/380)، تهذيب الأحكام، للطوسي (3/51)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (8/405)، بحار الأنوار للمجلسي (85/69)، الخلاف، للطوسي (1/566)، المعتبر، للحلي (2/445)، تذكرة الفقهاء، للحلي (4/337)، منتهى المطلب، للحلي (1/383)، مجمع الفائدة، للأردبيلي3/330، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (6/418، 530).
[32] بحار الأنوار للمجلسي (8/44) تفسير الإمام العسكري (242) البرهان (2/325).
[33] شرح أصول الكافي للمازندراني (9/125)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع)، لهادي النجفي (2/223، 9/397)، مفتاح الكرامة (12/378 (ش))، الرسائل للخميني (1/65)، بدائع الدر للخميني (134، 145).
[34] الاختصاص للمفيد (20)، بحار الأنوار للمجلسي (52/144)، معجم أحاديث الإمام المهدي، للكوارني (3/404)، موسوعة شهادة المعصومين (417).