سيرة أصحاب الأئمة ونقض دعوى التقية الدائمة في المذهب الإمامي

يعد مبدأ التقية من أكثر القضايا إثارة للجدل في الفكر الإمامي، لما ترتب عليه من آثار عقدية ومنهجية خطيرة في باب الرواية والاستدلال بالأحكام الشرعية. وقد توسع بعض علمائهم في تقريرها حتى جعلوها أصلاً دائماً ملازماً للأئمة وأتباعهم، سواء في حال وجود المخالفين أو غيابهم، بل نسبوا اختلاف الأحكام والروايات إلى تعمد الأئمة إيقاع التناقض بين شيعتهم دفعاً للخطر عن أنفسهم ومذهبهم.

غير أن هذا التصور يصطدم اصطداماً مباشراً بسيرة أصحاب الأئمة أنفسهم، الذين نقلت كتب الإمامية أخبارهم في الثبات والرفض الصريح للبراءة من علي بن أبي طالب، وفي الجهر بمعتقدهم مع علمهم المسبق بما يترتب على ذلك من قتل أو تعذيب أو تمثيل بالأجساد. فقد واجه هؤلاء القتل والصلب وقطع الأطراف والألسنة، ولم يلجؤوا إلى التقية التي قيل إنها “دين الآباء والأبناء”، بل آثروا التصريح والصدع بما يعتقدونه حقاً.

وهذا التناقض بين التنظير العقدي للتقية من جهة، والسلوك العملي لأصحاب الأئمة من جهة أخرى، يكشف اضطراباً واضحاً في البناء الفكري للمذهب؛ إذ لو كانت التقية أصلاً لازماً في كل حال، لما صحّ الثناء على هؤلاء الذين تركوها واختاروا القتل دونها، ولما أمكن الجمع بين مدحهم في الروايات، وبين القول بأنهم خالفوا منهج الأئمة بترك التقية.

كما أن بعض كبار علمائهم أنفسهم قرروا أن التقية تحرم إذا ترتب عليها ضياع الدين أو اندثر الحق أو تقوية الباطل، وهو ما يقرّب موقف أولئك الذين جهروا بعقيدتهم حتى قتلوا، ويجعلهم أقرب إلى منهج التضحية والثبات من منهج المداراة والكتمان. وهذا بدوره يضعف دعوى أن التقية أصل دائم لا يُستثنى منه إلا زمن المهدي.

ولقد ضرب أصحاب الأئمة رحمهم الله في ذلك من الأمثال ما يزيد الأمر يقينا بمقصودنا، وتعقيداً لمرادهم:

فهذا رُشَيد الهجَري روى عنه القوم:

 أن زياد بن أبيه دعاه إلى البراءة من علي رضي الله عنه، فأبى فقال: قدموه واقطعوا يده ورجله واتركوا لسانه. فقطعوه ثم حملوه إلى منزله، فأخذ يملي على أصحابه فضائل علي رضي الله عنه، فبلغ ذلك ابن زياد، فأرسل إليه الحجام حتى قطع لسانه فمات من ليلته[1].

وهذا قنبر - رحمه الله - ذكر عنه القوم:

 أن الحجاج بن يوسف قال ذات يوم: أحب أن أصيب رجلاً من أصحاب أبي تراب فأتقرب إلى الله بدمه. فقيل له: ما نعلم أحداً كان أطول صحبة لأبي تراب من قنبر مولاه، فبعث في طلبه فأتي به، فقال له: ابرأ من دينه. قال: فإذا أنا برئت من دينه تدلني على دين غيره أفضل منه؟ قال: إني قاتلك فاختر أي قتلة أحب إليك؟ قال: قد صيرت ذلك إليك، فأمر به فذبح[2].

ورووا: إنه أدخل على الحجاج بن يوسف، فقال له: ما الذي كنت تلي من أمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟ قال: كنت أوضيه. فقال له: ما كان يقول إذا فرغ من وضوئه؟ قال: كان يتلو هذه الآية: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إذا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإذا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام:44]^﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:45]^، فقال الحجاج: كان يتأوله علينا؟ فقال: نعم. فقال ما أنت صانع إذا ضربت علاوتك؟ قال: إذا أسعد وتشقى أنت. فأمر به فقتله[3].

وهذا يحيى بن أم الطويل وقف بالكناسة ثم نادى بأعلى صوته: معشر أولياء الله! إنا برآء مما تسمعون، من سب علياً عليه السلام فعليه لعنة الله، ونحن برآء من آل مروان وما يعبدون من دون الله، ثم يخفض صوته فيقول: من سب أولياء الله فلا تقاعدوه، ومن شك فيما نحن فيه فلا تفاتحوه[4].

وروي عن أبى جعفر عليه السلام:

أن الحجاج طلبه وقال: تلعن أبا تراب. وأمر بقطع يديه ورجليه وقتله[5].

وهذا ميثم التمار رحمه الله:

 روى القوم عنه إنه أخذ وصلب على يد عبيد الله بن زياد، وكان - وهو على هذا الحال - يحدث بفضائل بني هاشم ومخازي بني أمية وهو مصلوب على الخشبة، فقيل لابن زياد: قد فضحكم هذا العبد. فقال: ألجموه. فألجم، فكان أول خلق الله ألجم في الإسلام، فلما كان في اليوم الثاني فاضت منخراه وفمه دماً، فلما كان في اليوم الثالث طعن بحربة فمات[6].

وكان أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قد قال له -كما في روايات القوم- كيف أنت يا ميثم إذا دعاك دعي بني أمية - عبيد الله بن زياد - إلى البراءة منى؟ فقلت: يا أمير المؤمنين! أنا - والله - لا أبرأ منك. قال: إذا - والله - يقتلك ويصلبك، قلت: أصبر، فداك في الله قليل. فقال: يا ميثم! إذا تكون معي في درجتي... الحديث[7].

ورووا إنه أتى دار أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فقيل له: إنه نائم، فنادى بأعلى صوته: انتبه أيها النائم، فوالله لتخضبن لحيتك من رأسك. فانتبه أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أدخلوا ميثماً، فقال له: أيها النائم! والله لتخضبن لحيتك من رأسك.

فقال: صدقت، وأنت - والله - لتقطعن يداك ورجلاك ولسانك، ولتقطعن النخلة التي بالكناسة فتشق أربع قطع، فتصلب أنت على ربعها وحجر بن عدي على ربعها، ومحمد ابن أكثم على ربعها، وخالد بن مسعود على ربعها...[8].

وهذا شريك بن شداد الحضرمي عرض على القتل هو وأصحابه، وقيل لهم: إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له، فإن فعلتم تركناكم، وإن أبيتم قتلناكم. فقالوا: لسنا فاعلي ذلك، فقتلوا...[9].

 

[1] بحار الأنوار للمجلسي (42/122)، أمالي الطوسي (166) معجم رجال الحديث للخوئي (8/198)، أعيان الشيعة لمحسن الأمين (7/7)، بشارة المصطفى، للطبري الشيعي (152).

[2] مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (12/273)، الإرشاد، للمفيد (1/328)، بحار الأنوار للمجلسي (42/126)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (14/580)، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي (8/606)، كشف الغمة، للإربلي (1/281)، كشف اليقين، للحلي (78)، الكنى والألقاب، لعباس القمي (2/295).

[3] مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي (1/322)، بحار الأنوار للمجلسي (64/200)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (2/264)، مواقف الشيعة للأحمدي (1/267).

[4] دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، للمنتظري (2/255)، الكافي، للكليني (2/379)، بحار الأنوار للمجلسي (71/220)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع)، لهادي النجفي (5/23)، نقد الرجال، للتفرشي (5/63 (هـ) )، قاموس الرجال، للتستري (11/30).

[5] دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، للمنتظري (2/255)، الكافي، للكليني (2/380)، شرح أصول الكافي، للمازندراني (10/50)، بحار الأنوار للمجلسي (71/220)، اختيار معرفة الرجال، للطوسي (1/338)، معجم رجال الحديث، للخوئي (21/37)، قاموس الرجال، للتستري (11/30).

[6] الغارات، للثقفي (2/799)، الإرشاد، للمفيد (1/325)، بحار الأنوار للمجلسي (41/345)، مستدرك سفينة البحار، للنمازي (9/330)، معجم رجال الحديث، للخوئي (20/111)، قاموس الرجال، للتستري (10/316)، أعيان الشيعة لمحسن الأمين (10/198)، إعلام الورى، للطبرسي (1/343).

[7] الرسائل، للخميني (2/183 (هـ))، فقه الصادق (ع)، للروحاني (11/403 (ش))، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/477)، الهداية الكبرى، للخصيبي (132)، بحار الأنوار للمجلسي (42/130، 72/433)، شجرة طوبى، للحائري (1/79)، ميزان الحكمة، للريشهري (4/3653)، اختيار معرفة الرجال، للطوسي (1/295)، معجم رجال الحديث، للخوئي (20/106)، قاموس الرجال، للتستري (10/312).

[8] روضة الواعظين، للفتال النيسابوري (288)، الاختصاص للمفيد (75 (هـ))، بحار الأنوار للمجلسي (42/131)، اختيار معرفة الرجال، للطوسي (1/297)، قاموس الرجال، للتستري (10/313)، سنن الإمام علي (ع)، لجنة الحديث بمعهد باقر العلوم (ع) (301).

[9] أعيان الشيعة لمحسن الأمين (7/345).