نماذج من علماء أهل السُّنة في مواجهة ظلم الحكام

وبيان بطلان حصر التقية في طائفة دون غيرها

شهد تاريخ الأمة الإسلامية صفحات مشرقة من الثبات والصبر سطرها علماء أهل السُّنة في مواجهة تسلط الحكام وجورهم، حيث تعرض كثير منهم للسجن والجلد والقتل بسبب مواقفهم العقدية والفقهية والسياسية. ولم يكن أولئك العلماء دعاة فتنة ولا طلاب دنيا، وإنما كانوا يرون وجوب نصرة الحق والوقوف في وجه الظلم، ولو كلفهم ذلك أرواحهم وأموالهم.

ومن أشهر هذه النماذج الإمام أبو حنيفة النعمان الذي أوذي وعذب بسبب موقفه من نصرة آل البيت وخروجه عن طاعة الخلفاء الظلمة، والإمام مالك بن أنس الذي ضرب بالسياط بسبب فتواه في مسألة البيعة، والإمام أحمد بن حنبل الذي صبر في محنة خلق القرآن حتى صار مثالاً يُحتذى في الثبات على العقيدة.

وتبرز هذه الوقائع التاريخية حقيقة مهمة، وهي أن الاضطهاد والبطش لم يكن خاصًا بطائفة دون أخرى، بل طال علماء أهل السُّنة قبل غيرهم، ومع ذلك لم يجعلوا التقية أصلًا في الدين، ولا مذهبًا دائمًا في السلوك، بل كانوا يرون أن مواضع العزيمة أولى من الرخصة، وأن العالم قدوة للناس، فلا يجوز له أن يخفي الحق خوفًا على نفسه.

ومن هنا يتبين بطلان دعوى أن انتشار مذهب التقية كان سببه الظلم الواقع على فئة بعينها، أو أن الاضطهاد التاريخي مبرر لتحويل التقية إلى أصل عقدي دائم، إذ إن الظلم وقع على غيرهم أشد وأطول، ومع ذلك ثبتوا ولم يتخذوا الكتمان منهجًا ولا التدليس مذهبًا.

فهذا أبو حنيفة النعمان رحمه الله عذب حتى قيل:

 إنه قتل في سجن المنصور؛ لأن هواه كان مع أهل البيت رحمهم الله، وكان مؤيداً لخروج زيد بن علي رحمه الله على الأمويين.

ويروى إنه قال لما بلغه خروج زيد:

 ضاهى خروجه خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر. فقيل له: لم تخلفت عنه؟ فقال: حبسني عنه ودائع الناس، عرضتها على ابن أبي ليلى فلم يقبل، فخفت أن أموت مجهلاً.

وكان رحمه الله يحث الناس على نصرة الإمام زيد، كما أمده بمعونة مالية بلغت ثلاثين ألف درهم يستعين بها على عدوه، كما ذكرت بعض المصادر.

ومن بعده تأييده لخروج النفس الزكية محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي رضي الله عنه على الخليفة العباسي المنصور في عام (145 هـ)، وكذلك موقفه من خروج أخيه إبراهيم، حيث أفتى الإمام أبو حنيفة بالخروج مع إبراهيم، وكان المحدث الفقيه شعبة بن الحجاج يحث الناس على اتباعه، ويقول: ما يقعدكم؟! هي بدر الكبرى. كما أمده الإمام أبو حنيفة بأربعة آلاف درهم، وكتب إليه إنه لم يكن عنده غيرها.

وروي أن أمرأة أتت أبا حنيفة فقالت:

 إنك أفتيت ابني بالخروج مع إبراهيم، فخرج فقتل، فقال لها: ليتني كنت مكان ابنك.

وكتب أبو حنيفة إلى إبراهيم يقول:

 أما بعد: فإني جهزت إليك أربعة آلاف درهم، ولم يكن عندي غيرها، ولولا أمانات للناس عندي للحقت بك.

ويقال: أن هذا الكتاب وقع في يد أبي جعفر المنصور، وكان سبب تغيره على أبي حنيفة[1].

وكذلك الإمام مالك رحمه الله ضرب بالسياط حتى خلعت كتفه، بسبب التأييد نفسه، ولما سئل: هل يجوز قتال الخارجين على الخلفاء؟ أجاب: يجوز أن خرجوا على مثل عمر بن عبد العزيز.

وهو يؤكد بهذا شرعية خروج جميع من خرج على الخلفاء. ولما قيل: فإن لم يكونوا مثل عمر بن عبد العزيز؟ قال: دعهم ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما.

وأكثر من هذا: إنه رحمه الله كان يحث الناس على الخروج مع النفس الزكية على العباسيين،و كان أهل المدينة قد استفتوه في الخروج مع محمد (النفس الزكية).

وقالوا: أن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر! فقال: إنما بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين، فأسرع الناس إلى محمد، ولزم مالك بيته[2].

وهذه المسائل من أعظم الأسباب التي تبرر اللجوء إلى التقية، وهي هدف الحكام لإيقاع أشد أنواع التنكيل بقائليها أو متبنيها، ومع ذلك لم يذكر لنا التاريخ مصانعتهم للحكام فيها أو لجوءهم إلى جحور التقية هرباً بجلودهم؛ لأنهم كانوا قدوة للناس، فكان الأولى بهم الأخذ بالعزيمة.

وكذلك محنة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله المشهورة في كتب التاريخ أيام المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل في مسألة خلق القرآن، وقد مات بسببها الكثيرون، كمحمد بن نوح، فقد مات في قيده وهو مرافق لابن حنبل حين أعيدا إلى بغداد، فمات في الطريق، ونعيم بن حماد الفقيه المحدث، ويوسف بن يحيى البوطي المصري صاحب الشافعي وخليفته على حلقته اللذان ماتا في السجن، والعالم الجليل أحمد بن نصر الخزاعي الذي قتله الواثق بنفسه بحد سيفه.

وسرد قصص البلاء والمحن التي نزلت بهؤلاء وغيرهم من علماء أهل السُنة فيها طول قد يخرجنا عن خطة الكتاب.

فالمقصود هنا:

أن إيهام الشيعة للعامة والسذج من بني جلدتهم أو غيرهم بأن أسباب اشتهار الشيعة بهذة العقيدة هو وقوع الظلم والاضطهاد عليهم، أو اقتصاره عليهم دون بقية الفِرق والطوائف هو المردود والمجانب للحق والصواب؛ لأنك لن تجد أحداً من المسلمين يختلف مع الشيعة في مشروعية التقية لهم إذا كانت أسبابها بالشكل الذي يرددونه.

 

 

 

[1] انظر: الإمامة وأهل البيت لمحمد بيومي مهران (1/214- 215).

[2]انظر: الإمامة وأهل البيت لمحمد بيومي مهران (1/215- 216).