يعد مبدأ التقية من أكثر القضايا إثارة للجدل في الفكر الإمامي، لما ترتب عليه من آثار عقدية ومنهجية خطيرة في باب الرواية والاستدلال بالأحكام الشرعية. وقد توسع بعض علمائهم في تقريرها حتى جعلوها أصلاً دائماً ملازماً للأئمة وأتباعهم، سواء في حال وجود المخالفين أو غيابهم، بل نسبوا اختلاف الأحكام والروايات إلى تعمد الأئمة إيقاع التناقض بين شيعتهم دفعاً للخطر عن أنفسهم ومذهبهم.
غير أن هذا التصور يصطدم اصطداماً مباشراً بسيرة أصحاب الأئمة أنفسهم، الذين نقلت كتب الإمامية أخبارهم في الثبات والرفض الصريح للبراءة من علي بن أبي طالب، وفي الجهر بمعتقدهم مع علمهم المسبق بما يترتب على ذلك من قتل أو تعذيب أو تمثيل بالأجساد. فقد واجه هؤلاء القتل والصلب وقطع الأطراف والألسنة، ولم يلجؤوا إلى التقية التي قيل إنها “دين الآباء والأبناء”، بل آثروا التصريح والصدع بما يعتقدونه حقاً.
فهذا أبو بحر الأحنف صخر بن قيس التميمي:
وكان من أصحاب أمير المؤمنين رضي الله عنه، دخل وجماعة من أهل العراق يوماً على معاوية، فقال له معاوية: أنت الشاهر علينا السيف يوم صفين، ومخذل الناس عن أم المؤمنين؟ فقال له: يا معاوية! لا تذكر ما مضى منا، ولا ترد الأمور على أدبارها، والله أن القلوب التي أبغضناك بها يومئذ لفي صدورنا، وإن السيوف التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، والله لا تمد إلينا شبراً من غدر إلا مددنا إليك ذراعاً من ختر[1].
ومثله صعصعة بن صوحان العبدي:
حيث قدم وفد أهل العراق على معاوية، فقال: مرحباً بكم يا أهل العراق قدمتم أرض الله المقدسة منها المنشر وإليها المحشر، قدمتم على خير أمير، يبر كبيركم ويرحم صغيركم، ولو أن الناس كلهم ولد أبي سفيان لكانوا حلماء وعقلاء. فأشار الناس إلى صعصعة بن صوحان، فقام فحمد الله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أما قولك - يا معاوية -: إنا قدمنا الأرض المقدسة؛ فلعمري ما الأرض تقدس الناس، ولا يقدس الناس إلا أعمالهم، وأما قولك: أن منها المنشر وإليها المحشر، فلعمري ما ينفع قربها كافراً ولا يضر بعدها مؤمناً، وأما قولك: لو أن الناس كلهم ولد أبي سفيان لكانوا حلماً وعقلاء، فقد ولدهم من هو خير من أبي سفيان آدم صلى الله عليه وسلم فمنهم الحليم والسفيه والجاهل والعالم. فقال له معاوية: والله لأجفينك عن الوساد، ولأشردن بك في البلاد. فقال له صعصعة: والله أن في الأرض لسعة، وإن في فراقك لدعة. فقال له معاوية: والله لأحبسن عطاءك. قال: أن كان ذلك بيدك فافعل، أن العطاء وفضائل النعماء في ملكوت من لا تنفد خزائنه، ولا يبيد عطاؤه، ولا يحيف في قضيته. فقال له معاوية: لقد استقتلت. فقال له صعصعة: مهلاً، لم أقل جهلاً ولم أستحل قتلاً، لا تقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، ومن قتل مظلوماً كان الله لقاتله مقيماً، يرهقه أليماً ويجرعه حميماً ويصليه جحيماً. فقال معاوية لعمرو بن العاص: اكفناه. فقال له عمرو: وما تجهمك لسلطانك؟ فقال له صعصعة: ويلي عليك يا مؤوى مطردي أهل الفساد، ومعادي أهل الرشاد، فسكت عنه عمرو[2].
وهذا صيفي بن فسيل الشيباني:
من أصحاب أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، قال له زياد: يا عدو الله! ما تقول في أبي تراب؟ قال: ما أعرف أبا تراب! قال زياد: ما أعرَفَك به! قال: ما أعرفه. قال: أما تعرف علي بن أبي طالب؟ قال: بلى. قال: فذاك أبو تراب! قال: كلا فذاك أبو الحسن والحسين. فقال له صاحب الشرطة: يقول لك الأمير: هو أبو تراب، وتقول أنت: لا. قال: وإن كذب الأمير، أتريد أن أكذب وأشهد له على باطل كما شهد؟! قال زياد: وهذا - أيضًا - من ذنبك، علي بالعصا، فأتي بها، فقال زياد: ما قولك في علي؟ قال: أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد الله المؤمنين. قال زياد: اضربوا عاتقه بالعصا حتى يلصق بالأرض، فضرب حتى لزم الأرض، ثم قال: اقلعوا عنه، إيه! ما قولك في علي؟ قال: والله لو شرحتني بالمواسي والمدى ما قلت إلا ما سمعت مني. قال زياد: لتلعننه أو لأضربن عنقك. قال: إذا تضربها والله قبل ذلك، فإن أبيت إلا أن تضربها رضيت بالله وشقيت أنت. قال زياد: ادفعوا في رقبته، ثم قال: أوقروه حديداً وألقوه في السجن. ثم أن زياداً أرسله مع حجر وأصحابه إلى معاوية، ولما بعث اليهم معاوية أن يبرأوا من علي، فإن فعلوا تركوهم، وأبوا أن يتبرءوا من علي، فقتل صيفي فيمن قتل[3].
وهذا رجل من دهاقين أسفل الفرات:
قد أسلم وصلى يقال له: زإذان فروخ، أقبل من عند أخوال له فلقوه فقالوا له: أمسلم أنت أم كافر؟ قال: بل مسلم. قالوا: فما تقول في علي؟ قال: أقول فيه خيراً. أقول: إنه امير المؤمنين وسيد البشر ووصي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: كفرت يا عدو الله. ثم حملت عليه عصابة فقطعوه بأسيافهم[4].
وهذا دعبل الخزاعي كان يقول:
إني أحمل خشبتي عن ظهري منذ أربعين سنة، فلم أجد من يصلبني عليها، وكان قد هجا الرشيد وا3لأمين والمأمون والمعتصم ومدح الصادق[5].
وهذا الشاعر الفرزدق روي:
إنه لما حج هشام بن عبد الملك في أيام أبيه طاف بالبيت وجهد أن يصل إلى الحجر الأسود ليستلمه فلم يقدر على ذلك لكثرة الزحام، فنصب له كرسي وجلس عليه ينظر إلى الناس ومعه جماعة من أعيان أهل الشام، فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين رحمه الله، وكان من أجمل الناس وجهاً وأطيبهم أرجاً، فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر تنحى له الناس حتى استلم الحجر، فقال رجل من أهل الشام لهشام: من هذا الذي هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه. مخافة أن يرغب فيه أهل الشام، وكان الفرزدق حاضراً، فقال: أنا أعرفه. فقال الشامي: من هو يا أبا فراس؟
فقال الفرزدق:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا ابن فاطمة أن كنت جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا
والأبيات طويلة، فغضب هشام وأمر بحبس الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة، وبلغ ذلك زين العابدين، فبعث إليه باثني عشر ألف درهم وقال: أعذر يا أبا فراس، فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به. فردها الفرزدق وقال: يا ابن بنت رسول الله! ما قلت الذي قلت إلا غضباً لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وما كنت لآخذ عليه شيئاً. فقال: شكر الله تعالى لك ذلك، غير أنا أهل بيت إذا أنفذنا أمراً لم نعد فيه. فقبلها وجعل يهجو هشاماً وهو في الحبس، فبعث إليه هشام وأخرجه من السجن ببركة الإمام زين العابدين[6].
وهذا ابن السكيت، سأله المتوكل:
أيهما أحب إليك: ابناي هذان أم الحسن والحسين؟! فقال ابن السكيت: والله أن قنبراً خادم علي بن أبي طالب عليه السلام خير منك ومن ابنيك. فقال المتوكل للأتراك: سلوا لسانه من قفاه. ففعلوا فمات[7].
وهذا سديف بن مهران بن ميمون المكي:
مولى زين العابدين رحمه الله، قال بعض المؤرخين: أن سبب قتله مدحه الطالبيين وهجوه العباسيين[8].
وغيرهم كثير، كحجر بن عدي، وهاني بن عروة، وسعيد بن حبيب، وعبد الله بن عفيف وأصحابهم، وكذلك جميع من قتلوا دون الحسين رضي الله عنهم.
وذكر قصص هؤلاء الرجال من الرعيل الأول عند الشيعة تطول، وكلهم لم تعرف التقية اليهم سبيلاً، لعلمهم بأن التقية لا تشرع أبداً عندما يكون الإسلام في خطر حسب رؤيتهم، بل وليست مشروعةً أيضًا بالصورة التي وضعها الذين أرادوا الكيد لهذا الدين.
يقول الإمام الخوئي:
والصحيح أن يمثل التقية المحرمة بالقتل كما مر، وبما إذا كانت المفسدة المترتبة على فعل التقية أشد وأعظم من المفسدة المترتبة على تركها، أو كانت المصلحة في ترك التقية أعظم من المصلحة المترتبة على فعلها، وكما إذا علم بإنه أن عمل بالتقية ترتب عليه اضمحلال الحق واندراس الدين الحنيف وظهور الباطل وترويج الجبت والطاغوت، وإذا ترك التقية ترتب عليه قتله فقط أو قتله مع جماعة آخرين، ولا إشكال حينئذ في أن الواجب ترك العمل بالتقية، وتوطين النفس للقتل؛ لأن المفسدة الناشئة عن التقية أعظم وأشد من مفسدة قتله. نعم ربما تكون المفسدة في قتله أعظم وأكثر، كما إذا كان العامل بالتقية ممن يترتب على حياته ترويج الحق بعد الاندراس وإنجاء المؤمنين من المحن بعد الابتلاء ونحو ذلك، ولكنه أمر آخر، والتقية بما هي تقية متصفة بالحرمة في تلك الصورة كما عرفت، ولعله من هنا أقدم الحسين سلام الله وصلواته عليه وأصحابه رضوان الله عليهم لقتال يزيد بن معاوية وعرضوا أنفسهم للشهادة وتركوا التقية عن يزيد، وكذا بعض أصحاب أمير المؤمنين (ع) بل بعض علمائنا الأبرار قدس الله أرواحهم وجزاهم عن الإسلام خيراً كالشهيدين وغيرهما[9].
وقال الشريف الرضي:
وقد ذهب المحققون من العلماء إلى أن من أُكره على الكفر فلم يفعل حتى قتل، إنه أفضل ممن أظهر الكفر لسانه وان أضمر الإيمان بقلبه، وقالوا: قد أسر المشركون بمكة خبيب بن عدي، وطالبوه بإظهار كلمة الكفر أو العرض على القتل، فلزم الحنيفية، ولم يعط التقية، حتى قتل على ذلك، وكان عند المسلمين أفضل من عمار بن ياسر حين أعطى التقية، وأظهر كلمة الكفر عند الالحاح عليه بالعذاب، من جره على الرمضاء وتحريقه بالنار، وإن كان قلبه مطمئنا بالايمان، ويستدلون بذلك على أن إعطاء التقية رخصة، وأن الأفضل ترك إظهارها، وكذلك قالوا في كل أمر كان فيه إعزاز الدين، فإقامة المرء عليه حتى يقتل أفضل من الأخذ بالرخصة في العدول عنه حتى يسلم[10].
فكان أن لبّس موقف هؤلاء الأمر على الذين وضعوا مبدأ التقية، حتى اضطربت أقوالهم في تأويلها، فنسبوا إلى الصادق رحمه الله إنه قال في أمثال هؤلاء: ما منع ميثماً من التقية؟ فوالله لقد علم أن هذة الآية نزلت في عمار وأصحابه: ﴿ إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾[11] ثم اضطربوا في تأويل أمثال هذه المقولة[12].
[1] أعيان الشيعة لمحسن الأمين (7/385)، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب في التاريخ والسنة للريشهري (51).
[2] أعيان الشيعة لمحسن الأمين (7/387)، شرح الأخبار للقاضي النعماني المغربي (1/171 (هـ))، الغدير للأميني (10/174)، مواقف الشيعة للأحمدي (2/452).
[3] الغدير، للأميني (11/45)، أحاديث أم المؤمنين عائشة، لمرتضى العسكري (1/377)، مستدركات علم رجال الحديث، لعلي النمازي (4/273)، أعيان الشيعة لمحسن الأمين (7/392)، الفصول المهمة في معرفة الأئمة، لابن الصباغ (1/523)، صلح الحسن (ع)، لشرف الدين (340).
[4] الغارات لإبراهيم الثقفي (1/340)، بحار الأنوار للمجلسي (33/408)، نهج السعادة للمحمودي (5/176)، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (3/131)، أعيان الشيعة لمحسن الأمين (7/40).
[5] بحار الأنوار للمجلسي (49/260)، أعيان الشيعة لمحسن الأمين (6/402)، العدد القوية للحلي (292)، حياة الإمام الرضا (ع) لباقر القرشي (2/126)، موسوعة المصطفى والعترة (ع) لحسين الشاكري (12/344)، أصل الشيعة وأصولها لكاشف الغطاء (208)، ديوان دعبل الخزاعي (9).
[6] وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (20/290)، مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (10/394)، الاختصاص للمفيد (191)، الخرائج والجرائح، للراوندي (1/267)، الصراط المستقيم، للعاملي (2/181)، مدينة المعاجز، لهاشم البحراني (4/284)، بحار الأنوار للمجلسي (46/125، 141)، الأنوار البهية، لعباس القمي (123)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (12/573)، مستدرك سفينة البحار، للنمازي (8/169)، اختيار معرفة الرجال، للطوسي (1/343)، كشف الغمة، للإربلي (2/291)، الكنى والألقاب، لعباس القمي (3/24).
[7] الاحتجاج، للطبرسي (2/224) )، بحار الأنوار للمجلسي (50/164(هـ)، 75/344)، قاموس الرجال، لمحمد تقي التستري (11/128)، أعيان الشيعة لمحسن الأمين (10/306)، الكنى والألقاب، لعباس القمي (1/315)، موسوعة المصطفى والعترة (ع) لحسين الشاكري (14/448)، أصل الشيعة وأصولها لكاشف الغطاء (388).
[8] أعيان الشيعة لمحسن الأمين (7/188)، موسوعة المصطفى والعترة (ع) لحسين الشاكري (8/435)، مختصر أخبار شعراء الشيعة، للمرزباني الخراساني (22، 81 (هـ)).
[9] كتاب الطهارة، للخوئي (4/257 (هـ)).
[10] حقائق التأويل، للشريف الرضي (75).
[11] الكافي للكليني (2/220)، تفسير العياشي (2/271)، بحار الأنوار للمجلسي (42/126، 139، 75/432)، التقية للأنصاري (68)، رسائل فقهية للأنصاري (102).
[12] بحار الأنوار للمجلسي (42/127، 75/432).