قول بعض علماء الإمامية بجواز التقية على الأئمة
حتى في غياب المخالفين وبيان علل ذلك
تعد مسألة التقية من أبرز القضايا العقدية والفقهية التي انفردت بها الإمامية الاثنا عشرية عن سائر فرق المسلمين، حيث لم يقف مفهومها عند حد الخوف من المخالف أو الإكراه الظاهر، بل توسع عند كثير من علمائهم حتى شمل حال غياب المخالفين، بل ونُسب إلى الأئمة أنفسهم إنهم كانوا يعملون بها مع شيعتهم.
وقد قرر عدد من كبار فقهائهم أن اختلاف الروايات والأحكام المنقولة عن الأئمة ليس مرده الاجتهاد أو تعدد الأحوال، بل يرجع في كثير من الأحيان إلى التقية المقصودة لذاتها، لا لدفع خطر مباشر، وإنما لتحقيق غايات أخرى، كإخفاء المذهب، أو تشويش صورته عند العامة، أو منع اجتماع الشيعة على قول وأحد يُعرفون به.
وهذا التصور يفتح بابًا خطيرًا في باب الرواية والدين، إذ يجعل الكذب والتناقض وسيلة لحفظ المذهب، ويجعل الصدق مقيدًا بالمصلحة المذهبية لا بالحقيقة الشرعية، ويؤدي إلى إسقاط الثقة بأقوال الأئمة أنفسهم، إذ لا يُدرى: هل قالوا الحكم تقية أم حقيقة؟
كما ترتب على هذا القول بناء منظومة من النصوص التي تُلزم أتباعهم بالتقية، وتجعل تركها خروجًا عن الجماعة، بل ربط بعضهم زوالها بزمن ظهور المهدي المنتظر، مما يدل على إنها ليست رخصة مؤقتة عند الضرورة، بل أصل دائم في السلوك الديني عندهم.
وهذه المسألة من المسلمات عند القوم، حتى كان الخلاف بينهم في جوازها لم يحضر أحداً منهم:
يقول البحراني:... فصاروا صلوات الله عليهم – محافظة على أنفسهم وشيعتهم- يخالفون بين الأحكام وإن لم يحضرهم أحد من أولئك الأنام [1].
وقال: ولعل السر في ذلك: أن الشيعة إذا خرجوا عنهم مختلفين كل ينقل عن إمامة خلاف ما ينقله الآخر سخف مذهبهم في نظر العامة، وكذبوهم في نقلهم ونسبوهم إلى الجهل وعدم الدين، وهانوا في نظرهم، بخلاف ما إذا اتفقت كلمتهم وتعاضدت مقالتهم؛ فإنهم يصدقونهم ويشتد بغضهم لهم ولإمامهم ومذهبهم، ويصير ذلك سببا لثوران العداوة، والى ذلك يشير قولهعليه السلام: « ولو اجتمعتم على أمر وأحد لصدقكم الناس علينا» [2].
وقال في موضع آخر: أن الحمل على التقية لا يختص بوجود القائل من العامة[3].
أقول: ويحضرني هنا - أيضًا - سبب آخر فيه طرافة: فقد روى القوم عن الصادق عليه السلام إنه قال: « أن لنا أعداء من الجن يخرجون حديثنا إلى أعدائنا من الإنس، وإن الحيطان لها إذان كإذان الناس» [4]!
ويقول الجواهري في معرض كلامه في أحدى المسائل الخلافية عندهم: اللهم إلا أن يكتفى في التقية بمجرد وقوع الخلاف بين الشيعة، كي لا يعرفوا فيؤخذوا[5].
روايات من طرق الشيعة في الترهيب من ترك التقية
فعن الصادق عليه السلام إنه قال: «ليس منا من لم يلزم التقية» [6].
وقال: «إذا قام قائمنا سقطت التقية» [7].
وعن الرضا إنه قال: «من ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا» [8].
[1]الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني (1/5).
[2] الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني (1/6).
[3] الحدائق الناضرة ليوسف البحراني (3/254).
[4] تفسير فرات الكوفي، لفرات بن إبراهيم الكوفي (552)، بحار الأنوار للمجلسي (15/6 ، 25/2).
[5] جواهر الكلام، للجواهري (8/98).
[6] القواعد الفقهية، لناصر مكارم الشيرازي (1/410، 478)، وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي (11/466)، الأمالي، للطوسي (281)، الصراط المستقيم، للعاملي (3/71)، بحار الأنوار للمجلسي (72/395)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع)، لهادي النجفي (10/93).
[7] إثبات الهداة (3/564)، بحار الأنوار للمجلسي (24/47)، كنزالفوائد، للكراجكي (282)، تأويل الآيات (2/540).
[8] بحار الأنوار للمجلسي (75/411، 396) كمال الدين للصدوق (371)، وسائل الشيعة (آل البيت) للحر العاملي (16/212)، كشف الغمة، للإربلي (3/331)، مشكاة الأنوار لعلي الطبرسي (90).